فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ١٬٧٥٣المقنعالحنابلةج ٣ ص ٣٠٩ج ٣ ص ٣٠٩

فَإِنْ أَبَى إِلَّا الْجَارِيَةَ وَامْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِهَا فُسِخَ الصُّلْحُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلَّا قِيمَتُهَا وَلَهُ أَنْ يَنْفُلَ فِي الْبُدَاءَةِ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَهُ وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الْجَيْشُ بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ،

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

(وإن أبَى إلَّا الجارِيَةَ) وأبَى صاحِبُ القَلْعَةِ تَسْلِيمَها، فقالَ القاضِى: يُفْسَخُ الصُّلْحُ؛ لأنَّه قد تَعَذَّرَ إمْضاءُ الصُّلْحِ؛ لأنَّ حَقَّ صاحِبِ الجُعْلِ سابِقٌ، ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَه وبينَ الصُّلْحِ. ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. ولصاحِبِ القَلْعَةِ أن يُحَصِّنَها مثلَما كانتْ مِن غيرِ زيادَةٍ (ويَحْتَمِلُ أن لا يَكُونَ له إلَّا قِيمَتُها) ويَمْضِىَ الصُّلْحُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ دَفْعُها إليه مع بَقائِها، فدُفِعَتْ إليه القِيمَةُ، كما لو أسْلَمَتْ قبلَ الفَتْحِ. قولُهم: إنَّ حَقَّ صاحِبِ الجُعْلِ سابِقٌ.

قُلْنا: إلَّا أنَّ المَفْسَدَةَ في فَسْخِ الصُّلْحِ أعْظَمُ؛ لأنَّ ضَرَرَه يَعُودُ على الجَيْشِ كلِّه، ورُبَّما تَعَدَّى إلى غيرِه مِن المسلمين في كوْنِ هذه القَلْعَةِ يَتَعَذَّرُ فَتْحُها بعدَ ذلك، ويَبْقَى ضَرَرُها على المسلمين،

١٠٬١٨٠

ولا يجوزُ تَحَمُّلُ هذه المَضَرَّةِ لدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عن واحدٍ،

١٠٬١٨١

فإنَّ ضَرَرَ صاحِبِ الجُعْلِ إنَّما هو في فَواتِ عَيْنِ الجُعْلِ، وتَفاوُتُ ما بينَ عَيْنِ الشئِ وقِيمَتِه يَسِيرٌ، لا سِيَّما وهو في حَقِّ شَخْصٍ واحدٍ، ومُراعاةُ حَقِّ المسلمين بدَفْع، الضَّرَرِ الكثيرِ عنهم أوْلَى مِن دَفعِ الضَّرَرِ اليَسِير عن واحدٍ منهم أو مِن غيرِهم، ولهذا قُلْنا لمَن وَجَد مالَه قبلَ قَسْمِه: إنَّه أحَقُّ به.

١٠٬١٨٢

فإن وَجَده بعدَ قَسْمِه، لم يَأْخُذْه إلَّا بثَمَنِه ؛ لئلَّا يُؤَدِّىَ إلى الضَّرَرِ بنَقْضِ القِسْمَةِ، أو حِرْمانِ مَن وَقَع ذلك في سَهْمِه.

١٤٢٢ - مسألة: (وله أن يُنَقِّلَ في البَدْأةِ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَه، وذلك (٢) إذا دَخَل الجَيْشُ بَعَث سَرِيَّةً تُغِيرُ،

١٠٬١٨٣

وإذَا رَجَعَ بَعَث أُخْرَى، فَمَا أتَتْ به أخْرَجَ خُمْسَه، وأعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَها، وقَسَم الباقِىَ لِلجَيْشِ والسَّرِيَّةِ مَعًا) النَّفَلُ: الزِّيادَةُ على السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، ومنه نَفْلُ الصَّلاةِ، وهو ما زِيدَ على الفَرْضِ، وقولُ اللَّهِ تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً}. كأنَّه سألَ اللَّهَ ولدًا، فأعْطاه ما سألَ وزادَه ولدَ الوَلَدِ، والمُرادُ بالبَدْأةِ هُنا، ابْتداءُ دُخُولِ دارِ الحَرْبِ، والرَّجْعَةِ، رُجُوعُه عنها. والنَّفَلُ في الغَزْوِ ينْقَسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ؛ أحدُها، هذا؛ وهو أنَّ الإمامَ أو نائِبَه إذا دَخَل دارَ الحَرْبِ غازيًا، بَعَث بينَ يدَيْه سَرِيَّةً تُغِيرُ على العَدُوِّ، ويَجْعَلُ لهم الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، فما قَدِمَتْ به السَّرِيَّةُ أخْرَجَ خُمْسَه، ثم أعْطَى السَّرِيَّةَ ما جَعَلَ لهم، وهو رُبْعُ الباقى، ثم قَسَم ما بَقِىَ في الجَيْشِ والسَّرِيَّةِ معًا.

