فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (ومَن أحْرَمَ فحَصَرَه عَدُوٌّ، ولم يَكُنْ له طَرِيقٌ إلى الحَجِّ، نَحَر هَدْيًا في مَوْضِعِه، وحَلَّ) لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ المُحْصَرَ إذا حَصَرَه عَدُوٌّ، ومَنَعُوه الوُصُولَ إلى البَيْتِ، ولم يَجدْ طَرِيقًا آمِنًا، أنَّ له التَّحَلُّلَ، مُشْرِكًا كان العَدُوُّ أو مُسْلِمًا؛ لقولِه تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أصْحَابَه حينَ حُصِرُوا في الحُدَيْبِيَةِ أن يَنْحَرُوا ويَحْلِقُوا ويَحِلُّوا . وسَواءٌ كان الإِحْرامُ بحَجٍّ، أو عُمْرَةٍ، أو بهما.

وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّ المُعْتَمِرَ لا يَتَحَلَّلُ؛ لأنَّه لا يَخافُ الفَواتَ.

٩٬٤٩٩

ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ، وإنَّما كانُوا مُحْرِمِينَ بعُمْرَةٍ، فحَلُّوا جَمِيعًا. وعلى مَن تَحَلَّلَ بالإِحْصَار الهَدْىُ، في قولِ الأكْثَرَينَ. وعن مالكٍ، ليس عليه هَدْىٌ؛ لأنَّه تَحَلُّل أُبِيحَ له مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، أشْبَهَ مَن أتَمَّ حَجَّه. ولَنا، قولُه تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}. قال الشافعىُّ: لا خِلافَ بينَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ هذه الآيَةَ نزَلَتْ في حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ. ولأنَّه أُبِيحَ له التَّحَلُّلُ قبلَ إتْمامِ نُسُكِه، أشْبَهَ مَن فاتَه الحَجُّ، وبهذا فارَقَ مَن أتَمَّ حَجَّه.

فصل: ولا فَرْقَ بينَ الحَصْرِ العامِّ في حَقِّ كلِّ الحاجِّ، وبينَ الخاصِّ في حَقِّ شَخْصٍ واحِدٍ، مثلَ أن يُحْبسَ بغيرِ حَقٍّ، أو تَأْخُذَه اللُّصُوصُ؛ لعُمُومِ النَّصِّ، ووُجُودِ المَعْنَى في الكلِّ.

٩٬٥٠٠

فأمَّا مَن حُبِسَ بحَقٍّ عليه يُمْكِنُه الخُرُوجُ منه، فلا يَجُوزُ له التَّحَلُّلُ في الحَبْسِ فإن كان عاجِزًا عن أدائِه، فحُبِسَ بغيرِ حَقٍّ، فله التَّحَلُّلُ، كمَن ذَكَرْناه.

٩٬٥٠١

وإن كانَ عليه دَيْن مُؤَجَّل يَحِلُّ قبلَ تُدُومِ الحاجِّ، فمَنَعَه صاحِبُه مِن الحَجِّ، فله التَّحَلُّلُ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.

٩٬٥٠٢

ولو أحْرَمَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، أو المَرْأةُ للتَّطَوُّعِ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، فلهما مَنْعُهما، وحُكْمُهُما حُكْمُ المُحْصَرِ.

فصل: فإن أمْكَنَ المُحْصَرَ الوُصُولُ مِن طَرِيقٍ أُخْرَى، لم يُبَحْ لَه التَّحَلُّلُ، ولَزِمَه سُلُوكُها، بَعُدَتْ أو قَرُبَتْ، خَشِىَ الفَواتَ أو لم يَخْشَه،

٩٬٥٠٣

فإن كان مُحْرِمًا بعُمْرَةٍ لم تَفُتْ،

٩٬٥٠٤

وإن كان بحَجٍّ ففاتَه، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ،

٩٬٥٠٥

وكذا لو لم يَتَحَلَّلِ المُحْصَرُ حتى زالَ الحَصْرُ، لَزِمَه السَّعْىُ وإن كان بعدَ فَواتِ الحَجِّ، ليَتَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ. ثم هل يَلْزَمُه القَضاءُ إن فاتَه الحَجُّ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، يَلْزَمُه، كمَن فاتَه بخَطَأ الطَّرِيقِ. والثانِيَةُ، لا يَجِبُ؛ لأنَّ سَبَبَ الفَواتِ الحَصْرُ، أشْبَهَ مَن لم يَجِدْ طَرِيقًا أُخْرَى، وبهذا فارَقَ المُخْطِئَ.

