فَإِنْ بَاعَهُ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ لَمْ يَصِحَّ
الشروح عليها
مسألة: (فإن باعَهُ مُطْلَقًا، أو بشَرْطِ التبقِيَةِ، لم يَصِحَّ) إذا باعَ الثَّمَرَةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، أو الزَّرْعَ قبلَ اشْتِدادِ حَبِّهِ، بشَرْطِ التبقِيَةِ، لم يَصِحَّ إجْمَاعًا، وقد ذَكَرْنَاهُ.
وكذلك إذا باعَها ولمِ يَشْتَرطْ تَبْقِيَةً ولا قَطْعًا. وبه قال مالِك، والشّافِعِيُّ. وأجازَهُ أبو حَنِيفةَ؛ لَأنَّ إطْلَاقَ العَقْدِ يَقْتَضِي القَطْعَ، فَحُمِلَ عليه، كما لو اشْتَرَطَه، قالُوا: ومَعْنَى النَّهْي أنْ يَبيعَها مُدْرِكَةً قبلَ إدْرَاكِها، بدَلِيلِ قَوْلِه في الحَدِيثِ: «أرَأيتَ إن مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأخُذُ أحَدُكُمْ مال أخِيهِ؟» فلَفْظَةُ المَنْعِ تَدُلُّ على أنَّ العَقْدَ يَتَناوَلُ مَعْنى هو مَقْصُودٌ في الحالِ، حتى يُتَصَوَّرَ المَنْعُ. ولَنا، النَّهْيُ المُطْلَقُ عن بَيعِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النّزاعِ، واسْتِدْلالُهم بسِياقِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على هَدمِ قاعِدَتِهم التي قَرَّرُوها، في أنّ إطْلاقَ العَقْدِ يَقْتَضِي القَطْعَ، ويُقَرِّرُ ما قُلْنا، من أنَّ إطْلَاقَ العَقْدِ يَقْتَضِي التبقِيَةَ، فيَصِيرُ العَقْدُ المُطْلَقُ كالذي شُرِطَ فيه التبقِيَةُ، يَتَناوَلُهما النَّهْي جَمِيعًا،
ويَصِحُّ تَعْلِيلُهما بالعِلَّةِ التي عَللَ بها النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - من مَنْعِ الثَّمَرَةِ وهَلاكِها.
فصل: وبَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها من غيرِ شَرْطِ القَطْعِ على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، أنْ يَبِيعَها مُنْفَرِدَةً لغَيرِ مالِكِ الأصْلِ، فلا يَصِحُّ. وهذا الذي ذَكَرْناه، وبَيَّنَّا بُطلانَه. الثاني، أنْ يَبِيعَها مع الأصلِ، فيَجُوزُ بالإِجْماعِ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ باعَ نَخْلًا بَعْدَ أنْ تُؤبَّرَ، فَثَمَرَتُها للذي باعَهَا، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّه إذا باعَها مع الأصْلِ حَصَلَتْ تَبَعًا في البَيعِ، فلم يَضُرَّ احْتِمالُ الغَرَرِ فيها، كما احْتُمِلَتِ الجَهالةُ في بَيعِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ مع بَيعِ الشَّاةِ، وأساساتِ الحِيطانِ.
الثالِثُ، أنْ يَبِيعَها مُفْرَدَةً لمالِكِ الأصلِ، نحوَ أنْ تكونَ للبائِعِ، ولم يَشْتَرِطْها المُبْتَاعُ، فيَبِيعَها له بعد ذلك، أو يُوصِيَ لرَجُل بثَمَرَةِ نَخْلَةٍ فيَبِيعَها لوَرَثَةِ المُوصِي، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَصِحُّ. وهو المَشْهُورُ عن مالِك، وأحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشّافِعِيّ؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ الأصلُ والثَّمَرَةُ للمُشْتَرِي، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَاهُما معًا. ولأنه إذا باعَها لمالِكِ الأصْلِ، حَصَلَ التَّسْلِيمُ إلى المُشْتَرِي على الكَمالِ؛ لكَوْنِه مالِكًا لأصُولِها، فَصَحَّ، كبَيعِها مع أصْلِها.
