وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ طَعَامًا أَوْ عَلَفًا فَلَهُ أَكْلُهُ وَعَلَفُ دَابَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ
الشروح عليها
مسألة: (ومَن أخَذَ مِن دارِ الحَرْبِ طعامًا، أو عَلَفًا، فله أكْلُهُ، وعَلْفُ دابَّتِه بغيرِ إذْنٍ، وليس له بَيْعُه، فإن باعَه، رَدَّ ثَمَنَه في المَغْنَمِ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، إلَّا مَن شَذَّ منهم، على أنَّ للغُزاةِ إذا دَخَلُوا أرْضَ الحَرْبِ، أن يَأْكُلُوا ما وَجَدُوا مِن الطَّعامِ، ويَعْلِفُوا دَوابَّهُم مِن عَلَفِهم؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، والشعبىُّ، والقاسمُ، وسالمٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا يُؤْخَذُ إلَّا بإذْنِ الإِمام.
وقال سليمانُ ابنُ موسى: لا يُتْرَكُ إلَّا أن يَنْهَى عنه الإِمامُ، فيُتَّقَى نَهْيُه. ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ أبى أوْفَى، قال: أصَبْنَا طعامًا يومَ خيْبَرَ، فكانَ الرجلُ يأْخُذُ منه مِقْدارَ ما يَكْفِيه، ثم ينْصَرِفُ. رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ . ورُوِىَ أنَّ صاحِبَ جيشِ الشامِ، كَتَب إلى عُمَرَ: إنّا أصَبْنا أرْضًا كثيرةَ الطَّعامِ والعَلَفِ، وكَرِهْتُ أن أتَقَدَّمَ في شئٍ مِن ذلك. فكَتَبَ إليه: دَعِ النَّاسَ يَأْكُلُون ويَعْلِفُون،
فمَن باعَ منهم شيئًا بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، ففيه خُمْسُ اللَّهِ وسِهامُ المسلمين. رَواه سعيدٌ . وقد روَى عبدُ اللَّهِ ابنُ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّىَ جِرابٌ مِن شَحْم يومَ خَيْبَرَ، فالْتَزَمْتُه، وقلتُ: واللَّهِ لا أُعْطِى أحدًا منه شيئًا. فالْتَفَتُّ،
فَإذا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَضْحَكُ، فاسْتَحْيَيْتُ منه. مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى هذا، وفى المَنْعِ مَضَرَّةٌ بالجيشِ وبدَوابِّهم، فإنَّه يعْسُرُ عليهم نَقْلُ الطعامِ والعَلَفِ مِن دارِ الإِسلامِ، ولا يَجِدُونَ بدارِ الحَرْبِ ما يَشْتَرُونَه،
ولو وَجدُوه لم يَجِدُوا ثَمَنَه، ولا يُمْكِنُ قِسْمَةُ ما يأْخُذُه الواحدُ منهم،
ولو قُسِمَ لم يَحْصُلْ للواحِدِ منهم شئٌ يَنْتَفِعُ به، ولا يَدْفَعُ به حاجَتَه، فأُبِيحَ لهم ذلك،
فمَن أخَذَ مِن الطَّعامِ شيئًا ممّا يُقْتاتُ أو يصْلُحُ به القُوتُ، مِن الأُدْمِ أو غيرِه، أو العَلَفِ لدابَّتِه، فهو أحَقُّ به، سواء كان له ما يَسْتَغْنِى به عنه، أو لا، ويكُونُ أحَقَّ بما يأْخُذُه مِن غيرِه،
فإن فَضَل منه ما لا حاجَةَ به إليه، رَدَّه على المسلمين؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ له ما يحْتاجُ إليه.
وإن أعْطاه أحَدٌ مِن أهْلِ الجيشِ ما يحْتاجُ إليه، جازَ له أخْذُه، وصارَ أحَقَّ به مِن غيرِه.
وإن باع شيئًا مِن الطَّعامِ أو العَلَفِ، رَدَّ قِيمَتَه في الغَنِيمَةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ. وبه قال سُليمانُ بنُ موسى، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ. وكَرِهَ القاسِمُ، وسالمٌ، ومالكٌ بَيْعَه.
وقال القاضى: لا يَخْلُو؛ إمَّا أن يَبِيعَه مِن غازٍ أو غيرِه،
فإن باعَه لغيرِه، فالبَيْعُ باطِلٌ؛ لأنّهْ باعَ مالَ الغَنِيمَةِ بغيرِ وِلايةٍ ولا نِيابَةٍ، فيَجِبُ رَدُّ المَبِيعِ، ورَفْضُ البَيْعِ،
فإن تَعَذَّرَ رَدُّه، رَدَّ قِيمَتَه، أو ثَمَنَه إن كان أكْثَرَ مِن قِيمَتِه إلى المَغْنَمِ.