١٠٬١٨٤

فإذا قَفَل، بَعَث سَرِيَّة تُغِيرُ، وجَعَل لهم الثُّلُثَ بعدَ الخُمْسِ، فما قَدِمَتْ به السَّرِيَّةُ أخْرَجَ خُمْسَه، ثم أعْطَى السَّرِيَّةَ ثُلُثَ ما بَقِىَ، ثم قَسَم سائِرَه في الجَيْشِ والسَّريَّةِ معه. وبهذا قال حبيبُ بنُ مَسْلَمَةَ ، والحسنُ، والأوْزَاعِىُّ، وجماعةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّه لا نَفَلَ بعدَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولَعَلَّه احْتَجَّ بقولِه تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ}. فخَصَّه بها، وكان ابنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ يقولان: لا نَفَلَ إلَّا مِن الخُمْسِ.

١٠٬١٨٥

وقال الشافعىُّ: يُخْرَجُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ، -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث سَرِيَّةً فيها عبدُ اللَّهِ ابنُ عُمَرَ، فغَنِمُوا إبِلًا كثيرًا، فكَانت سُهْمانُهم اثْنَىْ عَشَرَ بعيرًا، ونُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا. مُتَّفَقٌ عليه .

١٠٬١٨٦

ولو أعْطاهم مِن أربعةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ التى هى لهم، لم يَكُنْ نَفَلًا، وكان من سُهْمانِهم. ولَنا، ما روَى حبيبُ بنُ مَسْلَمَةَ الفِهْرِىُّ، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَفَّلَ الرُّبْعَ في البَدْأةِ، والثُّلُثَ في الرَّجْعَةِ. وفى لفْظٍ: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، والثُّلُثَ بعدَ الخُمْسِ إذا قَفَل. رَواهُما أبو داودَ . وعن عُبادَةَ بنِ الصّامِتِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنَفِّلُ في البَدْأةِ الرُّبْعَ، وفى القُفُولِ الثُّلُثَ.

رَواه التِّرْمِذِىُّ ، وقال: حديث حسَنٌ غَريبٌ. وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللَّهِ البَجَلِىِّ، أنَّه لمّا قَدِمَ على عُمَرَ في قَوْمِه، قال له عُمَرُ: هل لكَ أن تَأْتِىَ الكُوفَةَ، ولك الثُّلُثُ بعدَ الخُمْسِ مِن كلِّ أرضٍ وشئٍ؟.

١٠٬١٨٧

فأمَّا قولُ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ،

١٠٬١٨٨

فإنَّ مَكْحُولًا قال له حينَ قال: لا نَفَلَ بعدَ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. وذكرَ له حديثَ حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ: شَغلَك أكْلُ الزَّبِيبِ بالطَّائِفِ. وما ثَبَت للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثَبَت للأئِمَّةِ بعدَه، ما لم يَقُمْ على تخْصِيصِه به دَلِيلٌ.

١٠٬١٨٩

وأمَّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فهو حُجَّةٌ عليهم،

١٠٬١٩٠

فإنَّ بعيرًا علِى اثْنَىْ عَشَرَ، يَكُونُ جُزْءًا مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ، وخُمْسُ الخُمْسِ جزءٌ مِن خَمْسَةٍ وعِشْرِين جزءًا، وجزءٌ مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ أكثرُ، فلا يُتَصَوَّرُ أخْذُ الشئِ مِن أقلَّ منه، فيَتَعَيَّنُ أن يَكُونَ مِن غيرِه، أَوْ أنَّ النَّفَلَ كان للسَّرِيَّةِ دُونَ سائِرِ الجَيْشِ. على أنَّ ما رَوَيْناه صَرِيحٌ في الحُكْمِ، ولا يُعارَضُ بشئٍ مُسْتَنبطٍ، يَحْتَمِلُ غيرَ ما حَمَلَه عليه مَن اسْتَنْبَطَه. إذا ثَبَت هذا، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّهم إنَّما يَسْتَحِقُّونَ هذا بالشَّرْطِ السّابِقِ،

