الْقِسْمُ الثَّانِي: مَاءٌ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَهُوَ مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ اسْمَهُ أَوْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ أَوْ طُبِخَ فِيهِ فَغَيَّرَهُ
الشروح عليها
فصلٌ: ولا يُكْرَهُ الوُضوءُ والغُسْلُ بماءِ زَمْزَمَ؛ لما رَوَى عَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَف بعَرَفةَ وهو مُرْدِفٌ أُسامَةَ بنِ زيدٍ. فَذَكَر الحديث. وفيه: ثم أفاض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فدعا بسَجْلٍ من ماءِ زمزمَ، فشَرِبَ منه، وتوضَّأ. رَواه عبدُ الله بن أحمد، في «المسند» عن غير أبيه.
وعنه: يُكْرَهُ؛ لقولِ العبّاسِ: لا أُحِلُّها للمُغْتَسِلِ. ولأنَّه أزال به مانِعًا من الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو أزال به النَّجاسةَ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لما ذكرْنا، وكَوْنُهُ مُبارَكًا لا يَمْنَعُ الوضوءَ به، كالماءِ الذي وَضَع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يدَه فيه. فصل: إذا خالطَ الماءَ طاهرٌ لم يُغَيِّره، لم يَمْنَعِ الطهارَةَ. قال شيخُنا : لا نعْلَمُ فيه خلافًا. وحُكِىَ عن أمِّ هانِئٍ، والزُّهْرِيِّ ، في كِسَرٍ بُلَّتْ في ماءٍ، غيَّرتْ لَوْنَه، أو لم تُغَيِّرْه، لا يجوزُ الوُضوءُ به .
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه طاهرٌ لم يُغَيِّرْ صِفَةَ الماءِ، فلم يَمْنَعْ كبَقِيَّةِ الطّاهِراتِ، وقد اغْتَسَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هو وزوجتُه من قَصْعَةٍ فيها أثَرُ العَجِين. رَواه النَّسائِىُّ .
فصل: إذا وَقَع في الماءِ ماءٌ مُسْتَعْمَلٌ، عُفِىَ عن يَسِيرِه. رَواه إسحاقُ ابن منصور ، عن أحمدَ. وهذا ظاهرُ حالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابِه؛ لأنَّهم كانوا يتَوَضَّئُون من الأقْداحِ، ويغْتَسِلُون مِن الجِفانِ، وقد اغْتَسل هو وعائشةُ من إِناءٍ واحد، تخْتَلِفُ أيدِيهما فيه، كلُّ واحدٍ منهما يقولُ لصاحبِه:«أبْقِ لِي». ومثلُ هذا لا يَسلَمُ مِن رَشاشٍ يقَع في الماءِ،
فإن كثُر الواقِعُ فيه وتَفاحَشَ، مَنَع، في إحْدَى الرِّوايتَين.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن كان الأكْثَرُ المُسْتَعْملَ، مَنَع، وإلَّا فلا.
وقال ابنُ عَقِيل: إن كان الواقِعُ بحيثُ لو كان خَلًّا غَيَّرَ الماءَ، مَنَع، وإلَّا فلا. وما ذكَرْنا من الخَبرِ وظاهرِ حالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَمْنَع مِن اعْتبارِه بالْخَلِّ، لسُرْعةِ نُفُوذِه وسِرايَتِه، فيُوثِّرُ قليلُه في الماءِ، والحديثُ دَلَّ على العَفْو عن الْيَسِيرِ مُطْلَقًا، فَيَنْبَغِي أن يُرْجَعَ في ذلك إلى العُرْفِ، فما عُدَّ كثيرًا، مَنَع ، وإلَّا فلا.
وإن شَكَّ في كَثْرَتِه، لم يَمْنَعْ، عَمَلًا بالأصْلِ.