والثاني، لا يَصِحُّ. وهو الوَجْهُ الثانِي لأصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ تَنَاوَلَ الثمرَةَ خاصَّة، والغَرَرَ فيما تَنَاوَلَه العَقْدُ أصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو كانتِ الأصُولُ لأجنَبِي، ولأنها تَدْخل في عموم النَّهْي،
بخِلافِ ما إذا باعَهُما معًا، فإنّه مُسْتَثنى بالخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأنَّ الغَرَرَ فيما يَتَنَاوَلُه العَقْدُ أصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، ولا يَمْنَعُ إذا تَناوَلَه تبعًا، فإنَّه يَجُوزُ في التابع من الغَرَرِ هما لا يَجُوزُ في المَتْبُوعِ، كاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، والحمْلِ مع الشّاةِ، وغيرِهما.
وإنْ باعَهُ الثَّمَرَةَ بشَرْطِ القَطعِ في الحالِ، صَحَّ، وَجْهًا واحِدًا،
ولا يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ الوَفاءُ بالشَّرْطِ، لأنَّ الأصلَ له.
فصل: وإذا باعَ الزَّرْعَ الأخْضَرَ من غيرِ شَرْطِ القَطْعِ مع الأرْضِ، جازَ، كبَيعِ الثَّمَرَةِ مع الأصْلِ،
وإنْ باعَهُ لمالِكِ الأرْضِ مُنْفَرِدًا، ففيه وَجْهَانِ، على ما ذَكَرْنا في الثَّمَرَةِ. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ الجوازَ.
وإنْ باعَهُ إيَّاهُ بشرْطِ القَطْعِ، جازَ، وَجْهًا واحِدًا، ولم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ الوَفاءُ بالشَّرْطِ؛ لأنَّ الأصْلَ له، فهو كبَيعِ الثَّمَرَةِ لمالِكِ الأصْلِ.
فصل: وإذا اشْتَرَى قَصِيلًا مِن شَعِيرٍ ونحوه، فقَطَعَه، ثم نَبَتَ، فهو لصاحِبِ الأرْضِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ تَرَكَ الأصُولَ على سَبِيلِ الرَّفْضِ لها، فَسَقَطَ حَقُّه منها، كما يَسْقُطُ حَقُّ حاصِدِ الزَّرْعِ من السّنابِلِ التي يَدَعُها، ولذلك أُبِيحَ الْتِقاطُها.
ولو سَقَطَ من الزَّرْعِ حَب، ثم نبَتَ من العامِ المُقْبِلِ، فهو لصاحِبِ الأرْضِ. نَصَّ أحمدُ على هاتَينِ المسْألَتَين. وممّا يُؤكِّدُ هذا، أنَّ البائِعَ لو أرادَ التَّصَرُفَ في أرْضِه بعدَ فَصْلِ الزَّرْعِ بما يُفْسِدُ الأصُولَ ويَقْلَعُها، كان له ذلك، ولم يَمْلِكِ المُشْتَرِي مَنْعَهُ.
١٧١٤ - مسألة: (فإنْ باعَها بشَرْطِ القَطْعِ، ثم تَرَكَهُ المُشْتَرِي حتى بَدَا الصَّلاحُ [في الثَّمَرَةِ، أو]، طالتِ الجَزَّةُ، أو حَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى فلم تَتَميزْ، أو اشْتَرَى عَرِيةً ليَأكُلَها رُطَبًا، فأتْمَرَتْ، بَطَلَ البَيعُ.
وعنه، لا يَبْطُلُ، ويَشْتَرِكَانِ في الزِّيَادَةِ.