وإن باعَه لغازٍ، لم يَخْلُ مِن أن يُيْدِلَه بطَعام أو عَلَفٍ ممّا له الانْتِفاعُ به، أو بغيرِه،
فإن باعَه بمِثْلِه، فليس هذا بَيْعًا في الحقِيقَةِ، إنَّما سَلَّم إليه مُباحًا وأخَذَ مِثْلَه مُباحًا، ولكلِّ واحدٍ منهما الانْتِفاعُ بما أخَذَه، وصار أحَقَّ به مِن غيرِه؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه. فعلى هذا، لو باع صاعًا بصاعَيْن، أو افْتَرَقا قبلَ القَبْضِ، جازَ.
وإن باعَه به نَسِيئَةً، أو أقْرَضَه إيّاه، فأخَذَه، فهو أحَقُّ به، ولا يَلْزَمُه إيفاؤُه،
فإن وفّاه، ورَدَّه إليه، عادَتِ اليَدُ إليه،
وإن باعَه بغيرِ الطَّعامِ والعَلَفِ، فالبَيْعُ غيرُ صَحِيحٍ، ويَصِيرُ المُشْتَرِى أحَقَّ به؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه، ولا ثَمَنَ عليه،
وإن أخَذَه منه، وَجَب رَدُّه إليه.
فصل: وإن وَجَد دُهْنًا، فهو كسائِرِ الطَّعامِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ، ولأنَّه طَعامٌ، فأشْبَهَ البُرَّ والشَّعِيرَ.
وإن كان غيرَ مأْكُولٍ، فاحْتاجَ أن يَدَّهِنَ به، أو يَدْهُنَ دابَّتَه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ جَوازُه، إذا كان مِن حاجَةٍ.
قال في زَيْتِ الرُّومِ: إذا كان مِن ضَرورَةٍ أو صُدَاعٍ، فلا بَأْسَ،
فأمَّا التَّزَيُّنُ فلا يُعْجِبُنى. وقال الشافعىُّ: ليس له دَهْنُ دابَّتِه مِن جَرَبٍ إلَّا بالقِيمَةِ؛ لأنَّ ذلك لا تَعُمُّ الحاجَةُ إليه. ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ مثلَ هذا؛ لأنَّه ليسِ بطَعامٍ ولا عَلَفٍ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ هذا ممّا يَحْتاجُ إليه لإصْلاحِ نفْسِه ودابَّتِه، أشْبَهَ الطَّعامَ والعَلَفَ. وله أكْلُ ما يتَداوى به، ويشْرَبُ الشَّرابَ مِن الجُلَّابِ والسَّكَنْجَبِينِ وغَيْرِهما، عندَ الحاجَةِ إليه؛ لأنَّه مِن الطَّعامِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: ليس له تَناولُهُ؛ لأنَّه ليس مِن القُوتِ، ولا يصْلُحُ به القُوتُ، ولأنَّه لا يُباحُ مع عَدَمِ الحاجَةِ إليه، فلم يُبَحْ مع الحاجَةِ، كغيرِ الطَّعامِ. ولَنا، أنَّه طَعامٌ احْتِيجَ إليه، أشْبَهَ الفَواكِهَ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالفاكِهَةِ، وإنَّما اعْتَبَرْنا الحاجَةَ ههُنا؛ لأنَّ هذا لا يُتَناوَلُ في العادَةِ إلَّا عندَ الحاجَةِ إليه.
فصل: وللغازِى أن يُطْعِمَ دَوابَّه ورَقِيقَه ممّا يجُوزُ له الأكْلُ منه، سواءٌ كانوا لِلقُنْيَةِ أو للتِّجارَةِ. قال أبو داودَ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: يَشْتَرِى الرجلُ السَّبْىَ في بلادِ الرُّومِ، يُطْعِمُهم مِن طَعامِ الرُّومِ؟ قال: نعم. وروَى عنه ابنُه عبدُ اللَّهِ، أنَّه قال: سألتُ أبى عن الرجلِ يدْخُلُ بلادَ الرُّومِ، ومعه الجارِيَةُ والدَّابَّةُ للتِّجارَةِ، أيُطْعِمُهما؟ يعنى الجاريةَ وعَلَفَ الدَّابَّةِ. قال: لا يُعْجِبُنى ذلك.
