فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مُتَّفَقٌ عليه . فصل: قال رَضِىَ اللَّهُ عنه: (أرْكانُ الحَجِّ؛ الوُقُوفُ بعَرَفَةَ، وطَوافُ الزِّيارَةِ. وعنه، أنَّها أرْبَعَةٌ؛ الوُقُوفُ، والطَّوافُ، والإِحْرَامُ، والسَّعىُ. وعنه، أنَّها ثَلَاثَةٌ، وأنَّ السَّعْىَ سُنَّةٌ. واخْتارَ القَاضِى أنَّه واجِبٌ، وليس برُكْنٍ) الوُقُوفُ بعَرَفَةَ رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به إجْماعًا. وقد روَى الثَّوْرِىُّ عن بُكَيْرِ بنِ عَطاءٍ اللَّيْثىِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يَعْمُرَ الدِّيلىِّ، قال: أتَيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَرَفَةَ، فجاءه نَفَرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ، فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، كَيْفَ الحَجُّ؟

قال:«الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْع فَقَدْ تمَّ حَجُّهُ». رَواه أبو داودَ . قال محمدُ بنُ يَحْيَى: ما أرَى للثَّوْرِىِّ حَدِيثًا أشْرَفَ منه. وطَوافُ الزِّيارَةِ أيْضًا رُكْنٌ للحَجِّ لا يَتِمُّ إلَّا به. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو مِن فرائِض الحَجِّ، لا خِلاف في ذلك بينَ العُلَمَاءِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}.

فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الإِحْرامِ والسَّعْى، فرُوِىَ عنه أنَّ الإِحْرامَ رُكْنٌ؛ لأنَّه عِبارَة عنْ نِيَّةِ الدُّخُولِ في الحَجِّ، فلم يَتِمَّ بدُونِها؛ لقولِه عليه السلامُ:«إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنياتِ». وكسائِرِ العِباداتِ.

٩٬٤٦١

وعنه، أنَّه ليس برُكْنٍ؛ لحَدِيثِ الثَّوْرِىِّ الذى ذَكَرْناه.

٩٬٤٦٢

وأمَّا السَّعْىُ، فرُوِىَ عنه أنَّه رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به. وهو قولُ عائشةَ، وعُرْوَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لِما رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: طافَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وطافَ المُسْلِمُونَ، يَعْنِى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فكانت سُنَّةً، فلَعَمْرِى ما أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لم يَطُفْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ. رَواه مسلمٌ . وعن حَبِيبَةَ بنتِ أبى تَجْرَاةَ ؛ إحْدَى نِساءِ بنى عبدِ الدَّارِ، قالت: دَخَلْتُ مع نِسْوَةٍ مِن قُرَيْشٍ دارَ آلِ أبى حُسَيْنٍ، نَنْظُرُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ،

٩٬٤٦٣

وإنَّ مِئْزَرَه ليَدُورُ في وَسَطِه مِن شِدَّةِ سَعْيهِ، حتى إنِّى أقولُ: إنِّى لأرَى رُكْبَتَيْهِ، وسَمِعْتُه يقولُ:«اسْعَوْا فإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْىَ». رَواه ابنُ ماجه . ولأنَّه نُسُكٌ في الحَجِّ والعُمْرَةِ فكانَ رُكْنًا فيهما ، كالطَّوافِ بالبَيْتِ. وعن أحمدَ، أنَّه سُنَّةٌ لا دَمَ في تَرْكِه. رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وابِنِ سِيرِينَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. ونَفْىُ الحَرَجِ عن فاعِلِه دَلِيلٌ على عَدَمِ وُجُوبِه،

٩٬٤٦٤

فإنَّ هذا رُتْبَةُ المُباحِ، وإنَّما تَثْبُتُ سُنَّتُه بقولِه:{مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}. ورُوِىَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَىٍّ، وابنِ مَسْعودٍ:«فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهمَا». وهذا إن لم يَكُنْ قُرْآنًا، فلا يَنْحَطُّ عن رُتْبَةِ الخَبَرِ؛ لأنَّهُما يَرْوِيانِه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه نُسُكٌ مَعْدُودٌ لا يَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، فلم يَكنْ رُكْنًا، كالرَّمْى. واخْتارَ القَاضِى أنَّه واجِبٌ وليس برُكْنٍ، لكن يَجِبُ بتَركِه دَمٌ. وهو قولُ الحسنِ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ. وهذا أوْلَى؛ لأنَّ دَلِيلَ مَن أوْجَبَه دَلَّ على مُطْلَقِ الوُجُوبِ، لا على أنَّه لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به.

وقولُ عائشةَ في ذلك مُعارَضٌ بقولِ مَن خالَفَها مِن الصَّحَابَةِ. وحَدِيثُ بِنْتِ أبى تَجْراةَ يَرْوِيه عبدُ اللَّهِ ابنُ المُؤَمَّلِ، وقد تَكَلَّمُوا في حَدِيثه. ثم هو يَدُلُّ على أنَّه مَكْتُوبٌ، وهو الوَاجِبُ.