وعنه، يَتَصَدَّقَانِ بها) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في مَن اشترَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشرْطِ القَطْعِ ثم تَرَكَها حتى بَدَا صَلَاحُها، فنَقَلَ عنه حَنْبَلٌ، وأبو طالب، أنَّ البَيعَ يَبْطُلُ. اخْتَارَها الخِرَقِي. قال القاضِي: هي أصَحُّ. فعلى هذا يَرُدُّ المُشْتَرِي الثَّمَرَةَ إلى البائِعِ، ويَأخُذُ الثمَنَ. ونَقَلَ أحمدُ بنُ سَعِيدٍ، أنَّ البَيعَ لا يَبْطُلُ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ أكثَرَ ما فِيه أنَّ المَبِيعَ اخْتَلَطَ بغَيرِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى حِنْطَةً، فانْثَالتْ عليها أخْرَى، أو ثَوْبًا فاخْتَلَطَ بغَيرِه.
ونَقَلَ عنه أبو داودَ في من اشْتَرَى قَصِيلًا فمَرِضَ، أو تَوَانَى حتى صار شَعِيرًا،
فإنْ أرادَ به حِيلَةً فَسَدَ البَيعُ وانْتَقَضَ. وجَعَلَ بعضُ أصْحابِنا هذا رِوَايَةً ثالِثَةً، في مَن قَصَدَ التبقِيَةَ. وإلَّا لم يَفْسُدْ. قال شَيخُنا : والظّاهِرُ أنّ هذه تَرْجِعُ إلى ما نَقَلَه أحمدُ بنُ سَعِيدٍ، فإنَّه يَتَعَيَّنُ حَمْلُ ما نَقَلَه أحمدُ بنُ سَعِيدٍ في صِحَّةِ البَيعِ على مَنْ لم يُرِدْ حِيلَةً،
فإنْ أرادَ الحِيلَةَ، لم يَصِحَّ بحالٍ، إذ قد ثَبَتَ من مَذْهَبِ أحمدَ أنَّ الحِيَلَ كُلَّها باطِلَة. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأولَى أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الثمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها . فاسْتُثْنِيَ منه ما اشْتَراهُ بشَرْطِ القَطْع وقَطَعَه، بالإِجْماعِ، فيَبْقَى فيما عَدَاهُ على أصْلِ التَّحْرِيمِ، ولأنَّ التبقِيَةَ مَعْنى حَرَّمَ الشَّرْعُ اشْتِراطَه لِحَقِّ الله تِعالى، فأبْطَلَ العَقْدَ وجُودُه، كالنَّسِيئَةِ فيما يَحْرُمُ فيه النَّسَاءُ، وتَرْكِ التَّقَابُض فيما يُشْتَرَط القَبْضُ فيه، ولأنَّ صِحَّة البَيعِ تَجْعَلُ ذلك ذَرِيعَةً إلى شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُو صَلاحِها وتَرْكِها حتى يَبْدُوَ صَلَاحُها، ووَسائِلُ الحرامِ حَرَام، كبَيعِ العِينَةِ.
ومتى حَكَمْنَا بفَسَادِ البَيعِ، فالثمَرَةُ كُلُّها للبائِعِ.
وعنه، أنَّهما يَتَصَدَّقانِ بالزِّيَادَةِ. قال القَاضِي: هذا مُسْتَحَبٌّ؛ لوُقُوعِ الخِلافِ في مُسْتَحِقِّ الثَّمَرَةِ، فاسْتُحِبَّ الصَّدَقةُ بها، وإلَّا فالحَقُّ أنها للبائِع تَبَعًا للأصْلِ، كسائِرِ نَماءِ المَبِيعِ المُتَّصلِ إذا رُدَّ على البائِعِ بفَسْخٍ أو بُطْلانٍ. ونَقَلَ ابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ» أنَّ البائِعَ والمُشْتَرِيَ يَشْتَرِكَانِ في الزِّيَادَةِ.
وإنْ قُلْنا: لا يَبْطُلُ العَقْدُ. فقد رُوِيَ أنَّهُما يَشتَرِكَانِ في الزِّيادَةِ؛ لحُصُولِها في مِلْكِهما،
فإنَّ الثمَرَةَ مِلْكُ المُشْتَرِي، والأصْلَ مِلْكُ البائِعِ، وهو سَبَبُ الزِّيَادَةِ.