فصل: فإن كان معه ماءٌ لا يَكْفِيه لطَهارته، فكَمَّلَه بمائِعٍ آخَرَ لم يغَيَره؛ جاز الوُضُوءُ به، فىَ إحْدَى الرِّوايَتَين؛ لأنَّه طاهرٌ لم يُغَيِّرِ الماءَ، فلم يَمْنَعْ؛ لو كان الماءُ قَدْرًا يَكْفِيه لطَهارته. والثانية: لا يجُوزُ؛ لأنَّا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ غَسْلِ بعضِ أعْضائِه بالمائِعِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ المائِعَ اسْتُهلِكَ في الماءِ، فسَقَطَ حُكْمُه، أشْبَهَ ما لو كان الماءُ يَكْفِيه لطَهارتِه، فزادَه مائِعًا آخَرَ، وتَوَضَّأ منه، وبَقِي قَدْرُ المائِعِ. فصل: قال الشيخُ، رحمه الله: (القِسْمُ الثَّانِي، ماءٌ طاهِرٌ غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو ما خالطَهُ طاهِرٌ فغَيَّرَ اسْمَه، أو غَلَب على أجْزائِه، أو طُبِخَ فيه فغَيَّرَه (١) ).
وجُمْلَتُه أَنَّ كلَّ ماءٍ خالطَه طاهِرٌ فغَيَّرَ اسْمَهْ حتَّى صار صِبْغًا، أو خَلًّا، أو غَلَبَ على أجْزائِه فصَيَّرَه حِبْرًا، أو طُبِخَ فيه فصار يُسَمَّى مَرَقًا، وتَغَيَّر بذلك، فهذِه الأنْواعُ الثَّلاثةُ لا يَجُوزُ الغُسْلُ ولا الوُضُوءُ بها، لا نَعْلَمُ فيهِ خلافًا، إلَّا أنَّه حُكِىَ عن أصحابِ الشافعيِّ وَجْهٌ في ماءِ الباقِلَّا المَغْلِيّ، أنَّه يجُوزُ الوُضُوءُ به، وحُكِىَ عن ابنِ أبي لَيلَى والأصَمِّ ، جوازُ الوضوءِ والغُسْلِ بالمِياهِ المُعْتَصَرَةِ. وسائِرُ أهلِ العِلْمِ على خلافِهم، لأنَّ الطهارةَ إنَّما تجُوزُ بالماءِ، لقولِه تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}.
وهذا لا يَقَعُ عليه اسمُ الماءِ. ٩ -
(الْقِسْمُ الثَّانِي: مَاءٌ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ) جَعَلَهُ وَسَطًا لِسَلْبِ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ، وَبَقَاءِ الْأُخْرَى، وَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا غَيْرُ مُطَهِّرٍ بِالْإِجْمَاعِ (وَهُوَ مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ) يُمْكِنُ أَنْ يُصَانَ الْمَاءُ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمُخَالَطَةِ هُنَا: الْمُمَازَجَةُ بِحَيْثُ يُسْتَهْلَكُ جِرْمُ الطَّاهِرِ فِي جِرْمِ الْمَاءِ، وَتَتَلَاقَى جَمِيعُ أَجْزَائِهِمَا،
وَالثَّانِي: مُخْتَلَفٌ فِي التَّطْهِيرِ بِهِ، وَسَيَأْتِي، وَالْأَوَّلُ: ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ (فَغَيَّرَ اسْمَهُ) بِأَنْ صَارَ صَبْغًا أَوْ خَلًّا، لِأَنَّهُ أَزَالَ عَنْهُ اسْمَ الْمَاءِ (أَوْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ) فَصَيَّرَهُ حِبْرًا، لِأَنَّ الْمُخَالِطَ إِذَا غَلَبَ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَاءِ أَزَالَ مَعْنَاهُ لِكَوْنِهِ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْإِرْوَاءُ، (أَوْ طُبِخَ فِيهِ فَغَيَّرَهُ) ، حَتَّى صَارَ مَرَقًا، كَمَاءِ الْبَاقِلَاءِ الْمَغْلِيِّ، لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ طَبِيخًا، وَزَالَ عَنْهُ مَقْصُودُ الْمَاءِ مِنَ الْإِرْوَاءِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَارَ حِبْرًا، وَقَدْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ ;
لِمَا رَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْمُنَجَّا بِأَنَّ الطَّبْخَ إِنْ تَغَيَّرَ فِيهِ تَغَيَّرَ الِاسْمُ، أَوْ غَلَبَةُ الْأَجْزَاءِ كَانَ كَالنَّوْعَيْنِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ ذَلِكَ، دَخَلَ فِيهِ مَاءٌ سُلِقَ فِيهِ بَيْضٌ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى طَبْخًا بِدَلِيلِ الْيَمِينِ، وَطَبْخُ مَا ذُكِرَ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الطَّبْخُ الْمُعْتَادُ، وَقَوْلُهُ: طُبِخَ فِيهِ لَا عُمُومَ لَهُ.
