وَإِنْ صُولِحُوا عَلَى بِلَادِهِمْ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَيُمْنَعُونَ دُخُولَ الْحَرَمِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن صُولِحُوا في بِلادِهم على إعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يُمْنَعُوا شَيْئًا مِن ذلِك) ولم يُؤْخَذُوا بغِيارٍ ولا زُنّارٍ، ولا تَغْيِيرِ شُعُورِهم، ولا مَراكِبهم؛ لأنَّهم في بُلْدانِهم، فلم يُمْنَعُوا مِن إظْهارِ دِينِهم، كأهْلِ الحَرْبِ في الهُدْنَةِ. ١٥٢٨ - مسألة: (ويُمْنَعُونَ) مِن (دُخُولِ الحَرَمِ) وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لهم دُخولُه، كالحجازِ، ولا يَسْتَوْطِنون به، ولهم دُخولُ الكَعْبَةِ، والمَنْعُ مِن الاسْتِيطانِ لا يَمْنَعُ الدُّخُولَ والتَّصَرُّفَ، كالحجازِ. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}. والمرادُ به الحَرَمُ، بدَليلِ قولِه سبحانه:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}. وإنَّما أُسْرِىَ به مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وهو خارجُ المسجدِ. ويخالِفُه الحجازُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى مَنَع منه مع إذْنِه في الحجازِ،
فإنَّ هذه الآيَةَ نَزَلَتْ واليَهُودُ بخَيْبَرَ والمدينةِ وغيرِهما مِن الحجازِ، ولم يُمْنَعُوا الإِقامَةَ به، وأوَّلُ مَن أجْلاهُم عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. ولأنَّ الحَرَمَ أشْرَفُ؛ لتَعَلُّقِ النُّسُكِ به،
ويَحْرُمُ شَجَرُه وصَيْدُه والمُلْتَجِئُ إليه، فلا يَصِحُّ قياسُ غيرِه عليه.
١٥٢٩ -
(وَإِنْ صُولِحُوا عَلَى بِلَادِهِمْ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ) أَوِ الْخَرَاجِ (لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) لِأَنَّ بَلَدَهُمْ لَيْسَ بِبَلَدِ إِسْلَامٍ لِعَدَمِ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِمْ فِيهِ كَمَنَازِلِهِمْ،
بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمُنِعُوا مِنْهُ. (وَيُمْنَعُونَ دُخُولَ الْحَرَمِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} وَالْمُرَادُ: حَرَمُ مَكَّةَ بِدَلِيلِ
قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} يُرِيدُ ضَرَرًا بِتَأْخِيرِ الْجَلْبِ عَنِ الْحَرَمِ، دُونَ الْمَسْجِدِ؛ يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أَيْ: مِنَ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مَنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ لَا مِنْ نَفْسِ الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ دُونَ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَمَاكِنِ الْعِبَادَاتِ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَعْظَمُهَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النُّسُكِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ.
وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا أَيْ: سَوَاءٌ أُذِنَ لَهُ أَوْ لَا، لِإِقَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا،
وَقِيلَ: يَجُوزُ لِضَرُورَةٍ، وَقِيلَ: لَهُمْ دُخُولُهُ أَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ كَحَرَمِ الْمَدِينَةِ فِي الْأَشْهَرِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: يُمْنَعُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا الْحَرَمِ. لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِذَا أَرَادَ دُخُولَهُ لِيُسْلِمَ فِيهِ أَوْ لِتِجَارَةٍ مَعَهُ لِبَيْعِهَا، مُنِعَ مِنْهُ.
ويُمْنَعُون مِن دخُولِ الحَرَمِ. هذا المذهبُ، نصَّ عليه مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ،
ولو غيرَ مُكَلَّفٍ. وقيل: لهم دُخولُه. وأوْمَأَ إليه فى رِوايَةِ الأَثْرَمِ. ووَجَّهَ فى «الفُروعِ» احْتِمالًا بالمَنْعِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ لا الحَرَمِ؛ لظاهِرِ الآيَةِ.
وقيل: يُمْنَعُون مِن دُخُولِ الحَرَمِ إلَّا لضَرُورَةٍ.
وقال ابنُ الجَوْزِىِّ: يُمْنَعُون مِن دُخولِه إلَّا لحاجَةٍ. قال ابنُ تَميمٍ، فى أوَاخِرِ اجْتِنابِ النَّجاسَةِ: ليس للكافِرِ دُخولُ الحَرَمَيْن لغيرِ ضَرُورَةٍ. قطَع به ابنُ حامِدٍ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّهم لا يُمْنَعُون مِن دُخولِ حَرَمِ المَدِينَةِ. وهو فَإِنْ قَدِمَ رَسُولٌ لَابُدَّ لَهُ مِنْ لِقَاءِ الْإِمَامِ، خَرَجَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ،
فَإِنْ دَخَلَ، عُزِّرَ وَهُدِّدَ، فَإِنْ مَرِضَ فِى الْحَرَمِ، أَوْ مَاتَ، أُخْرِجَ،
وَإِنْ دُفِنَ، نُبِشَ، إِلَّا أنْ يَكُونَ قَدْ بَلِىَ.