وقال القاضِي: الزِّيادَةُ للمُشْتَرِي، كالعَبْدِ إذا سَمِنَ. وحَمَلَ قَوْلَ أحمدَ: يَشْتَرِكانِ. على الاسْتِحْبابِ. والأوَّلُ أظهَرُ؛ لِما ذَكَرْنَا،
فإنَّ الزيادَةَ حَصَلَتْ من أصلِ البائِعِ من غيرِ اسْتِحْقاقِ تَرْكِها، فكان له فيها حَقّ،
بخِلافِ سِمَنِ العَبْدِ، فإنَّه لا يَتَحَقَّقُ فيه هذا المَعْنَى، ولا يُشْبِهُه.
ولا يَصِحُّ حَمْلُ قولِ أحمدَ على الاسْتِحْبابِ؛ فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ للبائِعِ أنْ يَأخُذَ من المُشْتَرِي ما لَا يَسْتَحِقُّه، بل ذلك حَرَام عليه، فكَيفَ يُستَحَبُّ! وعن أحمدَ، أنَّهما يَتَصَدَّقَانِ بالزيادَةِ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومحمّدِ بنِ الحَسَنِ؛ لأنَّ عَينَ المَبِيعِ زادَ بجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ. قال الثَّوْرِيُّ: إذا اشْتَرَى قَصِيلًا، يأخُذُ رَأسَ مالِه، ويَتَصَدَّقُ بالباقِي. ولأنَّ الأمْرَ اشْتَبَهَ في هذه الزّيادَةِ، فكان الأوْلَى الصَّدَقَةَ بها. قال شَيخُنا : ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هذا اسْتِحْبابًا؛ لأنَّ الصَّدقَةَ بالشُّبُهاتِ مُسْتَحَبَّة.
فإنْ أبيَا الصَّدَقَةَ بها، اشْتَرَكَا فيها. والزِّيَادَةُ هي ما بَينَ قِيمَتِها يومَ الشِّراءِ وقِيمَتِها يومَ أخْذِها. قال القاضِي: ويحَتمِلُ أنّه ما بَينَ قِيمَتِها قُبَيلَ بُدُوِّ صَلاحِها وقيمَتِها بعده؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها كانت للمُشْتَرى بنَمائِها، لا حَقَّ للبائِعِ فيها.
وكذلك الحُكْمُ في الرَّطْبَةِ إذا طالت، والزَّرْعِ الأخضَرِ إذا أدْجَنَ؛ لأنه في مَعْنَى الثّمَرَةِ، وهذا إذا لم يَقْصِدْ وَقْتَ الشراءِ تَأخِيرَه، ولم يَجْعَلْ شِراءَه بِشَرْطِ القَطعِ حِيلَةً على المَنْهِيِّ عنه، من شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها ليَتْرُكَها حتى يَبْدُوَ صَلاحُها.
فإنْ قَصَدَ ذلك، فالبَيعُ باطِلٌ من أصْلِه؛ لأنَّه حِيلَة مُحَرَّمَةٌ. وعند أبي حَنِيفَة، والشَّافِعِيِّ، لا حُكْمَ للقَصْدِ، والبَيعُ صَحِيحٌ. وقد ذَكرنا ذلك في تَحْرِيمِ الحِيَلِ .
فصل: فإنْ حَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى، أو باعَ شَجَرًا فيه ثَمَرَة للبائِع فحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أخْرَى،
فإنْ تَمَيَّزَتْ، فلِكُلِّ واحِدٍ ثَمَرَتُه،
وإنِ اخْتَلَطَا ولم تَتَمَيَّزْ واحِدَة منهما، فهما شَرِيكَانِ فيهما، كُلُّ واحِدٍ بقَدْرِ ثَمَرَتِه.