١٠٬١٩١

فإن لم يَكُنْ شَرَطَه لهم فلا. قِيلَ له: أليس قد نَفَّلَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في البَدْأةَ الرُّبْعَ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ؟ قال: نعم، ذاك إذا نَفَّلَ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ فيه. فعلى هذا، إن رَأَى الإِمامُ أن لا يُنَفِّلَهم، فله ذلك،

١٠٬١٩٢

وإن رَأى أن يُنَفِّلَهم دُونَ الثُّلُثِ والرُّبْعِ، فله ذلك؛ لأنَّه إذا جازَ تَرْكُ النَّفَلِ كلِّه، جازَ تَرْكُ البعضِ.

١٠٬١٩٣

ولا يجوزُ أن يُنَفِّلَ أكثرَ مِن الثُّلُثِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا قولُ مَكْحُولٍ، والأوْزَاعِىِّ، وجُمْهورِ العُلَماءِ.

١٠٬١٩٤

وقال الشافعىُّ: لا حَدَّ للنَّفَلِ، بل هو مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نفَّلَ مَرَّةً الثُّلُثَ، ومَرَّةً الرُّبْعَ. وفى حديثِ ابنِ عُمَرَ نَفَّلَ نِصْف السُّدْسِ. فهذا يدُلُّ على أنَّه ليس للنَّفَلِ حَدٌّ لا يتجاوزُه الإِمامُ، فيَنْبَغِى أن يَكُونَ مَوْكُولًا إلى اجْتِهادِه. ولَنا، أنَ نَفَلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْتَهى إلى الثُّلُثِ، فيَنْبَغِى أن لا يتَجاوزَه، وما ذَكَرَه الشافعىُّ يَدُلُّ على أنَّه ليس لأقَلِّ النَّفَلِ حَدٌّ، وأنَّه يجوزُ أنْ يُنَفِّلَ أقَلَّ مِن الثُّلُثِ والرُّبْعِ، ونحن نقولُ به، على أن هذا القولَ مع قوْلِه: إنَّ النَّفَلَ مِن خُمْسِ الخُمْسِ.

تناقُضٌ. فإن شَرَطَ لهم الإِمامُ زِيادَةً على الثُّلُثِ، رُدُّوا إليه.

١٠٬١٩٥

وقال الأوْزَاعِىُّ: لا يَنْبَغِى أن يَشْتَرِطَ النِّصْفَ،

١٠٬١٩٦

فإن زادَهم على ذلك، فلْيَفِ لهم به، ويَجْعَلْ ذلك مِن الخُمْسِ. وإنَّما زِيدَ في الرَّجْعَةِ على البَدْأةِ في النَّفَلِ؛ لمَشَقَّتِها،

١٠٬١٩٧

فإنَّ الجَيْشَ في البَدْأةِ رِدْءٌ للسَّرِيَّةِ، تابعٌ لها، والعَدُوُّ خائِفٌ، ورُبَّما كان غارًّا، وفى الرَّجْعَةِ لا رِدْءَ للسَّرِيَّةِ؛ لأنَّ الجَيْشَ مُنْصَرِفٌ عنهم، والعَدُوَّ مُسْتَيْقِظٌ كَلِبٌ. قال أحمدُ: في البَدْأةِ إذا كان ذاهِبًا الرُّبْعُ، وفى القَفْلَةِ إذا كان في الرُّجُوعِ الثُّلُثُ؛ لأنَّهم يشْتاقُون إلى أهليهم، فهذا أكثرُ.

القسمُ الثَّانِى، أن يُنَفِّلَ الإِمامُ بعضَ الجَيْشِ؛ لغَنائِه وبَأْسِه وبَلائِه، أو لمَكْروهٍ تحمَّلَه دُونَ سائِرِ الجَيْشِ. قال أحمدُ، في الرجلِ يأمرُه الأمِيرُ يَكُونُ طَليعةً، أو عندَه، يدفعُ إليه رأسًا مِن السَّبْى أو دابَّةً، قال: إذا كان رجلٌ له غَناءٌ، أو يُقاتِلُ، فلا بَأْسَ، ذلك أنْفَعُ لهم، يُحَرَّضُ هو وغيرُه، ويُقاتِلُونَ ويَغْنَمُون.

