فَأَمَّا الصَّابِئُ فَيُنْظَرُ فِيهِ،
الشروح عليها
مسألة: (فأمَّا الصّابِئُ، فيُنْظَرُ فيه؛ فإنِ انْتَسَبَ إلى أحَدِ الكِتابَيْن، فهو مِن أهْلِه، وإلَّا فلا) اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الصَّابِئِين، فرُوِىَ عن أحمدَ أنَّهم جِنْسٌ مِن النَّصارَى.
وقال في مَوْضِعٍ آخرَ: بَلَغَنِي أنَّهم يَسْبِتُون،
فإذا أَسْبَتُوا فهم مِن اليهودِ. ورُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: هم يَسْبِتُونَ.
وقال مُجاهِدٌ: هم بينَ اليَهودِ والنَّصارَى.
وقال السُّدِّىُّ، والرَّبيعُ: هم من أهْلِ الكِتابِ. وتوَقَّفَ الشافعىُّ في أمْرِهم.
والصَّحِيحُ ما ذُكِرَ ههُنا، مِن أنَّه يُنْظَرُ فيهم؛
فإن كانُوا يُوافِقُون أحَدَ أهلِ الكِتابَيْن في نَبِيِّهم وكتابِهم فهم منهم،
وإن خالَفُوهم في ذلك فليسوا منهم. ويُرْوَى عنهم أنَّهم يقولُون: الفَلَكُ حَىٌّ ناطِقٌ،
وإنَّ الكواكِبَ السَّبْعَةَ آلِهَةٌ. فإن كانُوا كذلك، فهم كَعَبَدَةِ الأوْثانِ. ١٥٠٣ -
(فَأَمَّا الصَّابِئُ فَيُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنِ انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ) وَقَالَهُ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُشَارِكًا لِأَهْلِهِ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ،
وَإِنْ سُمُّوا بِاسْمٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ فِي الدِّينِ تُوجِبُ الْمُوَافَقَةَ فِي الْحُكْمِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنَ النَّصَارَى، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُمْ يَسْبِتُونَ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ،
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
فأمَّا الصَّابِئُ، فَيُنْظَرُ فيه؛ فإنِ انْتَسَبَ إلى أحَدِ الكِتابَين، فهو مِن أهْلِه، وإلَّا فلا. هذا اخْتِيارُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، وجماعَةٍ مِنَ الأصحابِ. وجزَم به ابنُ البَنَّا فى «عُقودِه»، وابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه». قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
والصَّابِئُ إنْ وَافقَ اليَهُودَ والنَّصارَى فى دِينِهم وكِتابِهم، فهو منهم، وإلَّا فهو كعابِدِ وَثَنٍ.
وقيل: بل يُقْتَلُ مُطْلَقًا إنْ قال: الفَلَكُ حَىٌّ ناطِقٌ، والكَواكِبُ السَبْعَةُ آلهَةٌ . انتهى.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ حُكْمَهم حُكْمُ مَن تدَيَّنَ بالتَّوْراةِ والإِنْجيلِ، مثل السَّامِرَةِ والفِرِنْجِ. قال الإِمامُ أحمدُ: هم جِنْسٌ مِنَ النَّصارَى. وجزَم فى «الهِدَايَةِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيلٍ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِيَيْن»، و «إدْرَاكِ الغايَةِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم، أنَّهم يُوافِقُون النَّصارَى، فحُكْمُهم حُكْمُهم، لكِنْ يُخالِفُونهم فى الفُروعِ. قال فى «الحاوِى» وغيرِه، وجزَم به فى «الخُلاصَةِ» وغيرها: يأخُذُ الجِزْيَةَ منهم.
وقدَّمه فى «الفُروعِ». وقال الإِمامُ أحمدُ أيضًا، فى مَوْضِعٍ آخَرَ: بَلَغَنِى أنَّهم وَمَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ بَعْدَ بَعْثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أَوْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
يَسْبِتُون، فإذا أسْبَتُوا، فَهُم مِنَ اليَهودِ. ونقَل حَنْبَلٌ، مَنْ ذهَب مذْهَبَ عمرَ -فإنَّه قال: هم يَسْبِتُون- جعَلَهم بمَنْزِلَةِ اليَهُودِ.
وقال فى «التَّرْغِيبِ»: فى ذَبِيحَةِ الصَّابِئَةِ رِوايَتان؛ مأْخَذُهما، هل هم فِرْقَةٌ مِنَ النَّصارَى أم لا؟
فائدة: صِيغَةُ عَقْدِ الذِّمَّةِ، أنْ يقولَ: أقْرَرْتُكم بالجِزْيَةِ والاسْتِسْلامِ. أو يقولوا ذلك؛ فيقولُ: أقْرَرْتُكم على ذلك. أو نحوَهما. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يُعْتَبرُ فيه ذِكْرُ قَدْرِ الجِزْيَةِ، وفى الاسْتِسْلامِ وَجْهان. ذكَرَهما فى «التَّرْغِيبِ».
قال: (فأما الصابئي فينظر فيه فإن انتسب إلى أحد الكتابين فهو من أهله، وإلا فلا) .
أما كون الصابئي الذي انتسب إلى أحد الكتابين من أهل ذلك الكتاب فلأنه إذا انتسب إلى أحد الكتابين شارك أهله في ذلك الكتاب فيدخل فيما تقدم.
وأما كون الذي لم ينتسب إلى ذلك كمن يقول أن الفلك حي ناطق،
وأن الكواكب السبعة آلهة ليس من أهل الكتاب فلأنه مساوٍ لعبدة الأوثان في عدم انتسابه إلى كتاب فوجب أن لا يكون من أهله كعبدة الأوثان.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.