تَذْنِيبٌ: حُكْمُ الْمِيَاهِ الْمُعْتَصَرَةِ مِنَ الطَّهَارَاتِ كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَمَا يَنْزِلُ مِنْ عُرُوقِ الْأَشْجَارِ غَيْرُ مُطَهِّرٍ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَصَمِّ، إِذِ الطَّهَارَةُ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ،
وَكَذَا النَّبِيذُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَصَحَّحَهُ قَاضِي خَانْ،
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: يُتَوَضَّأُ بِهِ فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ،
وَعَنْهُ: يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ،
وَعَنْهُ: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَبٌّ، وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى النَّبِيذِ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَتُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ وَلَا يَتَيَمَّمُ، قَالَ الرَّازِيُّ: وَهِيَ أَشْهَرُ عَنْهُ، وَقَالَهُ زُفَرُ.
قَالَ فِي " الْمُحِيطِ "، و" الْمَبْسُوطِ " وَقَاضِي خَانْ: النَّبِيذُ الْمُشْتَدُّ حَرَامٌ شُرْبُهُ فَكَيْفَ يُتَوَضَّأُ بِهِ؟ وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو فَزَارَةَ، وَاسْمُهُ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ، - عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:«كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَقَالَ: أَمَعَكَ مَاءٌ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: مَا فِي الْإِدَاوَةِ؛ قُلْتُ: نَبِيذٌ. فَقَالَ: تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مَائِعٌ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، أَشْبَهَ نَبِيذَ الزَّبِيبِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يُصَحِّحْهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو زُرْعَةَ،
وَقَالَ الْخَلَّالُ: كَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَمْ يَكُنِ ابْنُ مَسْعُودٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ،
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: أَحَادِيثُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وُضِعَتْ عَلَى أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ظُهُورِ الْعَصَبِيَّةِ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ،
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إِنَّمَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ اعْتِمَادًا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا أَصْلَ لَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَقَالَ
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل [في الماء الطاهر غير المطهر] قال المصنف رحمه الله: (القسم الثاني: ماء طاهر غير مطهر. وهو: ما خالطه طاهر فغيّر اسمه، أو غلب على أجزائه، أو طبخ فيه. فإن غيّر أحد أوصافه: لونه أو طعمه أو ريحه، أو استعمل في رفع حدث، أو طهارة مشروعة كالتجديد وغسل الجمعة، أو غَمَس فيه يدَه قائمٌ من نوم الليل قبل غسلها ثلاثًا فهل يسلب طهوريته؟ على روايتين) .
أما كون القسم الثاني من أقسام المياه ماء طاهرًا غير مطهر فلما تقدم في كون المياه ثلاثة أقسام.
وأما كونه هو ما خالطه طاهر ... إلى آخره فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وهو على ضربين:
أحدهما: متفق على طهارته وعدم تطهيره.
وهو أنواع:
أحدها: ماء خالطه طاهر فغيّر اسمه. مثل: إن جعله صبغًا أو خبزًا فهذا طاهر غير مطهر؛ لأنه زال عنه اسم الماء أشبه الخل.
وثانيها: ماء خالطه طاهر فغلب على أجزائه. فهذا أيضًا طاهر غير مطهر؛ لأن المخالط إذا غلب يجب أن يكون الحكم له، والمخالط طاهر غير مطهر فوجب كون الماء مثله.
ولأن المخالط إذا غلب على أجزاء الماء زال معه الماء لأنه حينئذ لا يُطلب منه الإرواء.
وإذا كان كذلك فقد سلب الماء خاصيته التي خلق لها فوجب سلب الطهورية عنه.
وثالثها: ماء طبخ فيه طاهر. مثل: الباقلاء والحمص ونحو ذلك. فهذا طاهر غير مطهر؛ لأنه صار طبيخًا وزال عنه مقصود الماء من الإرواء. أشبه ما لو صار خبزًا.