١٠٬١٩٨

وقال: إذا نَفَّذَ الإِمامُ صَبِيحَةَ المَغارِ الخيلَ، فيُصِيبُ بعضُهم، وبعضُهم لا يَأْتِى بشئٍ، فللْوالِى أن يَخُصَّ بعضَ هؤلاء الذين جاءُوا بشئٍ دُونَ هؤلاء. وظاهِرُ هذا، أنَّ له إعْطاءَ مَن هذا حالُه مِن غيرِ شَرْطٍ. وحُجَّةُ هذا حديثُ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أنَّه قال: أغارَ عبدُ الرحمنِ بنُ عُيَيْنَةَ على إبِلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاتَّبَعْتُهم، فذَكَرَ الحديثَ، فأعْطَانِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمَ الفارِسِ والرّاجلِ. رَواه مسلمٌ .

١٠٬١٩٩

وعنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَّرَ أبا بكرٍ، قال: فبَيَّتْنا عَدُوَّنا، فقَتَلْت ليْلَتَئِذٍ تِسْعَةَ أهْلِ أبْياتٍ، وأخذْتُ منهم امرأةً، فنَفَّلَنِيها أبو بكرٍ، فلمّا قَدِمْتُ المدينةَ، اسْتَوْهَبَنِيها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوَهَبْتُها له. رَواه مسلمٌ .

القسمُ الثالثُ، أن يَقُولَ الأميرُ: مَن طَلَع هذا الحِصْنَ -أو- هَدَم هذا السُّورَ -أو- نَقَب هذا النَّقْبَ -أو- فَعَل كذا، فله كذا. أو: مَن جاء بأسِيرٍ فله كذا. فهذا جائِزٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم الثَّوْرِىُّ. قال أحمدُ: إذا قال: من جاءَ بعَشْرِ دَوابَّ -أو- بَقَرٍ -أو- غَنَمٍ، فلَه واحِدٌ.

١٠٬٢٠٠

فمَن جاءَ بخَمْسةٍ أعْطاه نِصْفَ ما قالَ لهم،

١٠٬٢٠١

ومَن جاءَ بشئٍ أعْطاه بقَدْرِه. قيل له: إذا [قال: مَن جاءَ] بعِلْجٍ، فله كذا

١٠٬٢٠٢

وكذا. فجاءَ بعِلْجٍ، يَطِيبُ له ما يُعْطَى؟ قال: نعم. وكَرِهَ مالكٌ هذا القَسْمَ، ولم يَرَه،

١٠٬٢٠٣

وقال: قِتالُهم على هذا الوَجْهِ إنَّما هو للدُّنْيا.

١٠٬٢٠٤

وقال هو وأصْحابُه: لا نَفَلَ إلَّا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ.

١٠٬٢٠٥

وقال مالكٌ: ولم يَقُلْ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ». إلَّا بعدَ أن بَرَد القِتالُ. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن حديثِ حَبيبٍ، وعُبادَةَ، وما شَرَطَه عُمَرُ لجَرِيرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ». ولأنَّ فيه تَحْرِيضًا على القِتالِ، فجازَ، كاسْتِحْقاقِ الغَنِيمَةِ، وزِيادَةِ السَّهْمِ للفارسِ، واسْتِحْقاقِ السَّلَبِ، وما ذَكَرَه يَبْطُلُ بهذه المسائِلِ. وقولُه: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما جَعَلَ السَّلَبَ للقاتِلِ بعدَ أن بَرَد القِتالُ.

قُلْنا: قولُه ذلك ثابِتُ الحُكْمِ فيما يأْتِى مِن الغَزَواتِ بعدَ قولِه، فهو بالنِّسْبَةِ إليها كالمَشْرُوطِ في أوَّلِ الغَزاةِ. قال القاضى: لا يَجُوزُ هذا إلَّا إذا كان فيه مَصْلَحَةٌ للمسلمين،

١٠٬٢٠٦

فإن لم تَكُنْ فيه فائِدَةٌ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه إنَّما يَخْرُجُ على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، فاعْتُبِرَتِ الحاجَةُ فيه، كأُجْرَةِ الحَمّالِ والحافظِ. إذا ثَبَت هذا،

١٠٬٢٠٧

فإنَّ النَّفَلَ لا يخْتَصُّ بنَوْعٍ مِن المالِ. وذَكَر الخَلَّالُ أنَّه لا نَفَلَ في الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ. وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ القاتِلَ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا منها، فكذلك غيرُه. ولَنا، حديثُ حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ، وعُبادَةَ،

١٠٬٢٠٨

فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَل لهم الثُّلُثَ والرُّبْعَ، وهو عامٌّ في كلِّ ما غَنِمُوه، ولأنَّه نَوْعُ مالٍ، فجازَ النَّفَلُ فيه، كسائِرِ الأمْوالِ.