فصل: وإذا كان العَدُوُّ الذين حَصَرُوا الحاجَّ مُسْلِمينَ، فأمْكَنَه الانْصِرافُ، كان أوْلَى مِن قِتالِهم؛ لأنَّ في قِتالِهم المُخاطَرَةَ بالنَّفْسِ والمالِ وقَتْلَ مُسْلمٍ، فكان تَرْكُه أوْلَى.

٩٬٥٠٦

ويَجُوزُ قِتالُهم؛ لأنَّهُم تَعَدَّوْا على المُسْلِمينَ لمَنْعِهِم طَرِيقَهم، فأشْبَهُوا سائِرَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ.

٩٬٥٠٧

وإن كانُوا مُشْركِينَ، لم يَجِبْ قِتالُهم؛ لأنَّه إنَّما يَجِبُ بأحَدِ أمْرَيْن؛ إذا بَدَءُوا بالقِتالِ، أو وَقَع النَّفِيرُ، فاحْتِيجَ إلى مَدَدٍ، وليس ههُنا واحِدٌ منهما. لكن إن غَلَب على ظَنِّ المُسْلِمينَ الظَّفَرُ، اسْتُحِبَّ قِتالُهم؛ لِما فيه مِن الجِهادِ، وحُصولِ النَّصْرِ، وإتمامِ النُّسُكِ.

٩٬٥٠٨

وإن كان بالعَكْسِ، فالأوْلَى الانْصِرافُ؛ لِئَلَّا يُغَرِّرُوا بالمُسْلِمينَ.

٩٬٥٠٩

ومتى احْتَاجُوا في القِتالِ إلى لُبْسِ ما تَجِبُ فيه الفِدْيَةُ، فلهم فِعْلُه، وعليهم الفِدْيَةُ؛ لأنَّ لُبسَهم لأجْلِ أنْفُسِهِم، فأشْبَهَ ما لو لَبِسُوا للاسْتِدْفاء مِن بَرْدٍ.

٩٬٥١٠

فإن أذِنَ لهم العَدُوُّ في العُبُورِ فلم يَثِقُوا بهم، فلهم الانْصِرافُ؛ لأَنَّهُم خائِفُونَ على أنْفُسِهم، فكَأنَّهُم لم يُؤَمِّنُوهم،

٩٬٥١١

وإن وَثِقوا بأمانِهِم، وكانُوا مَعْرُوفِينَ بالوَفاءِ، لَزِمَهم المُضِىُّ على إحْرامِهِم؛ لأنَّه قد زالَ حَصْرُهم،

٩٬٥١٢

وإن طَلَب العَدُوُّ خُفارَةً على تَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وكان مِمَّن لا يُؤْمَنُ بأَمانهِ، لم يَلْزَمْهُم بَذْلُه؛ لأن الخَوْفَ باقٍ مع البَذْلِ،

٩٬٥١٣

وإن كان مَوْثُوقًا بأمانِه، والخُفارَةُ كَثِيرَةٌ، لم يَجِبْ بَذْلُه، بل يُكْرَهُ إن كان العَدُوُّ كافِرًا؛ لأنَّ فيه صَغارًا وتَقْوِيَةً للكافِرِ،

٩٬٥١٤

وإن كانَتْ يَسِيرَةً، فقِياسُ المَذْهَبِ وُجُوبُ بَذْلِه، كالزِّيادَةِ في ثَمَنِ الماءِ للوُضُوءِ.

٩٬٥١٥

وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَجِبُ بَذْلُ خُفارَةٍ بحالٍ، وله التَّحَلُّلُ، كما في ابْتِداءِ الحَجِّ لا يَلْزَمُه إذا لم يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا مِن غيرِ خُفارَةٍ.