فإنْ لم يُعْلَمْ قَدْرُها اصْطَلَحَا عَلَيهما، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ المَبِيعَ لم يَتَعَذَّرْ تَسْلِيمُه، وإنّما اخْتَلَطَ بغَيرِه، فهو؛ لو اشْتَرَى طَعامًا في مكانٍ، فانْثَال عليه طَعامٌ للبائِعِ، أو انْثال هو على طَعام للبائِعِ، ولم يُعْرَفْ قَدْرُ كُلِّ واحِدٍ منهما. ويُفارِقُ هذا ما لو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها فتَرَكَها حتى بَدَا صَلاحُها،
فإنَّ العَقْدَ يَبْطُلُ في أظْهَرِ الروَايَتَينِ؛ لكَوْنِ اخْتِلاطِ المبِيعِ بغَيرِه حَصَلَ بارْتِكابِ نَهْي، وكَوْنِه يَتَّخِذُ حِيلَةً على شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وههنا ما ارتْكَبَ نهيًا، ولا يَجْعَلُ هذا طَرِيقًا إلى فِعلِ المُحَرَّمِ. وفيه رِوَايَةٌ أخْرَى، أنّه يَبْطُلُ. ذَكَرَها أبو الخَطَّابِ كالمسألَةِ التي قَبْلَها.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ بينهما.
وقال القاضِي: إنْ كانتِ الثَّمَرَةُ للبائِعِ، فحَدثَتْ ثَمَرَةٌ أخْرَى، قيلَ لكُل واحِدٍ: اسْمَحْ بنَصِيبِكَ لصاحِبِكَ.
فإنْ فَعَلَ أحَدُهما، أقرَرْنَا العَقْدَ، وأجْبَرْنَا الآخَرَ على القَبُولِ؛ لأنَّه يَزُولُ به النِّزاع.
فإنِ امْتَنَعَا، فَسَخْنا العَقْدَ؛ لتَعَذُّرِ وصُولِ كُل واحِدٍ منهما إلى قَدْرِ حَقه.
وإنِ اشْتَرَى ثمَرَةً، فحَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى، لم نَقُلْ لِلمُشْتَرِي: اسْمَحْ بنَصِيبِكَ. لأنَّ الثَّمَرَةَ كُلُّ المَبِيعِ، فلا يُؤمَرُ بتَخْلِيَته كُلِّه، ونَقُول للبائِعِ ذلك،
فإنْ سَمَحَ بنَصِيبِه للمُشْتَرِي، أجْبَرْنَاهُ على القَبُولِ، وإلَّا فُسِخَ البَيعُ بينهما. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. قال ابنُ عَقِيل: لعلَّ هذا قَوْلٌ لبَعْضِ أصْحَابِنا، فإنَّنِي لم أجِدْه مَعْزِيًّا إلى أحمدَ. والظّاهِرُ أنّ هذا اخْتِيارُ القاضِي، وليس بمَذْهَبٍ لأحمدَ.
ولو اشْتَرَى حِنْطَةً، فانْثالتْ عليها أخْرَى، لم يَنْفَسِخِ البَيعُ، والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الثَّمَرَةِ تَحْدُثُ معها أخْرَى، على ما ذَكَرناه.
فصل: فإنِ اشْتَرَى عَرِيَّةً فتَرَكَها حتى أتمَرَتْ، بَطَلَ البَيعُ. وهذا قَوْلُ الخِرَقِيِّ. وعن أحمدَ أنّه لا يَبْطُلُ. وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ جازَ بَيعُها رُطَبًا، لا يَبْطُلُ العَقْدُ إذا صارَت تَمْرًا، كغَيرِ العَرِيَّةِ، وكما لو قَطَعَهَا وتَرَكَها عنده حتى أتْمَرَتْ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَأكُلُها أهْلُهَا رُطَبًا» . ولأنَّ شِراءَها إنّما جازَ للحاجَةِ إلى أكلِ الرُّطَبِ،
فإذا أتْمَرَتْ تَبَينا عَدَمَ الحاجَةِ، فيَبْطُلُ العَقْدُ. ولا فَرْقَ بينَ تَرْكِه لغِنَاهُ عنها أو مع حاجَتِه إليها، أو تَرْكِها لعُذْرٍ أو لغَيرِ عُذْرٍ؛ للخَبَرِ.