١٠٬٢٠٩

وأمّا القاتِلُ، فإنَّما نُفِّلَ السَّلَبَ، وليستِ الدَّراهمُ والدَّنانِيرُ مِن السَّلَبِ، فلم يَسْتَحِقَّ غيرَ ما جُعِلَ له.

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(فَإِنْ أَبَى إِلَّا الْجَارِيَةَ وَامْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِهَا) (فُسِخَ الصُّلْحُ) لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ إِمْضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الْجُعْلِ سَابِقٌ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَعَلَى هَذَا لِصَاحِبِ الْقَلْعَةِ أَنْ يُحَصِّلَهَا مِثْلَ مَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ. وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ أَنَّهَا لَهُ لِسَبْقِ حَقِّهِ، وَلِرَبِّ الْحِصْنِ الْقِيمَةُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلَّا قِيمَتُهَا) وَيَمْضِي الصُّلْحُ. حَكَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا وَصَحَّحَهُ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهَا مَعَ بَقَائِهَا، فَبَقِيَتِ الْقِيمَةُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ،

٨٬٦١٣

وَإِنْ بَذَلُوهَا مَجَّانًا أَوْ بِالْقِيمَةِ، لَزِمَ أَخْذُهَا، وَدَفْعُهَا إِلَيْهِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إِيصَالُ حَقِّهِ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ،

٨٬٦١٤

وَقَالَ الْمَجْدُ: وَعِنْدِي يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَمَةِ،

٨٬٦١٥

فَأَمَّا حُرَّةُ الْأَصْلِ، فَلَا يَحِلُّ أَخْذُهَا وَدَفْعُهَا إِلَيْهِ بِجُعْلٍ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ مَالٌ، وَيَأْخُذُهَا كَمَا لَوْ شَرَطَهَا دَابَّةً أَوْ مَتَاعًا

٨٬٦١٦

فَأَمَّا حُرَّةُ الْأَصْلِ، فَهِيَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ جَرَى عَلَيْهَا فَلَا تُمْلَكُ كَالذِّمِّيَّةِ، وَلَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهَا كَالْمُسْلِمَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ لَوْلَا عَقْدُ الصُّلْحِ جَرَى عَلَيْهَا، لَكَانَتْ أَمَةً، وَجَازَ تَسْلِيمُهَا لَهُ،

٨٬٦١٧

فَإِذَا رَضِيَ أَهْلُ الْحِصْنِ بِإِخْرَاجِهَا مِنَ الصُّلْحِ، وَتَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ فَتَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَصِيرُ رَقِيقَةً.

٨٬٦١٨

فَرْعٌ: حَيْثُ أَوْجَبْنَا الْقِيمَةَ، وَلَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ، أُعْطِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ.

[لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفُلَ زِيَادَةً عَلَى السَّهْمِ الْمُسْتَحَقِّ] (وَلَهُ أَنْ يَنْفُلَ) النَّفْلُ: الزِّيَادَةُ عَلَى السَّهْمِ الْمُسْتَحَقِّ، وَمِنْهُ نَفْلُ الصَّلَاةِ (فِي الْبُدَاءَةِ) أَيْ: ابْتِدَاءُ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ (الرُّبُعَ) فَأَقَلَّ (بَعْدَ الْخُمُسِ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ) فَأَقَلَّ (بَعْدَهُ) لِمَا رَوَى حَبِيبُ بْنُ سَلَمَةَ الْفِهْرِيُّ قَالَ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبُدَاءَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،

٨٬٦١٩

وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا يَزِيدُ فِي الرَّجْعَةِ عَلَى الْبُدَاءَةِ لِمَشَقَّةِ الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّ الْجَيْشَ فِي الْبُدَاءَةِ رَدَءَ عَنِ السَّرِيَّةِ

٨٬٦٢٠

بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّهُمْ يَشْتَاقُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَهَذَا أَكْثَرُ مَشَقَّةً.