فصل: متى قَدَرَ المُحْصَرُ على الهَدْى، فليس له التَّحَلُّلُ قبلَ ذَبْحِه.

٩٬٥١٦

فإن كان معه هَدْىٌ قد ساقَه، أجْزَأه،

٩٬٥١٧

وإن لم يَكُنْ معه، لَزِمَه شِراؤُه إن أمْكَنَه، ويُجْزِئُه أدْنَى الهَدْى، وهو شَاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ؛ لقولِه تعالى:{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}. وله نَحْرُه في مَوْضِعِ حَصْرِه، مِن حِلٍّ أو حَرَمٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، إلَّا أن يكونَ قادِرًا على أطْرافِ الحَرَمِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه نَحْرُه فيه؛ لأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَنْحَرٌ، وقد قَدَر عليه. والثانِى، يَنْحَرُه في مَوْضِعِه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَر هَدْيَه في مَوْضِعِه.

وعن أحمدَ، ليس للمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيهِ إلَّا في الحَرَمِ، ويُواطِئُ رجلًا على نَحْرِه في وَقْتٍ يَتَحَلَّلُ فيه. يُرْوَى هذا عن ابنِ مسعودٍ، في مَن لُدِغَ في الطَّرِيقِ. ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وعَطاءٍ. قال شيخُنا : وهذا، واللَّهُ أعْلمُ، في مَن كان حَصْرُه خاصًّا،

٩٬٥١٨

وأمَّا الحَصرُ العامُّ، فلا يَنْبَغِى أن يَقُولَه أحَدٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعَذُّر الحِلِّ، لتَعَذُّر وُصُولِ الهَدْى إلى مَحِلِّه، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه نَحَرُوا هَدَايَاهُم في الحُدَيْبيَةِ، وهى مِن الحِلِّ. قال البخارىُّ: قال مالكٌ وغيرُه: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه حَلَقُوا وحَلُّوا مِن كلِّ شئٍ قبلَ الطَّوافِ، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْىُ إلى البَيْتِ. ولم يُذْكَرْ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أحَدًا أن يَقْضِىَ شيئًا، ولا أن يَعُودُوا له.

ويُرْوَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَر هَدْيَهُ عندَ الشَّجَرَةِ التى كان تَحْتَها بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ . وهى مِن الحِلِّ باتِّفاقِ أهْلِ السِّيَرِ. وقد دَلَّ عليه قَوْلُه تعالى:{وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}. ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكانَ مَوْضِعَ نَحْرِه، كالحَرَمِ.

٩٬٥١٩

فإن قِيلَ: فقد قال اللَّهُ تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}. وقال:{ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ}. ولأنَّه ذَبْحٌ يَتَعَلَّقُ بالإِحْرامِ، فلم يَجُزْ في غيرِ الحَرَمِ، كدَمِ الطِّيبِ واللُّبْسِ. قُلْنا: الآيَة في غيرِ المُحْصَرِ،

٩٬٥٢٠

ولا يَصِحُّ قِياسُ المُحْصَرِ عليه؛ لأنَّ تَحَلُّلَ المُحْصَرِ في الحِلِّ، وتَحَلُّلَ غيرِه في الحَرَمِ، فكلُّ واحِدٍ منهما يَنْحَرُ في مَوضِعِ تَحَلُّلِهِ. وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى:{حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}: حتى يُذْبَحَ. وذَبْحُه في حَقِّ المُحْصَرِ في مَوْضِعِ حِلِّهِ، اقْتِداءً بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما قَاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.

فصل: وإذا أُحْصِرَ المُعْتَمِرُ، فله التَّحَلُّلُ ونَحْرُ هَدْيِه وَقْتَ حَصْرِه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابهَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، حَلُّوا ونَحَرُوا هَدَايَاهُمْ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ .

٩٬٥٢١

وإن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا، فكذلك، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْن، أشْبَهَ العُمْرَةَ، ولأنَّ العُمْرَةَ لا تَفُوتُ، وجَمِيعُ الزَّمانِ وَقْتٌ لها،

٩٬٥٢٢

فإذا جاز الحِلُّ منها ونَحْرُ هَدْيِها مِن غيرِ خَشْيَةِ فَواتِها، فالحَجُّ الذى يُخْشَى فَواتُه أوْلَى. والثانِيَةُ، لا يَحِلُّ، ولا يَنْحَرُ هَدْيَه إلى يَوْمِ النَّحْرِ. نَصَّ عليه في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وحَنْبَلٍ؛ لأنَّ للهَدْىِ مَحِلَّ زَمانٍ ومَحِلَّ مَكانٍ،

٩٬٥٢٣

فإذا سَقَط مَحِلُّ المَكَانِ للعَجْزِ عنه، بَقِىَ مَحِلُّ الزَّمَانِ واجبًا؛ لإِمْكانِه،

٩٬٥٢٤

وإذا لم يَجُزْ له نَحْرُ الهَدْى قبلَ يومِ النَّحْرِ، لم يَجُزْ له التَّحَلُّلُ؛ لقولِه سُبْحانَه:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}.

٩٬٥٢٥

وإذا قُلْنا بجَوازِ التَّحَلُّلِ قبلَ يومِ النَّحْرِ، فالمُسْتَحَبُّ له الإِقامَةُ على إحْرامِه، رَجاءَ زَوالِ الحَصْرِ،

٩٬٥٢٦

ومتى زَالَ قبلَ تَحَلُّلِه، فعليه المُضِىُّ لإِتْمامِ نُسُكِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. قال ابنُ المُنْذِرِ: قال كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَن يَئِسَ أن يَصِلَ إلى البَيْتِ، فجازَ له الحِلُّ، فلم يَحِلَّ حتى خُلِّىَ سَبِيلُه، أنَّ عليه أن يَقْضِىَ مَناسِكَه.

٩٬٥٢٧

وإن زالَ الحَصْرُ بعدَ فَواتِ الحَجِّ، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ،

٩٬٥٢٨

فإن فاتَ الحَجُّ قبلَ زَوالِ الحَصْرِ، تَحَلَّلَ بهَدْىٍ. وقد قِيلَ: إنَّ عليه ههُنا هَدْيَيْن؛ هَدْىٌ للفَواتِ، وهَدْىٌ للإِحْصَارِ. ولم يَذْكُرْ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، في رِوايَةِ الأثرَمِ، هَدْيًا ثانِيًا في حَقِّ مَن لم يَتَحَلَّلْ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ. ١٣٣٥ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَمَنْ أَحْرَمَ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحَجِّ ذَبَحَ هَدْيًا فِي مَوْضِعِهِ وَحَلَّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}

٨٬١٨٤

قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعَنِ الْمِسْوَرِ بن مخرمة، وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ

٨٬١٨٥

قَالَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ لِأَصْحَابِهِ:«قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الْحِلِّ لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ شَرْعًا، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِحْصَارِ بَيْنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ أَوْ بِهِمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَلُّوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَتْ عُمْرَةً،

٨٬١٨٦

وَفِي كَلَامِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْعُمْرَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَ " الْمُبْهِجِ " وَ " الْفُصُولِ "؛ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ،

٨٬١٨٧

وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ:" وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحِلِّ " فَلَا إِشْكَالَ.

٨٬١٨٨

وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَجِّ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ، وَلَا قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: بَلْ يَكُونُ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى مَا يُشْتَرَطُ لِلتَّحَلُّلِ.

فَمِنْهَا: أَنْ لَا يَجِدَ طَرِيقًا آخَرَ آمِنًا،

٨٬١٨٩

فَإِنْ وَجَدَهُ لَزِمَهُ سُلُوكُهُ، وَإِنْ بَعُدَ، وَخَافَ الْفَوَاتَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَحْصُرْهُ أَحَدٌ.

وَمِنْهَا: أَنْ يَحْصُرَهُ ظُلْمًا، فَيَشْمَلُ مَا إِذَا أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ.