ولو أخَذَها رُطَبًا، فتَرَكَها عندَه فأتْمَرَت، أو شَمَّسَها حتى صارَتْ تَمْرًا، جازَ؛ لأنَّه قد أخَذَها.
فإنْ أخَذَ بَعْضَها رُطَبًا، وتَرَكَ باقِيَها حتى أتمَرَ، فهل يَبْطُل البَيعُ فيما أتْمَرَ؟ على وَجْهَينِ. ١٧١٥ -
(فَإِنْ بَاعَهُ مُطْلَقًا) أَيْ: لَمْ يَشْتَرِطْ تَبْقِيَةً، وَلَا قَطْعًا،
وَقِيلَ: إِطْلَاقُهُ كَشَرْطِهِ قَدَّمَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ "؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ فَحُمِلَ عَلَيْهِ (أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ لَمْ يَصِحَّ) إِجْمَاعًا فِي الثَّانِيَةِ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ فِي شَرْطِ جَزِّ الْمَبِيعِ لَقْطَةً لَقْطَةً
فإنْ باعَه مُطْلقًا، لم يصِح. يَعْنِي، إذا باعَه ولم يَشْتَرِطِ القَطْعَ ولا التبقِيَةَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنَّما أطْلَقَ، لم يصِح. وهذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «المُحَرّر»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، وأكثرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ. قال الزرْكَشِي: جزَم به الشَّيخان، والأكْثَرون.
وعنه، يصِحُّ إنْ قصَد القَطْعَ،
ويُلْزَمُ به في الحالِ. نصَّ عليه في روايَةِ عَبْدِ اللهِ. وقدَّم في «الرَّوْضَةِ»، أن إطْلاقَه كشَرْطِ القَطْعِ. وحكَى الشَيرازِيُّ رِوايَةً بالصِّحَّةِ مِن غيرِ قَصْدِ القَطْعِ، وما حكاه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاوي الكَبِيرِ»، عن وَإنِ اشْتَرَطَ الْقَطْعَ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، أو طَالتِ ابنِ عَقِيل في «التَّذْكِرَةِ»، أنَّه ذكَر في هذه المَسْألةِ أرْبَعَ رِواياتٍ، ليس بسَدِيدٍ، إنَّما حكَى ذلك على ما اقْتَضاهُ لَفْظُه فيما إذا شرَط القَطعَ ثم ترَكَه.
وإنْ شرَط القَطْعَ، ثم ترَكَه حتى بَدا صَلاحُ الثَّمَرَةِ، وطالتِ الجَزَّةُ، وحدَثَتْ ثَمرةٌ أخْرَى، فلم تَتَمَيَّزا، أو اشْترَى عَرِيَّة ليَأكُلَها رُطَبًا، فأثْمَرَت، الْجَزَّة، أوْ حَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى فَلَمْ تَتَمَيَّزْ، أو اشْتَرَى عَرِيَّةً لِيَأكلَهَا رطَبًا، فَأتْمَرَتْ، بَطَلَ الْبَيعُ.
وَعَنْهُ، لَا يَبْطل، وَيَشتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ.
وَعَنْهُ، يَتَصَدَّقَانِ بِهَا.
بطَل البَيعُ. شَمِلَ كلامُه قِسْمَين؛ أحدُهما، إذا حدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى قبلَ القَطْعِ، ولم تتَمَيَّزْ مِنَ المَبِيعِ. الثَّاني، ما عدَا ذلك.
فإنْ كان ما عدَا حُدُوثَ ثَمَرَةٍ أخْرَى، فالصَّحِيحُ مِنَ المذهبِ، بُطْلانُ البَيعِ، كما قال [المُصَنِّفُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه.