فإن لم يَكُنْ للتِّجارَةِ، فلم يَرَ به بَأْسًا. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يجُوزُ إطْعامُ ما كان للتِّجارَةِ؛ لأنَّه ليس ممّا يسْتَعِينُ به على الغَزْوِ.
وقال الخَلَّالُ: رَجَع أحمدُ عن هذه الرِّوايَةِ. وروَى عنه جماعةٌ بعدَ هذا، أنَّه لا بَأْسَ به؛ وذلك لأنَّ الحاجَةَ دَاعِية إليه، فأشْبَهَ ما لا يُرادُ به التِّجارَةُ.
فصل: قال أحمدُ: ولا يَغْسِلُ ثَوْبَه. بالصَّابُونِ؛ لأن ذلك ليس بطَعامٍ ولا عَلَفٍ، ويُرادُ للتَّحسينِ والزِّينَةِ، ولا يَكُونُ في معْناهما.
ولو كان مِع الغازِى فَهْدٌ وكَلْبٌ للصَّيْدِ، لم يَكُنْ له إطْعامُه مِن الغَنِيمَةِ،
فإن أطْعَمَه غرِمَ قِيمَةَ ما أطْعَمَه؛ لأنَّ هذا يُرادُ للتَّفَرُّجِ والزِّينَةِ، وليس ممّا يُحْتاجُ إليه في الغَزْوِ،
بخِلافِ الدَّوابِّ.
فصل: ولا يجُوزُ لُبْسُ الثِّيابِ، ولا رُكوبُ دابَّةٍ مِن دَوابِّ المَغْنَمِ؛ لِما روَى رُوَيْفِعُ بنُ ثابتٍ الأنْصارِىُّ، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمَ الآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَئِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمَ الْآخِرِ، فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَىْءِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أخْلَقَه رَدَّهُ فِيهِ». رَواه سعيدٌ .
فصل: ولا يجُوزُ الانْتِفاعُ بجُلُودِهم، واتِّخاذُ النَّعْلِ والجُرُبِ منها، ولا الخُيوطِ ولا الحِبالِ. وبهذا قال ابنُ مُحَيْرِيزٍ، ويحيى بنُ أبى كَثِيرٍ، وإسماعيلُ بنُ عَيّاش، والشافعىُّ. ورَخَّصَ في اتِّخاذِ الجُرُبِ مِن جُلُودِ الغَنَمِ سُليمانُ بنُ مُوسَى. ورَخَّصَ مالكٌ في الإِبْرَةِ، وفى الحَبْلِ يُتَّخَذُ مِن الشَّعَرِ، والنَّعْلِ والخُفِّ يُتَّخَذُ مِن جُلُودِ البَقَرِ. ولَنا، ما روَى قَيْسُ بنُ أبى حازِمٍ، أنَّ رَجُلًا أتَى رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بكُبَّةِ شَعَر مِن المَغْنَمِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ إنَّا نَعْمَلُ الشَّعَرَ، فهَبْها لى.
فقال:«نَصِيبِى مِنْهَا لَكَ». رَواه سعيدٌ . ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «أدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ؛ فَإنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَشَنَارٌ يَومَ الْقِيَامَةِ» . ولأنَّ ذلك مِن الغَنِيمَةِ، ولا تَدْعُو إلى أخْذِه حاجَةٌ عامَّةٌ، فأشْبَهَ الثِّيابَ.
فصل: فأمَّا كُتُبُهم، فإن كانتْ ممّا يُنْتَفَعُ به، ككُتُبِ الطِّبِّ واللُّغَةِ والشِّعْرِ، فهى غَنِيمَةٌ،
وإن كانتْ ممَّا لا يُنْتَفَعُ به؛ ككُتُبِ التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ، وأمْكَنَ الانْتِفاعُ بجُلُودِها أو وَرَقِها بعدَ غَسْلِه، غُسِلَ، وهو غَنِيمَةٌ، وإلَّا فلا،
ولا يجُوزُ بَيْعُها.
فصل: وإن أخَذُوا مِن الكُفّارِ جَوارِحَ للصَّيْدِ، كالفُهُودِ والبُزاةِ، فهى غَنِيمَةٌ تُقْسَمُ.
وإن كانتْ كِلابًا، لم يَجُزْ بَيْعُها.