٨٬١٩٠

قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَعِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ، فَهُوَ كَالْمَرَضِ، وَشَمَلَ الْحَصْرَ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ، كَمَا لَوْ حُصِرَ مُنْفَرِدًا بِأَنْ أَخَذَتْهُ اللُّصُوصُ أَوْ حُبِسَ وَحْدَهُ،

٨٬١٩١

فَلَوْ حُبِسَ بِحَقٍّ يَلْزَمُهُ، وَيُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ، وَشَمَلَ الْعَدُوَّ الْكَافِرَ وَالْمُسْلِمَ، وَالتَّحَلُّلُ مُبَاحٌ لِحَاجَتِهِ فِي الدَّفْعِ إِلَى قِتَالٍ، أَوْ بَذْلِ مَالٍ كَثِيرٍ،

٨٬١٩٢

فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَالْعَدُوُّ مُسْلِمٌ، فَفِي وُجُوبِ الْبَذْلِ وَجْهَانِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ بَذْلِهِ كَالزِّيَادَةِ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَمَعَ كُفْرِ الْعَدُوِّ يُسْتَحَبُّ قِتَالُهُ إِنْ قَوِيَ الْمُسْلِمُونَ، وَإِلَّا فَتَرْكُهُ أَوْلَى.

وَمِنْهَا: أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ أَوْ بَدَلَهُ إِنَّ عَجَزَ عَنْهُ: وَهُوَ الصِّيَامُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَكَذَا فَعَلَ، وَأَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، فَيَنْحَرُهُ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ بِهِ وُجُوبًا فَكَأَنَّهُ كَالْحَلْقِ، يَجُوزُ لَهُ فَقَطْ فِي الْحِلِّ، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَذَكَرَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ لَهُ، وَلِغَيْرِهِ فِي الْحِلِّ،

٨٬١٩٣

وَعَنْهُ: يَنْحَرُهُ فِي الْحَرَمِ، فَيُوَاطِئُ رَجُلًا عَلَى نَحْرِهِ فِي وَقْتٍ يَتَحَلَّلُ فِيهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى مَنْ حَصْرُهُ خَاصٌّ،

٨٬١٩٤

أَمَّا فِي الْعَامِّ، فَلَا، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعَذُّرِ الْحَلِّ بِتَعَذُّرِ وُصُولِ الْهَدْيِ إِلَى مَحِلِّهِ،

٨٬١٩٥

وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ الذَّبْحُ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَقْتُ ذَبْحِهِ، وَقَيَّدَهَا فِي " الْكَافِي " مَا إِذَا سَاقَ هَدْيًا،

٨٬١٩٦

وَفِي " الْفُرُوعِ " بِالْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ.

٨٬١٩٧

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَلْقُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَيْسَ بِنُسُكٍ خَارِجَ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْإِحْرَامِ كَالرَّمْيِ،

٨٬١٩٨

وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهَا فِي " التَّعْلِيقِ " وَبَنَاهُمَا فِي " الْكَافِي " عَلَى أَنَّهُ نُسُكٌ أَوْ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ، وَاشْتُرِطَتِ النِّيَّةُ هُنَا دُونَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَتَى بِأَفْعَالِ النُّسُكِ فَقَدْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ، فَيُحِلُّ مِنْهَا بِإِكْمَالِهَا، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى نِيَّةٍ،

٨٬١٩٩

بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنَ الْعِبَادَةِ قَبْلَ إِتْمَامِهَا، فَافْتَقَرَ إِلَيْهَا،

٨٬٢٠٠

فَإِنَّ الذَّبْحَ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ التَّحَلُّلِ، فَلَمْ يَتَخَصَّصْ إِلَّا بِقَصْدِهِ، بِخِلَافِ الرَّمْيِ

الإنصافالمرداوي

ومَن أحْرَمَ فحَصَره عَدُوٌّ -ومَنَعه مِنَ الوُصُولِ إلى البَيْتِ- ولم يَكُنْ له طَرِيقٌ إلى الحَجِّ -ولو بَعُدَتْ، وفاتَ الحَجُّ- ذبَح هَدْيًا فى مَوْضِعِه، وحَلَّ. يعْنِى، يتَحَلَّلُ بنَحْرِ هَدْيِه بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ به وُجوبًا، فتُعْتَبرُ النِّيَّةُ هنا للتَّحَلُّلِ، ولم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

.