فإن قيل: الطبخ إن اعتبر فيه تغيّر الاسم أو غلبة الأجزاء كان كالنوعين قبله. فلا حاجة إلى ذكره،
وإن لم يعتبر فيه ذلك دخل فيه ما لو سلق في ماء بيض فإنه يسمى طبيخًا؛ بدليل ما لو حلف ليطبخن قدرًا بكيلجة ملح ولا يجد طعمه. فإنهم قالوا: يسلق فيها بيضًا. وطبيخ ما ذكر لا يسلب طهورية الماء.
قيل: المراد الطبخ المعتاد. وما ذكر نادر فلا يحمل الكلام عليه. على أن قوله طبخ فيه لا عموم له.
الضرب الثاني: مختلف فيه.
وهو أنواع:
أحدها: ماء خالطه طاهر فغير أحد أوصافه المذكورة. وفيه روايتان: إحداهما أنه طاهر غير مطهر؛ لأنه غيّر صفته. أشبه ماء الباقلاء المغلي.
والرواية الثانية: أنه طاهر مطهر؛ لقول الله تعالى:{فلم تجدوا ماء فتيمموا}. وهذا ماء فلا يجوز التيمم معه.
ومثله «قوله عليه السلام لأبي ذر: التراب كافيك ما لم تجد الماء».
ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الأدم والظاهر تغيّر الماء فيها.
ولأنه طهور خالطه طاهر لم يسلبه اسم الماء ولا رقته ولا جريانه أشبه المتغير بالدهن.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
ولأن الماء له صفتان الطهورية والطهارية. والمخالف له على نوعين مخالف في صفته وهو النجاسة فإذا تغير به سلبه الصفتين جميعًا.
والثاني: مخالف له في إحدى صفتيه فإذا تغير به وجب أن يسلبه ما خالفه فيه.
والآية والخبر مطلقان والمطلق من الأسماء ينصرف إلى المطلق من المسميات. والماء المطلق هو غير المضاف إلى قيد مخصص به. وهذا ماء يصح أن يقيد. فيقال: ماء زعفران ونحوه. ثم هما مخصوصان بماء الباقلاء المغلي فيخصصان بما ذكر قياسًا عليه. والمخالط إن لم يسلبه اسم الماء فقد سلبه الإطلاق.
والقياس على المتغير بالدهن لا يصح لأنه تغير عن مجاورة
بخلاف ما ذكر فإنه متغير عن مخالطة.
وثانيها: ماء استعمل في رفع حدث.
وفيه أيضًا روايتان:
إحداهما: أنه طاهر غير مطهر: أما كونه طاهرًا فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صب على جابر من وَضوئه».
وأما كونه غير مطهر؛ فلأنه زال عنه إطلاق اسم الماء أشبه المتغير بالزعفران.
والثانية: أنه طهور؛ لأنه ماء طاهر لاقى أعضاءً طاهرة أشبه ما لو تبرد به.
والأولى أصح في المذهب؛ لما تقدم.
ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسافرون وتضيق بهم المياه فكانوا يستعملون ما معهم من الماء استعمال إتلاف وإراقة.
ولو جاز استعماله ثانيا لامتنعوا من إراقته واستعملوه ثانيًا. ولم ينقل عن أحد منهم حفظ الماء المستعمل وادخاره للوضوء.
وثالثها: ماء استعمل في طهارة مستحبة كالتجديد وغسل الجمعة وما أشبههما.
وفيه أيضًا روايتان:
إحداهما: أنه طهور؛ لأنه ماء ما استعمل في نجاسة ولا أزيل به مانع من الصلاة فوجب بقاؤه على ما كان عليه.
والثانية: أنه غير مطهر؛ لأنه استعمل في طهارة مشروعة أشبه المستعمل في رفع الحدث.
ورابعها: ماء غَمَس فيه يده قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثًا.
وفيه أيضًا روايتان مبنيتان على وجوب غسل يد القائم من نوم الليل، وفيه روايتان: إحداهما: يجب؛ لقوله عليه السلام:«إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء. فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده».
وفي لفظ:«فلا يغمس يده في وَضوئه حتى يغسلها ثلاثًا». رواه مسلم.
أمر والأمر للوجوب، ونهى والنهي للتحريم.
والثانية: لا يجب غسل يده؛ لقوله تعالى:{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}. ولم يذكر غسل اليدين.
والحديث محمول على الاستحباب بدليل أنه علل بوهم النجاسة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.