وَقِيلَ: تَجِبُ فَإِذَا تَوَلَّى إِمَامٌ فَعَرَفَ قَدْرَ جِزْيَتِهِمْ وَمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ
الشروح عليها
مسألة: (وإذا تَوَلَّى إمامٌ، فعَرَفَ قَدْرَ جِزْيَتِهم، وما شُرِطَ عليهم، أقرَّهم عليه، فإن لم يَعْرِفْ، رَجَع إلى قولِهم، فإن بان له كَذِبُهم، رَجَع عليهم. وعندَ أبِى الخَطّابِ أنَّه يَسْتَأْنِفُ العَقدَ معهم) إذا ماتَ الإِمامُ، أو عُزِلَ وتَوَلَّى غيرُه،
فإن عَرَف ما عَقَدَ عليه عَقْدَ الذِّمَّةِ الذى قبلَه، وكان عَقْدًا صحيحًا، أقَرَّهم عليه، ولم يَحْتَجْ إلى تجديدِ عَقْدٍ؛ لأنَّ الخُلَفاءَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أقَرُّوا عَهْدَ عُمَرَ، ولم يُجَدِّدُوا عقدًا سِواه، ولأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ.
وإن كان فاسِدًا، رَدَّه إلى الصِّحَّةِ.
وإن لم يَعْرِفْ، فَشَهِدَ به مُسْلِمان، أو كان أمْرُه ظاهِرًا، عَمِلَ به.
وإن أشْكَلَ عليه ، سَألَهم،
فإنِ ادَّعَوُا العَقْدَ بما يَصْلُحُ أن يكُونَ جِزْيَةً، قَبِلَ قولَهم، وعَمِلَ به،
وإن شاء اسْتَحْلَفَهم اسْتِظْهارًا، فإن بان له بعدَ ذلك أنَّهم نَقَصُوا مِن المَشْرُوطِ، رَجَع عليهم بما نَقَصُوا،
وإن قالوا: كُنّا نُؤَدِّى كذا
وكذا جِزْيَةً، وكذا وكذا هَدِيَّةً. اسْتَحْلَفَهم يمينًا واحِدةً؛ لأنَّ الظاهِرَ فيما يَدْفَعُونَه أنَّه جِزْيَةٌ.
وإن قال بعضُهم: كُنّا نُؤَدِّى دينارًا.
وقال بعضُهم: كُنّا نُؤَدِّى دينارَيْن. أخَذَ كلَّ واحِدٍ منهم بإقْرارِه، ولم يَقْبَلْ قولَ بعضِهم على بعضٍ؛ لأنَّ أقْوالَهم غيرُ مَقْبُولَةٍ. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه إذا لم يَعْرِفْ ما عُوهِدُوا عليه، اسْتَأْنَفَ العَقْدَ معهم؛ لأنَّ عَقْدَ الأوَّلِ لم يَثْبُتْ عندَه، فصار كالمَعْدُومِ.
فصل: وما يَذْكُرُه بعضُ أهْلِ الذِّمَّةِ مِن أنَّ معهم كِتابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بإسْقاطِ الجِزْيَةِ عنهم، لا يَصِحُّ. وسُئِلَ عن ذلك أبو العبّاسِ ابنُ سُرَيْجٍ ، فقال: ما نَقَل ذلك أحَدٌ مِن المسلمين، ورُوِىَ أنَّهم طُولِبُوا بذلك، فأخْرَجُوا كِتابًا، وذَكَرُوا أنَّه بخَطِّ علىٍّ، كَتَبَه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كان فيه شهادةُ سعدِ بنِ مُعاذٍ، ومعاويةَ، وتاريخُه بعدَ مَوْتِ سَعْدٍ، قبلَ إسلامِ مُعاوِيَةَ، فاسْتُدِلَّ بذلك على بُطْلانِه .
ولأنَّ قولَهم غيرُ مَقْبُولٍ، ولم يَرْوِ ذلك مَن يُعْتَمَدُ على رِوايَتِه.
١٥١٩ -
(وَقِيلَ: تَجِبُ) بِغَيْرِ شَرْطٍ لِوُجُوبِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَالْكَافِرِ.
فَعَلَى هَذَا تَجِبُ لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَإِنْ شَرَطَهَا عَلَيْهِمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِهَا لَمْ تُعْقَدْ لَهُمُ الذِّمَّةُ،
فَلَوْ قَبِلُوا، وَامْتَنَعَ الْبَعْضُ مِنَ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ كَمَا لَوِ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ،
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِالْقِتَالِ، قُوتِلُوا فَإِنْ قَاتَلُوا، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ. (فَإِذَا تَوَلَّى إِمَامٌ فَعَرَفَ قَدْرَ جِزْيَتِهِمْ وَمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ أَقَرُّوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُجَدِّدُوا لِمَنْ كَانَ فِي زَمَنِهِمْ عَقْدًا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ، وَعَقْدٌ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا يُنْقَضُ قَوْلُهُ؛ فَعُرِفَ
إِمَّا بِمُبَاشَرَتِهِ مِنْ قَبْلُ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ أَوْ ظَهَرَ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " ثُبُوتَهُ.
وإذا تَوَلَّى إمامٌ، فَعرَف قَدْرَ جِزْيَتِهم، وما شُرِطَ عليهم، أقَرَّهم عليه.
وكذا لو قامَتْ بَيِّنَةٌ بذلك،
وكذلك لو كان ذلك ظاهِرًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. واعْتَبرَ فى «المُسْتَوْعِبِ» ثُبوتَه.
قال: (وإذا تولى إمام فعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم أقرهم عليه، وإن لم يعرف رجع إلى قولهم فإن بان له كذبهم رجع عليهم. وعند أبي الخطاب أنه يستأنف العقد معهم) .
أما كون الإمام المتولي يُقر أهل الذمة على عقدهم الأول على المذهب فلأن الخلفاء أقروهم على ذلك لم يجددوا لمن كان في زمنهم عقد.
ولأنه عقد لازم أشبه الإجارة.
وأما كونه يقرهم على ما كانوا عليه إذا عرف قدر جزيتهم وما شُرط عليهم فلأن ذلك هو موجَب العقد الأول وقد تقدم أنهم يقرون عليه.
وأما كونه يُرجع إلى قولهم إذا لم يعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم فلأنه لا يمكن معرفته إلا من جهتهم.
وأما كونه يرجع عليهم بالنقص إذا بان لهم كذبهم بإقرار أو بينة فلأنه واجب عليهم بالعقد الأول فكان للإمام المتجدد أخذه كالأول.
وأما كونه يستأنف العقد معهم على قول أبي الخطاب فلأن المتولي إمام أشبه الأول.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.