صحيحٌ، فيَجوزُ، وهو المذهبُ. قال فى «الفُروعِ»: هذا الأشْهَرُ.
قال فى «الرِّعايَةِ»: قلتُ: بإذْنِ مُسْلِمٍ.
وقيل: يُمْنَعُون أيضًا. اخْتارَ القاضى فى بعْضِ كُتُبِه، وحُكِىَ عن ابنِ حامِدٍ، وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالحِجَازِ؛ كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَخَيْبَرَ.
فائدة: قوْلُه: ويُمْنَعُون مِنَ الإِقامَةِ بالحِجَازِ؛ كالمَدِينَةِ واليَمامَةِ وخَيْبَرَ. اعْلمْ أنَّ الحِجَازَ، هو الحاجِزُ بينَ تِهامَةَ ونَجْدٍ؛ كمَكَّةَ، والمَدينَةِ، واليَمامَةِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وخَيْبَرَ، واليَنْبُعِ، وفَدَكَ، وما وَالَاها مِن قُرَاها.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: ومنه،
فَإِنْ دَخَلُوا لِتِجَارَةٍ، لَمْ يُقِيمُوا فِى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
تَبُوكُ ونحوُها، وما دُونَ المُنْحَنَى، وهو عَقَبَةُ الصَّوانِ مِنَ الشَّامِ، كمَعانٍ.
فإنْ دَخَلُوا لتِجارَةٍ، لم يُقِيمُوا فى مَوْضِعٍ واحِدٍ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أيَّامٍ. هذا أحدُ الوَجْهَيْن. اخْتارَه القاضى. والوَجْهُ الثَّانى، لا يُقِيمُون أكثرَ مِن ثَلاثَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيَّامٍ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. جزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِىِّ»، و «نِهايَةِ ابنِ رَزِينٍ»، و «نَظْمِها». وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «إدْرَاكِ الغايَةِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم. فعليهما، إنْ كان له دَيْنٌ حالٌّ أُجْبِرَ غَرِيمُه على وَفائه،
فإنْ تعَذَّرَ وَفاؤُه؛ لمَطْلٍ أو تَغَيُّبٍ، فيَنْبَغِى أنْ تجوزَ له الإِقامَةُ؛ ليَسْتَوْفِىَ حقَّه.
قلتُ: لو أمْكَنَ الاسْتِيفاءُ بوَكيلٍ، مُنِعَ مِن الإِقامَةِ.
وإنْ كان مُؤَجَّلًا، لم يُمَكَّنْ مِنَ الإِقامَةِ، ويُوَكِّلُ مَن يَسْتَوْفِيه.
قلتُ: فَينْبَغِى أنْ يُمكَّنَ مِنَ الإِقامَةِ إذا تعَذَّرَ الوَكيلُ.
فَإِنْ مَرِضَ، لَمْ يُخْرَجْ حَتَّى يَبْرأَ،
وَإِنْ مَاتَ، دُفِنَ بِهِ.
فائدة: قولُه: فإنْ مَرِضَ، لم يُخْرَجْ حتى يَبْرَأَ. يعْنِى، يجوزُ إقامَتُه حتى يَبْرَأَ. وهذا بلا نِزاعٍ. ويأْتِى كلامُه فى «الرِّعايَةِ»، وتجوزُ الإِقامَةُ أيضًا لمَن يُمَرِّضُه.
قال: (ويمنعون دخول الحرم. فإن قدم رسول لا بد له من لقاء الإمام خرج إليه ولم يأذن له. فإن دخل عزر وهدد. فإن مرض بالحرم أو مات أخرج، وإن دُفن نبش إلا أن يكون قد بَلِي) .
أما كون الكفار يمنعون دخول الحرم فلأن الله تعالى قال:{يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}. والمراد الحرم بدليل قوله تعالى:{وإن خفتم عيلة} يريد ضرراً بتأخر الجلَب عن الحرم دون المسجد. وبدليل قوله تعالى:{سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام} أي من الحرم لأنه أسري به من بيت أم هانئ.
وأما كون الإمام يَخرج إلى الرسول الذي لا بد من لقاء الإمام فلأن المشرك ممنوع من دخول الحرم فإذا لم يكن بُدٌّ من الاجتماع بالإمام تعين خروجه إليه.
وأما كونه لا يأذن للرسول فلأن الدخول ممنوع منه وليس للإمام إذن في الممنوع منه.
وأما كون الرسول إذا دخل يعزر ويهدد فلهتكه الحرم بدخوله الممنوع منه. ولا بد أن يُلحظ في ذلك علمه بمنعه لأنه إذا لم يعلم ذلك يكون له عذر.
وأما كون من مرض بالحرم أو مات يُخرج فلأنه إذا لم يجز بقاؤه فيه في حياته فلأن لا يجوز بقاؤه في مرضه ومماته بطريق الأولى.
وأما كونه ينبش إذا دفن ولم يبل فلأن في ذلك وسيلة إلى إخراج الميت من الحرم أشبه ما لو لم يدفن.
وأما كونه لا ينبش إذا بلي فلأنه مع ذلك يتعذر نقله.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.