وَلَا يُمْنَعُونَ رَمَّ شَعَثِهَا وَفِي بِنَاءِ مَا اسْتُهْدِمَ مِنْهَا رِوَايَتَانِ وَيُمْنَعُونَ إِظْهَارَ الْمُنْكِرِ وَضَرْبَ النَّاقُوسِ وَالْجَهْرَ بِكِتَابِهِمْ
الشروح عليها
مسألة: (ويُمْنَعُون) مِن (إظْهارِ المُنْكَرِ، وضَرْبِ النّاقُوسِ، والْجَهْرِ بِكتابِهم) ئمْنَعُونَ مِن إظْهارِ المُنْكَرِ؛ كالخمرِ والخِنْزِيرِ، وضَرْب النّاقُوسِ، ورَفْعِ أصْواتِهم بكتابِهم، وإظْهارِ أعْيادِهم وصُلُبِهم؛ لَأنَّ في شُرُوطِهم لعبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ: أن لا نَضْرِبَ نَواقِيسَنا إلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا في جَوْفِ كنائِسِنا، ولا نُظْهِرَ عليها صَلِيبًا، ولا نَرْفَعَ أصْواتَنا في صلاةٍ، ولا القراءَةِ في كنائِسِنا فيما يَحْضُرُه المُسْلِمُون،
وأن لا نُخْرِجَ صَلِيبًا ولا كتابًا في سُوقِ المُسْلمِين،
وأن لا نَخْرُجَ باعُوثًا ولا شَعانِينَ، ولا نَرْفَعَ أصْواتَنا مع مَوْتانا،
وأن لا نُجاوِرَهم بالخنازِيرِ، ولا نُظْهِرَ شِرْكًا. وقد ذَكَرْنا بَقِيَّةَ الكتابِ.
١٥٢٧ -
(وَلَا يُمْنَعُونَ رَمَّ شَعَثِهَا) لِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى بَقَائِهَا، وَالْمَنْعُ فِي ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى خَرَابِهَا بِالْكُلِّيَّةِ؛ إِذِ الْبِنَاءُ لَا مُقَامَ لَهُ عَلَى الدَّوَامِ فَجَرَى مَجْرَى هَدْمِهَا، أَشْبَهَ تَطْيِينَ أَسْطِحَتِهَا (وَفِي بِنَاءِ مَا اسْتُهْدِمَ مِنْهَا رِوَايَتَانِ) .
إِحْدَاهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمُنِعُوا مِنْهُ كَابْتِدَاءِ بِنَائِهَا.
وَالثَّانِيَةُ: تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَرَمِّ الشَّعَثِ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " جَوَازَ رَمِّ شَعَثِهَا دُونَ بِنَائِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ ".
وَعَنْهُ: مَنْعُهُمَا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ كَمَنْعِ الزِّيَادَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ فِي الْكَيْفِيَّةِ، لَا أَعْلَى وَلَا أَوْسَعَ، اتِّفَاقًا،
وَقِيلَ: إِنْ جَازَ بِنَاؤُهَا، جَازَ بِنَاءُ بَيْعَةٍ مُنْهَدِمَةٍ بِبَلَدٍ فَتَحْنَاهُ،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا فَتَحَ بَلَدًا فِيهِ بَيْعَةٌ خَرَابٌ، لَمْ يَجُزْ بِنَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ إِحْدَاثٌ لَهَا فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ. (وَيُمْنَعُونَ) وُجُوبًا (إِظْهَارَ الْمُنْكِرِ) كَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ فَإِنْ فَعَلُوا أَتْلَفْنَاهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِظْهَارَ عِيدٍ وَصَلِيبٍ وَنِكَاحٍ مُحَرَّمٍ (وَضَرْبَ النَّاقُوسِ) . وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُمْ لَا يَضْرِبُونَ بِنَاقُوسٍ، وَمُرَادُهُ: إِظْهَارُهُ؛ لِأَنَّ فِي الشُّرُوطِ: أَنْ لَا نَضْرِبَ بِنَوَاقِيسِنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا فِي جَوْفِ كَنَائِسِنَا. (وَالْجَهْرَ بِكِتَابِهِمْ) أَيْ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ فِي الْكَنَائِسِ، وَكَذَا رَفْعُ أَصْوَاتِهِمْ عَلَى مَوْتَاهُمْ،
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمِثْلُهُ إِظْهَارُ أَكْلٍ فِي رَمَضَانَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إِظْهَارُ شَيْءٍ مِنْ شَعَائِرِ دِينِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَا وَقْتَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَا لِقَاءَ الْمُلُوكِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
ولا يُمْنَعُون مِن رَمِّ شَعَثِها. هذا المذهبُ. جزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، و «الكافِى».
وقال: رِوايَةً واحدةً. قال فى «الرِّعايتَيْن»: هذا أصَحُّ. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم.
وعنه، المَنْعُ مِن ذلك. اخْتارَه الأكْثَرُ. قالَه ابنُ هُبَيْرَةَ، كمَنْعِ الزِّيادَةِ. قال فى «المُحَرَّرِ»: ونصَرَها القاضى فى «خِلافِه». وأطْلَقهما فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الحاوِيَيْن». وفى بِناءِ ما اسْتَهْدَمَ منها -ولو كُلِّها- رِوايَتان. وأطْلَقهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»؛ إحْداهما، المَنْعُ مِن ذلك. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الكافِى»، و «النَّظْمِ».