قال في «الفُروعِ»: فسَد العَقْدُ في ظاهِرِ المذهبِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في «القواعِدِ الفِقْهِيةِ»: هذه أشْهَرُ الرِّواياتِ. قال القاضي: هذه أصح. قال الزرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ المَنْصُوص،
والمُخْتارُ للأصحابِ. وصححه في «التصْحيح»، و «الخُلاصَةِ». وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأزَجِيِّ»، وغيرِهم. واخْتارَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِرَقِيُّ، وأبو بَكْر، وابنُ أبي مُوسى، والقاضي وأصحابُه، وغيرُهم. وقدَّمه في «الكافِي»، و «الهادِي»، و «المُحَرَّر»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»،
وقال: اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. فعليها، الأصْلُ والزِّيادَةُ للبائعِ. قطَع به أكثرُ الأصحابِ. واخْتارَه ابنُ أبي مُوسى، والقاضي، وغيرُهما. ونقَلَها أبو طالِبٍ وغيرُه، عن الإمامِ أحمدَ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، وغيرِه.
وعنه، الزِّيادَةُ للبائعِ والمُشْتَرِي؛ فتُقَومُ الثَّمرَةُ وَقْتَ العَقْدِ وبعدَ الزِّيادَةِ. وهذه الروايةُ ذكَرَها في «الكافِي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما. وحكَى ابنُ الزَّاغُونِي، والمُصَنِّفُ، وغيرُهما رِوايَةً؛ أنَّ البائعَ يتَصَدَّقُ بالزِّيادَةِ، على القَوْلِ بالبُطْلانِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: وعنه، يَبْطُلُ البَيعُ، ويتَصَدَّقُ بالزِّيادَةِ اسْتِحْبابًا؛ لاخْتِلافِ الفُقَهاءِ. انتهى. وحكَى القاضي رِوايةً، يتَصَدَّقان بها. قال المَجْدُ: وهو سَهْو مِنَ القاضي، وإنَّما ذلك على الصِّحَّةِ،
فأمَّا مع الفَسادِ، فلا وَجْهَ لهذا القَوْلِ. انتهى.
وعنه رِوايَة ثانيَة في أصْلِ المَسْألةِ، لا يَبْطُلُ البَيعُ، ويَشْتَرِكان في الزيادَةِ.
قال في «الحاويَيْن»: وهو الأقوَى عندِي. واخْتارَه أبو حَفْص البَرْمَكِيُّ.
وقال القاضي: الزِّيادَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمُشْتَرِي. وجزَم به في كتابِه «الرِّوايتَين».
قال في «الحاوي»: كما لو أخَّرَه لمَرَض. ورَدَّه في «القواعِدِ»،
وقال: هو مُخالِف نُصوصَ أحمدَ. ثم قال: لو قال مع ذلك بوُجوبِ الأجْرَةِ للبائعِ إلى حينِ القطْعِ، لكان أقْرَبَ. قال المَجْدُ: يحْتَمِلُ عندِي أنْ يُقال: إنَّ زيادَةَ الثَّمَرَةِ في صِفَتِها للمُشْتَرِي، وما طال مِنَ الجَزَّةِ للبائعِ. انتهى. وعنه، يتَصَدَّقان بها.
قال في «الفُروعِ»: وعنه، يتَصَدَّقان بها على الروايتَين وُجُوبًا.
وقيل: نَدْبًا. وكذلك قال في «الرِّعايَةِ». فاخْتارَ القاضي، أنَّه على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ، وإليه مَيلُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ. وتقدَّم كلامُه في «التَّلْخيصِ».
وقال ابنُ الزَّاغُونِيِّ: على القَوْلِ بالصِّحَّةِ، لا تدْخُلُ الزِّيادَةُ في مِلْكِ واحدٍ منهما، ويتَصَدَّقُ بها المُشْتَرِي.