وإن لم يُرِدْها أحَدٌ مِن الغانِمينَ، جازَ إرْسالُها، وإعْطاؤُها غيرَ الغانِمِين،
وإن رَغِبَ فيها بعضُ الغانِمين دُونَ بعضٍ، دُفِعَتْ إليه، ولم تُحْسَبْ عليه؛ لأنَّها لا قِيمَةَ لها،
وإن رَغِبَ فيها الجميعُ، أبى جماعةٌ كثيرةٌ، فأمْكَنَ قِسْمَتُها، قُسِمَتْ عَدَدًا مِن غيرِ تَقْويمٍ،
وإن تَعَذَّرَ ذلك، أو تَنازَعُوا في الجَيِّدِ منها، فطَلَبَه كلُّ واحِدٍ منهم، أَقْرِعَ بينَهم.
وإن وجَدُوا خَنازِيرَ، قَتَلُوها؛ لأنَّها مُؤْذِيَةٌ، ولا نَفْعَ فيها.
وإن وجَدُوا خَمْرًا، أراقُوه، فإن كان في أوْعِيتِه نَفْعٌ للمسلمين، أخَذُوها، وإلَّا كَسَرُوها؛ لئلَّا يَعُودُوا إلى اسْتِعْمالِها.
١٤٣٦ -
(وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ طَعَامًا أَوْ عَلَفًا) لَا غَيْرَهَا مِنْ ثِيَابٍ وَحَنُوطٍ (فَلَهُ أَكْلُهُ وَعَلَفُ دَابَّتِهِ) أَوْ دَوَابِّهِ (بِغَيْرِ إِذْنٍ) فِي قَوْلِ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ، فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْهُ:«أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا وَعَسَلًا فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ، إِذِ الْحَمْلُ فِيهِ مَشَقَّةٌ، فَأُبِيحَ تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ، وَلَهُ إِطْعَامُ سَبْيٍ اشْتَرَاهُ،
بِخِلَافِ فَهْدٍ وَكَلْبِ صَيْدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا يُرَادُ لِلتَّفَرُّجِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي الْغَزْوِ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ مَا لَمْ يُجِزْهُ الْإِمَامُ وَيُوكِلْ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَمَّ مِلْكُهُمْ عَلَيْهَا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " مَا دَامُوا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَا يَتِمُّ الْمِلْكُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِحْرَازِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: حُكْمُ السُّكَّرِ وَالْمَعَاجِينِ وَنَحْوِهَا كَالطَّعَامِ،
وَفِي الْعَقَاقِيرِ وَجْهَانِ.
الثَّانِي: يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ الدُّهْنُ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ كَالْبُرِّ، وَلَهُ لِحَاجَةِ دُهْنِ بَدَنِهِ، وَدَابَّتِهِ، وَشُرْبِ شَرَابٍ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: دُهْنُهُ بِزَيْتٍ لِلتَّزَيُّنِ لَا يُعْجِبُنِي.
الثَّالِثُ: لَيْسَ لَهُ غَسْلُ ثَوْبِهِ بِالصَّابُونِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ،
فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ قِيمَتَهُ فِي الْمَغْنَمِ. (وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَأْكَلِ
ومَن أخَذ مِن دَارِ الحَرْبِ طَعَامًا، أو عَلَفًا، فله أكْلُه وعَلْفُ دابَّتِه بغيرِ فَلَهُ أَكْلُهُ، وَعَلْفُ دَابَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ،
فَإِنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ فى الْمَغْنَمِ، إذْنٍ.
ولو كانتْ للتِّجارَةِ. وعنه، لا يعْلِفُ مِنَ الدَّوابِّ إلَّا المُعَدَّ للرُّكُوب. ذكَرَه فى «القَواعِدِ»، وأطْلَقهما.
ولو كانَ غيرَ مُحْتاجٍ إليه على أشْهَرِ الطَّرِيقَتَيْن،
والصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. والطَّريقَةُ الثَّانيةُ، لا يجوزُ إلا عندَ الضَّرُورَةِ. وهى طَرِيقَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ أبى مُوسى. وكذا له أنْ يُطْعِمَ سَبْيًا اشْترَاه. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، لكنْ بشَرْطِ أنْ لا يُحْرِزَ،
فإنْ أحْرَزَ بدارِ حَرْبٍ، فليس له ذلك، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، إلَّا عندَ الضرورَةِ.
وقيل: له ذلك. واخْتارَه القاضى فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُجَرَّدِ». وعنه، يَرُدُّ قِيمَتَه كلِّه. ذكَرَه ابنُ أبى مُوسى.