وإليه مَيْلُه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». ونصَرَه القاضى فى «خِلافِه». قال ابنُ هُبَيْرَةَ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخْتارَه الأكثرُ. قال ناظِمُ «المُفْرَداتِ»: يُمْنَعُ مِن بِنائها إذا انْهدَمَتْ. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يجوزُ ذلك. قال فى «الخُلاصَةِ»: ويَبْنُون ما اسْتَهْدَمَ، على الأصحِّ. قال فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ» عنِ الخِلافِ: بِناءً على أنَّ الإِعادةَ، هل هى اسْتِدامَةٌ أو إنْشاءٌ؟
وقيل: إنْ جازَ بِناؤُها، جازَ بِناءُ بِيعَةٍ مُسْتَهْدَمَةٍ ببَلَدٍ فَتَحْناه.
قال فى «القواعِدِ»: ولو فُتِحَ بلَدٌ عَنْوَةً، وفيه كنِيسَةٌ مُنْهَدِمَةٌ، فهل يجوزُ بِناؤُها؟ فيه طَرِيقانِ؛ أحدُهما، المَنْعُ منه مُطْلَقًا. والثَّانى، بِناؤُه على الخِلافِ.
فائدتان؛ إحْداهما، حُكْمُ المَهْدوم ظُلْمًا حُكْمُ المَهْدومِ بنَفْسِه. على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأكثرُ.
وقيل: يُعادُ المَهْدومُ ظُلْمًا. قال فى وَيُمْنَعُونَ إِظْهَارَ الْمُنْكَرِ، وَضَرْبَ النَّاقُوسِ، وَالْجَهْرَ بِكِتَابِهِمْ.
«الفُروعِ»: وهو أوْلَى. الثَّانيةُ، قولُه: ويُمْنَعُون مِن إظهارِ المُنْكَرِ، وضَرْبِ النَّاقُوسِ، والجَهْرِ بكِتابِهم. يعْنِى، يجِبُ المَنْعُ. ويُمْنَعون أيضًا مِن إظْهارِ عِيدٍ وصَلِيبٍ، ورَفْعِ صَوْتٍ على مَيِّتٍ. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: ويُمْنَعُون مِن إظْهارِ الأكْلِ والشُّرْب فى رَمضانَ. واخْتارَه ابنُ الصَّيْرَفِىِّ، ونقَلَه عنِ القاضى. قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: وقد يكونُ هذا مَبْنِيًّا على تَكْليفِهم.
قال: والأظْهَرُ يُمْنَعُون مُطْلَقًا، وإنْ قُلْنا بعدَمِ تَكْليفِهم. انتهى.
قلتُ: هذا ممَّا يُقْطَعُ به؛ لأنَّ المَنْعَ مِن إظْهارِ ذلك فقط. وتقدم نظِيرُ ذلك فى مَن أُبِيحَ له الفِطْرُ مِنَ المُسْلِمِين، فى أوَّلِ كتابِ الصِّيامِ،
بعدَ قوْلِه: وإنْ رأى هِلَالَ شَوَّالٍ وحدَه، لم يُفْطِرْ. ويُمنَعُون وَإِنْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
أيضًا، مِن إظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ،
فإنْ أظْهَرُوهما، أتْلَفْناهما، وإلَّا فلا. نصَّ عليه. ويُمْنَعُون أيضًا مِن شِراءِ المُصْحَفِ.
وقال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهم: وكِتَابِ حديثٍ وفِقْهٍ -زادَ فى «الرِّعايَةِ»، وامْتِهانِ ذلك- ولا يصِحَّان. أَوْمَأَ إليهما أحمدُ.
وقيل: فى الفِقْهِ والحَديثِ وَجْهان. واقْتَصرَ فى «عُيونِ المَسائلِ» على المُصْحَفِ وسُنَنِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ويُكْرَهُ أنْ يشْتَرُوا ثَوْبًا مُطَرَّزًا بذِكْرِ اللَّهِ أو كلامِه.
قال فى «الرِّعايَةِ»: قلتُ: ويَحْتَمِلُ التَّحْريمُ والبُطْلانُ.
ويُكْرَهُ تعْليمُهم القُرْآنَ لا الصَّلاةَ على النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال فى «الرِّعايَةِ»: وتعْلِيمُهم بعضَ العُلومِ الشَّرْعِيَّةِ يَحْتَمِلُ وجْهَين، والكَراهةُ أظْهَرُ. انتهى. وَيُمْنَعُونَ دُخُولَ الْحَرَمِ.
قال: (ويمنعون إظهار المنكر، وضرب الناقوس، والجهر بكتابهم. وإن صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية لم يمنعوا شيئاً من ذلك) .
أما كون أهل الذمة يمنعون إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم فلأن في شروطهم:«أن لا نضرب نواقيسنا إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسنا، ولا نظهر علينا صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا كتاباً في سوق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر النيران في أسواق المسلمين».
وأما كونهم لا يمنعون شيئاً من ذلك إذا صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية فلأن الدار دارهم لا دار الإسلام
بخلاف أهل الذمة فإنهم في دار الإسلام فمُنعوا من ذلك.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.