٩٬٤٦٥

فأمَّا الآيةُ، فإنَّما نَزَلَتْ لَمّا تَحَرَّجَ ناسٌ مِن السَّعْى في الإِسْلامِ، لِما كانُوا يَطُوفُونَ بينَهما في الجَاهِلِيَّةِ لأجْلِ صَنَمَيْنِ كانا على الصَّفَا والمَرْوَةِ. كذلك قالَتْ عائشةُ. وهذا أوْسَطُ الأقْوالِ. وهو اخْتِيارُ شيخِنا . ١٣٣٠ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}

تعليق

وَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ فِي شَأْنِ صَفِيَّةَ،

٨٬١٤٦

وَأَنَّ الطَّوَافَ حَابِسٌ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ،

٨٬١٤٧

وَلَوْ تَرَكَهُ رَجَعَ مُعْتَمِرًا، نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ: الْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ) وَقَدْ تَقَدَّمَا (والإحرام) لِحَدِيثِ «الْأَعْمَالِ» وَلِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ نِيَّةِ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ فَلَمْ يَتِمَّ إِلَّا بِهِ، كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ، هَلْ هُوَ رُكْنٌ؟ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُحَرَّرِ ": أَوْ شَرْطٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: لَا نَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الْأَصْحَابِ قَالَ بِهِ،

٨٬١٤٨

وَفِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مَا ظَاهِرُهُ رِوَايَةٌ بِجَوَازِ تَرْكِهِ،

٨٬١٤٩

وَفِي " الْإِرْشَادِ " سُنَّةٌ، وَفِيهِ بُعْدٌ (وَالسَّعْيُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ أحد نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ:«اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ فَكَانَ رُكْنًا فِيهِمَا كَالطَّوَافِ،

الإنصافالمرداوي

لا يتكلم على هذه المسألة.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

(أركان الحج الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة. وعنه: أنها أربعة: الطواف والوقوف والإحرام والسعي. وعنه: أنها ثلاثة وأن السعي سنة، واختار القاضي أنه واجب وليس بركن) .

٤٬٨١٠

أما كون الوقوف بعرفة ركناً فلما روي أن رجلاً قال:«أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فجاءه نفر من أهل نجد. فقالوا: يا رسول الله! كيف الحج؟ قال: الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر فقد تم حجه» أخرجه أبو داود وابن ماجة.

٤٬٨١١

وأما كون الطواف ركناً فلقوله تعالى:{وليطوفوا بالبيت العتيق}.

تعليق

ولما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله. فقلت: يا رسول الله! إنها حائض. قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! أفاضت يوم النحر. قال: اخرجوا» رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه.

فدل هذا على أن الطواف لا بد منه وأنه حابس لمن لم يأت به.

ولأن الحج أحد النسكين فكان الطواف ركناً له كالعمرة.

٤٬٨١٢

وأما الإحرام ففيه روايتان:

أحدهما: أنه ركن؛ لأن الحج عبادة فلم تصح بدون الإحرام كنية الصلاة.

والثانية: أنه ليس بركن لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعروة بن مُضَرِّس: «من وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً وأدرك معنا صلاتنا هذه -يعني الصبح- من يوم النحر فقد تم حجه وقضى تفثه» ولم يذكر الإحرام ولو كان ركناً لذكره.

٤٬٨١٣

فإن قيل: لم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف وهو ركن وفاقاً؟

قيل: إنما ترك ذكره لأن القرآن دل عليه

٤٬٨١٤

بخلاف الإحرام.

والرواية الأولى أصح في ظاهر قول الأصحاب، وظاهر قول المصنف رحمه الله عكس ذلك؛ لأنه أخرها، ولم أعلم أحداً من الأصحاب ذكر أن الإحرام شرط والأشبه به كذلك. وبه قال أبو حنيفة وذلك أن من قال بالرواية الأولى قاس الإحرام على نية الصلاة، ونية الصلاة شرط

٤٬٨١٥

وكذا يجب أن يكون الإحرام.

ولأن الإحرام يجوز فعله قبل دخول وقت الحج فوجب أن يكون شرطاً كالطهارة مع الصلاة.

٤٬٨١٦

وأما السعي فعن الإمام أحمد رحمه الله أنه ركن؛ لأن حبيبة بنت أبي تَجْراة قالت:«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو يسعى: اسعوا فان الله كتب عليكم السعي» رواه الإمام أحمد في المسند. وعن عائشة رضي الله عنها قالت:«طاف النبي صلى الله عليه وسلم فطاف المسلمون -تعني بين الصفا والمروة- ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة».

وعن أحمد رحمه الله: هو سنة؛ لأن الله تعالى قال:{فلا جناح عليه أن يَطَّوف بهما}.

وروي أن في مصحف أُبَيّ وابن مسعود: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما.

وقراءة من ذكر إن لم تكن قرآناً فلا تنحط عن درجة الخبر.

ولأنه نسك ذو عدد لا يتعلق بالبيت فلم يكن ركناً كالرمي.

واختار القاضي أنه واجب؛ لأنه فعل من أفعال الحج فكان واجباً لا ركناً كطواف الوداع.

قال المصنف رحمه الله في المغني: الذي قال القاضي أقرب إلى الحق إن شاء الله تعالى؛ لأن ما روت عائشة رضي الله عنها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه دليل وجوبه ولا يلزم كونه ركناً كالرمي والحلق وغيرهما.

وقولها:«ما أتم الله حج من لم يطف» معارَض بقول غيرها، وحديث حبيبة فيه كلام. ثم هو يدل على أنه مكتوب والواجب مكتوب والآية نزلت؛ «لأن ناساً تحرجوا من السعي لأجل صنمين كانا بين الصفا والمروة» كذلك قالت عائشة رضي الله عنها.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.