تُعْتَبرْ فى غيرِ المُحْصَرِ؛ لأنَّ غيرَه قد أتَى بأفْعالِ النُّسُكِ، فقد أتَى بما عليه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والمُحْصَرُ يُريدُ الخُروجَ مِنَ العِبادَةِ قبلَ إكْمالِها، والذَّبْحُ قد يكونُ لغيرِ الحِلِّ.

١٤٬٩٩٧

تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه سَواءٌ أحْصَرَه العَدُوُّ قبلَ الوُقوفِ بعَرَفَةَ أو بعدَه. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. نصَّ عليه. وجزَم به فى «الرِّعايتَيْن»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، و «الحاوِيَيْن». وقدَّمه فى «الفُروعِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

١٤٬٩٩٨

وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: إنَّما ذلك إذا كان قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ.

١٤٬٩٩٩

فأمَّا الحَصْرُ عن طَوافِ الإِفاضَةِ، بعدَ رَمْى الجَمْرَةِ، فليس له أنْ يتَحَلَّلَ،

١٥٬٠٠٠

ومتى زالَ الحَصْرُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أتَى بالطَّوافِ، وتَمَّ حَجُّه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذبَح هَدْيًا فى مَوْضِعِه. يعْنِى، فى مَوْضِعِ حَصْرِه. وهذا المذهبُ، وسواءٌ كان مَوْضِعُه فى الحِلٌ أو فى الحَرَمِ. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.

١٥٬٠٠١

وعنه، لا يَنْحَرُه إلَّا فى الحَرَمِ، ويُواطِئُ رَجُلًا على نَحْرِه فى وَقْتٍ يَتَحَلَّلُ فيه. قال المُصَنِّفُ: هذا، واللَّه أَعلمُ، فى مَن كان حَصْرُه خاصًّا.

١٥٬٠٠٢

فأمَّا الحَصْرُ العامُّ، فلا يَنْبَغِى أنْ يقُولَه أحَدٌ.

١٥٬٠٠٣

وعنه، لا يَنْحَرُه إلَّا فى الحَرَمِ، إذا كان مُفْرِدًا، أو قارِنًا، ويكونُ يومَ النَّحْرِ.

١٥٬٠٠٤

قال فى «الكافِى»: وكذلك مَن ساقَ هَدْيًا، لا يتَحَلَّلُ إلَّا يومَ النَّحْرِ. وقدَّم فى «الرِّعايَةِ»، أنَّه لا ينْحَرُ الهَدْى إلَّا يومَ النَّحْرِ.

١٥٬٠٠٥

قال الزَّرْكَشِىُّ وغيرُه: ويجِبُ أنْ يَنْوِىَ بذَبْحِه التَّحَلُّلَ؛ لأنَّ الهَدْى يكونُ لغيرِه، فلَزِمَه النِّيَّةُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

طَلبًا للتَّمْيِيزِ.

تنبيه: قولُه: ذبَح هَدْيًا. يعْنِى، أنَّ الهَدْى يلْزَمُه. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. واخْتارَ ابنُ القَيِّمِ فى الهَدْى، أنه لا يَلْزَمُ المُحْصَرَ هَدْىٌ.

١٥٬٠٠٦

فائدة: لا يَلْزَمُ المُحْصَرَ إلَّا دَمٌ واحدٌ، سواءٌ تحَلَّلَ بعدَ فَواتِه أو لا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.

١٥٬٠٠٧

وقال القاضى وغيرُه: إنْ تحَلَّلَ بعدَ فَواتِه، فعليه هَدْيان؛ هَدْىٌ لتَحَلُّلِه، وهَدْىٌ لفَواتِه.

تنبيهان؛ أحدُهما، ظاهِرُ قولِه: ذبَح هَدْيًا وحَلَّ. أنَّ الحِلَّ مُرتَّبٌ على الذَّبحِ.

١٥٬٠٠٨

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ.

١٥٬٠٠٩

وَلَوْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ ذلِكَ، لَمْ يَحِلَّ.