فائدة: لا يجوزُ أنْ يُطْعِمَ الفَهْدَ وكلْبَ الصَّيْدِ والجارِحَ مِن ذلك. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، يجوزُ. ذكَرَه فى «القاعِدَةِ الحادِيَةِ والسَّبْعِين»، وأطْلَقهما. وليس له بَيْعُه، فإنْ باعَه، رَدَّ ثَمَنَه فى المَغْنَمِ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال القاضى، والمُصَنِّفُ فى «الكافِى»: لا يخْلُو؛
إمَّا أنْ يَبِيعَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن غازٍ أو غيرِه، فإنْ باعَه لغيرِه، فالبَيْعُ باطِلٌ،
فإنْ تعَذرَ رَدُّه، رَدَّ قِيمَتَه أو ثَمنَه، إنْ كان أكْثَرَ مِن قِيمَتِه.
وإنْ باعَه لغازٍ لم يَخْلُ؛
إمَّا أنْ يَبْذُلَه بطَعام، أو علَفٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ممَّا له الانتِفاعُ به أو بغيرِه،
فإنْ باعَه بمِثْلِه، فليس هذا بَيْعًا فى الحَقِيقَةِ، إنَّما سلَّم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إليه مُباحًا، وأخَذ مُباحًا مِثْلَه. فعلى هذا، لو باعَ صَاعًا بصَاعَيْن، أو افْترَقا قبلَ القَبْضِ، جازَ،
وإنْ باعَه نَسِيئَةً، أو أقْرَضَه إيَّاه فأَخذَه، فهو أحَقُّ به، ولا يَلْزَمُه إيَفاؤُه.
وإنْ باعَه يغيرِ الطَّعامِ والعَلَفِ، فالبَيْعُ غيرُ صَحيحٍ،
وَإنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَىْءٌ فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ، رَدَّهُ فى الْغَنِيمَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ، فى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ويَصِيرُ المُشْتَرِى أحَقَّ به، ولا ثَمَنَ عليه،
وإنْ أخَذَه منه وجَبَ رَدُّه إليه. انتهى.
قال: (ومن أَخذ من دار الحرب طعاماً أو علفاً فله أكله وعلفُ دابته بغير إذن، وليس له بيعه. فإن باعه رد ثمنه في المغنم. وإن فضل معه منه شيء فأدخله البلد رده في الغنيمة، إلا أن يكون أسيراً فله أكله في إحدى الروايتين) .
أما كون من أخذ من دار الحرب ما ذُكر له أكله فلما روى عبدالله بن أبي أوفى قال:«أصبنا طعاماً يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف» رواه أبو داود. وعن عمر «أن صاحب جيش الشام كتب إليه: إنا فتحنا أرضاً كثيرة الطعام والعلف. فكتب إليه: دع الناس يعلفون ويأكلون» رواه سعيد.
وأما كونه له علف دابته فلما ذُكر في حديث عمر.
ولأن الحاجة تدعو إلى هذا،
وفي المنع منه ضرر بدوابّ الجيش.
وأما كونه ليس له بيعه فلأنه إنما أبيح أكله لفعل الصحابة ولم ينقل عنهم بيعه.
ولأنه لا حاجة في بيعه
بخلاف الأكل.
وأما كونه يَرُدُّ ثمن المبيع في المغنم فلأن فيما كتب عمر:«فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين».
وظاهر لفظ المصنف: أنه ممنوع من البيع فإذا باع صح بيعه ويرد الثمن في المغنم؛ لأن الغرض أن لا يضيع حق الغانمين وفي رد الثمن تحصيل لذلك الغرض.
وقال القاضي: إن باعه لغير غازٍ فالبيع باطل ويرد الثمن على المشتري؛ لأنه بيع من غير ولاية ولا نيابة،
وإن باعه لغاز بطعام أو علف من دار الحرب فليس ببيع حقيقة بل يكون كل واحد منهما أحق بما صار إليه.
وإن باعه بذهب أو فضة أو غير الطعام والعلف فالمشتري أحق به لثبوت يده عليه
ويجب على البائع رد الثمن لعدم انعقاد البيع.
وأما كون ما فضل معه إذا أدخله البلد وكان كثيراً يرده؛ فلأنه إنما أخذه للحاجة وقد زالت.
ولأنه فضل لما تبين أنه أخذ أكثر من حاجته.
وأما كونه له أكل اليسير في رواية فلأنه يروى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«كنا نأكل الجزر في الغزو ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأَخْرِجَتنا منه مملاة» رواه أبو داود.
وأما كونه ليس له ذلك في رواية فبالقياس على الكثير.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.