٨٬٦٢١

وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضَ إِلَى رَأْيِهِ فَإِنْ شَاءَ فَعَلَهُ،

٨٬٦٢٢

وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بِلَا شَرْطٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ،

٨٬٦٢٣

وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِهِ. جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الْجَيْشُ بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ، وَإِذَا رَجَعَ بَعَثَ أُخْرَى، فَمَا أَتَتْ بِهِ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الْآيَةَ

تعليق

وَلِمَا رَوَى حَبِيبُ بْنُ سَلَمَةَ الْفِهْرِيُّ. فَيُخَمَّسُ كَالْجَيْشِ

الإنصافالمرداوي

وله أنْ يُنَفِّلَ فى البَدْأةِ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بعدَه، وذلك إذا دخَل الجَيْشُ بعَث سَرِيَّةً تُغِيرُ،

١٥٬٦٠٥

وإذا رجَع بعَث أُخْرَى، فما أتَتْ به، أخْرَجَ خُمْسَه، وأعْطَى السَّرِيَّةَ ما جعَل لها، وقسَم الباقِىَ فى الجيْشِ والسَّرِيَّةِ معًا. الصَّحيحُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مِنَ المذهبِ، أنَّ السَّرِيَّةَ لا تَسْتَحِقُّ النَّفَلَ المذْكُورَ إلَّا بشَرْطٍ. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الكافِى». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقدَّمه فى «الفُروعِ». وعنه، تَسْتَحِقُّه مِن غيرِ شرْطٍ. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و «الحاوِيَيْن». وأطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ». وجَوازُ إعْطاءِ النَّفَلِ مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

١٥٬٦٠٦

فائدة: يجوزُ أنْ يجْعلَ لمَن عَمِلَ ما فيه عَناءٌ جُعْلًا، كمَن نقَب أو صعَد هذا المكانَ، أو جاءَ بكذا، فله مِنَ الغنِيمَةِ، أو مِنَ الذى جاءَ به كذا، ما لم يُجاوِزْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ثُلُثَ الغَنِيمَةِ بعدَ الخُمْسِ. نصَّ عليه.

١٥٬٦٠٧

ويجوزُ أنْ يُعْطِيَه ذلك مِن غيرِ شرْطٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.

١٥٬٦٠٨

وعنه، لا يُعْطِى إلَّا بشَرْطٍ. وأطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ».

١٥٬٦٠٩

ويحْرُمُ تَجاوُزُه الثُّلُثَ فى هذا، وفى النَّفَلِ مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما، ونَصَراه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.

١٥٬٦١٠

وعنه، يحْرُمُ بلا شَرْطٍ فقط. صحَّحه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وقدَّمه فى «الصُّغْرى»، و «الحاوِيَيْن». وأطْلَقهما الزَّرْكَشِىُّ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (وله أن يُنفّل في البُداءة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعده. وذلك إذا دخل الجيش بَعَث سريةً تُغير، فإذا رجع بعث أخرى؛ فما أتت به أخرج خُمُسه وأعطى السرية ما جعل لها وقسم الباقي للجيش والسرية معاً) .

٥٬١٩٦

أما كون الإمام له أن يُنَفّل ما ذُكر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نَفّل الربع في البَدْأَة والثلث في الرجعة».

٥٬١٩٧

وفي لفظ:«كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قَفَل». رواهما أبو داود.

٥٬١٩٨

فإن قيل: لم أزيد في الرجعة على البداءة؟

قيل: لمشقة الرجعة؛ لأن الجيش في البداءة ردء للسرية

٥٬١٩٩

بخلاف الرجعة.

وأما قول المصنف رحمه الله: وذلك إذا دخل ... إلى آخره فبيان لما يَفعل الإمام عند الدخول والرجوع من بعث السرية.

٥٬٢٠٠

وأما قوله: فما أتت به أَخرج خمسه فتنبيه على أن السرية يخمس ما غنمت كالجيش؛ لأنه مال مغتنم فيدخل في قوله تعالى:{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خُمُسَه}.

٥٬٢٠١

وأما قوله: وقسم الباقي للجيش والسرية فتنبيه على أن الجيش يشارك سراياه فيما غنمت. وسيأتي ذكره في باب قسم الغنائم .

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.