وهو المذهبُ بلا رَيْبٍ. وعنه فى المُحْرِمِ بالحَجِّ، لا يَحِلُّ إلَّا يومَ النَّحْرِ؛ ليتَحقَّقَ الفَواتُ. الثَّانى،

١٥٬٠١٠

ظاهِرُ قولِه: فإنْ لم يَجِدْ هَدْيًا، صَامَ عَشَرَةَ أيَّام، ثُمَّ حَلَّ. أنَّه لا إطْعامَ فيه. وهو صحيحٌ، وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وهو مِنَ المُفْرَداتِ.

١٥٬٠١١

وعنه، فيه إطْعامٌ. وقال الآجُرِّىُّ: إنْ عَدِمَ الهَدْى مَكانَه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قَوَّمَه طَعامًا، وصامَ عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا وحَلَّ. وأْحِبُّ أن لا يَحِلَّ حتى يصُومَ إنْ قدَر،

١٥٬٠١٢

فإنْ صَعُبَ عليه، حَل ثمَّ صَامَ. وتقدَّم ذلك فى الفِدْيَةِ.

فائدتان؛ إحداهما، لو حُصِرَ عن فِعْلِ واجبٍ، لم يتَحَلَّلْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، وعليه دَمٌ له.

١٥٬٠١٣

وقال القاضى: يتَوجَّهُ فى مَن حُصِرَ بعدَ تحَلُّلِه الثَّانى، يتَحَلَّلُ. وأوْمَأَ إليه.

١٥٬٠١٤

قال فى «الفائقِ»: وقال شيْخُنا: له التَّحَلُّلُ. الثَّانيةُ، يُباحُ التَّحَلُّلُ لحاجَتِه فى الدَّفْعِ إلى قِتالٍ، أو بذْلِ مالٍ كثيرٍ،

١٥٬٠١٥

فإنْ كان يسيرًا والعَدُوُّ مُسْلِمٌ، فقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: قِياسُ المذهبِ وُجوبُ بذْلِه، كالزِّيادةِ فى ثَمَنِ الماءِ للوُضُوءِ.

١٥٬٠١٦

قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقيل: لا يجِبُ بذْلُه. ونقَلَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ عن بعضِ الأصحابِ. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ». ومع كُفْرِ العَدُوِّ يُسْتَحَبُّ قِتالُه إنْ قَوِىَ المُسْلِمون، وإلَّا فَترْكُه أوْلَى.

١٥٬٠١٧

تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، أنَّ الحِلاقَ أو التَّقْصِيرَ لا يجِبُ هنا، وَفِى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُحْصَرِ رِوَايَتَانِ.

ويحْصُلُ التَّحَلُّلُ بدُونِه. وهو أحَدُ القَوْلَيْن؛ لعدَمِ ذكْرِه فى الآيَةِ، ولأنَّه مُباحٌ ليس بنُسُكٍ خارِجَ الحَرَمِ؛ لأنَّه مِن تَوابعِ الإِحرامِ، كالرَّمْى والطَّوافِ. وقدَّم فى «المُحَرَّرِ» عدَمَ الوُجوبِ. وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِىِّ. وقدَّمه ابنُ رَزينٍ فى «شَرْحِه».

١٥٬٠١٨

وقيلَ: فيه رِوايَتان مَبْنِيَّتان على أنَّهَ هل هو نُسُكٌ، أو إطْلَاقٌ مِن مَحْظُورٍ؟ وجزَم بهذه الطَّريقَةِ فى «الكافِى».

١٥٬٠١٩

وقال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، بعدَ أنْ أطْلَقا الرِّوايتَيْن: ولعَلَّ الخِلافَ مَبْنِىٌّ على الخِلافِ فى الحَلْقِ، هل هو نُسُكٌ، أو إطْلاقٌ من مَحْظُورٍ؟ وقدَّم الوُجوبَ فى «الرِّعايَةِ». واخْتارَه القاضى، فى «التَّعْلِيقِ» وغيرِه. وأطْلَقَ الطَّرِيقتَيْن فى «الفُروعِ».

١٥٬٠٢٠

وإنْ نَوَى التَّحَلُّلَ قبلَ ذلِك، لم يَحِلَّ. ولَزِمَه دَمٌ لتَحَلُّلِه. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».

١٥٬٠٢١

وقيلَ: لا يَلْزَمُه دَمٌ لذلك. جزَم به فى «المُغنى»، و «الشَّرْحِ».

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (ومن أحرم فحصره عدو ولم يكن له طريق إلى الحج ذبح هدياً في موضعه وحل، فإن لم يجد هدياً صام عشرة أيام ثم حل، ولو نوى التحلل قبل ذلك لم يحلّ، وفي وجوب القضاء على المحصر روايتان) .

٤٬٨٣٣

أما ذبح المحرم هدياً إذا حصره عدو في الجملة فلقوله تعالى:{فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}.

و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما حصروا بالحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا».

٤٬٨٣٤

وأما حله بعد ذلك فلما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بذلك.

ولأن الحاجة داعية إلى الحل لما في تركه من المشقة العظيمة المنفية شرعاً.

ولا فرق في الإحصار بين الحج والعمرة لعموم الآية.

ولأن الصحابة رضي الله عنهم حلوا في الحديبية وكانت عمرة.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه خرج في الفتنة معتمراً وقال: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم» متفق عليه.

٤٬٨٣٥

وأما ما يشترط للحل فشروط:

أحدها: أن لا يجد طريقاً أخرى

٤٬٨٣٦

فلو أمكنه الوصول من طريق أخرى لزمه سلوكها ولم يجز له التحلل سواء كان أبعد من طريق الحصر أو مثله؛ لأنه أمكنه الوصول أشبه ما لم يحصره أحد. الثاني: أن ينحر هديه إن كان معه وإلا اشتراه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل وهكذا أمر الصحابة .

الثالث: أن يحصر ظلماً كحصر الكفار وقطاع الطريق ومانعي الوصول إلى المناهل ونحو ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حصروا ظلماً

٤٬٨٣٧

فلو منعه من له عليه دين وهو قادر على أدائه لم يكن له التحلل؛ لأنه لا عذر له في الحبس فكان الحصر من نفسه.

الرابع: الحلق إن قلنا هو نسك ولم يذكره المصنف رحمه الله

٤٬٨٣٨

وظاهره عدم اشتراطه.

فعلى هذا يحصل التحلل للمحصر بالنية والنحر أو بدله وبالنية والنحر أو بدله والحلق على الخلاف المتقدم في كونه نسكاً.

٤٬٨٣٩

فإن قيل: لم اشترطت النية هنا دون ما تقدم؟

قيل: لأن من أتى بأفعال الحج فقد أتى بما عليه فيتحلل منها بإكمالها فلم يحتج إلى نية

٤٬٨٤٠

بخلاف المحصر فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها فافتقرت إلى قصده.

ولأن الذبح يكون لغير التحلل فلم يتخصص إلا بالقصد

٤٬٨٤١

بخلاف الرمي فإنه لا يكون إلا للنسك فلم يحتج إلى القصد.

٤٬٨٤٢

وأما صيام عشرة أيام إذا لم يجد الهدي فلما تقدم في باب الفدية ،

٤٬٨٤٣

وفي حديث عمر لهبار.

وأما عدم حله إذا نوى التحلل قبل الذبح أو الصوم فلأن الهدي أو الصوم أقيم مقام أفعال الحج فلم يحل قبله كما لا يتحلل القادر على أفعال الحج قبلها ولا يلزمه بهذه النية فدية؛ لأنها لا تؤثر في العبادة.

٤٬٨٤٤

وإن فعل شيئاً من المحظورات قبل النحر فعليه فدية؛ لأنه باق على إحرامه.

٤٬٨٤٥

وأما وجوب القضاء على المحصر ففيه روايتان:

أحدهما: يجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل وسميت عمرة القضية. ولأنه تحلَّلَ من إحرمه قبل إتمامه فلزمه القضاء كما لو فاته الحج.

والثانية: لا يجب؛ لأن الذين صدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ألفاً وأربعمائة والذين اعتمروا معه من قابل كانوا يسيراً ولم ينقل أنه أمر الباقين بالقضاء.

ولأنه تطوع جاز التحلل منه مع صلاح الوقت فلم يجب عليه القضاء كما لو دخل في الصوم يعتقد أنه واجب فلم يكن.

وتفارق هذه المسألة مسألة من فاته الحج بأن من فاته مقصّر بخلاف المحصر.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.