وعنه، الزِّيادَةُ كلُّها للبائعِ. نقَلَها القاضي في «خِلافِه»، في مَسْألةِ زَرْعِ الغاصِبِ. ونصَّ أحمدُ في رِوايَةِ ابن مَنْصُور، في مَنِ اشْتَرَى قَصِيلًا وترَكَه حتى سَنْبَلَ، يكُونُ للمُشْتَرِي منه بقَدْرِ ما اشْتَرَى يَوْمَ اشْتَرَى،
فإنْ كان فيه فَضْل، كان للبائعِ صاحِبِ الأرْضِ.
وعنه، يَبْطُلُ البَيعُ إنْ أخَّرَه بلا عُذْرٍ.
وعنه، يَبْطُلُ لقَصْدِ حِيلَةٍ. ذكَرَها جماعَة؛ منهم ابنُ عَقِيل في «التَّذْكِرَةِ»، والفَخْرُ في «التَّلْخيصِ». قال بعضُ الأصحابِ: متى تعَمَّدَ الحِيلَةَ، فسَد البَيعُ مِن أصْلِه ولم يَنْعَقِدْ، بغيرِ خِلافٍ. ووَجَّهَ في «الفُروعِ»، فيما إذا باعَه عَرِيَّةً فأتْمرتْ، إنْ ساوَى التَّمْرُ المُشْتَرَى به، صحّ.
وقال في «الفائقِ»: والمُخْتارُ ثُبوتُ الخِيارِ للبائعِ ليَفْسَخَ.
وعنه، إذا ترَك الرَّطْبَةَ حتى طالتْ، لم يَبْطُلِ البَيعُ. ذكَرَه الزَّرْكَشِي. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: صرَّح المُصَنِّفُ، أنَّ حُكْمَ العَرِيَّةِ إذا ترَكَها حتى أتْمَرتْ، حُكْمُ الثَّمَرَةِ إذا ترَكَها حتى بدَا صَلاحُها. وهو صَحيح، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، منهم القاضي. وقطَع بعضُ الأصحابِ بالبُطْلانِ في العَرايا، وحكى الخِلافَ في غيرِها، منهم الحَلْوانِيُّ وابنُه، وفرَّقُوا بينَهما. فائدتان؛ الأولَى، للقَوْلِ بالبُطْلانِ مأخَذان؛ أحدُهما، أنَّ تأخِيرَه مُحَرَّم؛ لحَق اللهِ، فالبَيعُ باطِل؛ كتَأخِيرِ القَبْضِ في الرِّبَويَّاتِ، ولأنَّه وَسِيلَة إلى شِراءِ الثَّمرَةِ وبَيعِها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وهو مُحَرَّم، ووَسائلُ المُحَرَّمِ مَمْنُوعَة.
المأخَذُ الثَّاني، أنَّ مال المُشْتَرِي اخْتَلطَ بمالِ البائعِ قبلَ التسْليمِ، على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ منه، فبطَل به البَيعُ، كما لو تَلِفَ. فعلى الأولِ، لا يبطُلُ البَيعُ إلَّا بالتَّأخِيرِ إلى بُدُوِّ الصَّلاحِ، واشْتِدادِ الحَبِّ. وهو ظاهِرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، والخِرَقِي، ويكونُ تأخِيرُه إلى ما قبلَ ذلك جائزًا.
ولو كان المُشْتَرَى رَطْبَةً أو ما أشْبَهَها مِنَ النعْناعِ والهِنْدِباءِ، أو صُوفًا على ظَهْر، فتَركَها حتى طالتْ، لم يَنْفَسِخِ البَيعُ؛ لأنه لا نهْيَ في بَيعِ هذه الأشْياءِ. وهذه هي طَرِيقَةُ القاضي في «المُجَرَّدِ». وعلى الثانِي، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَبْطُلُ البَيعُ بمُجَرَّدِ الزِّيادَةِ واخْتِلاطِ المالين، إلَّا أنَّه يُعْفَى عنِ الزِّيادَةِ اليَسِيرَةِ، كاليَوْمِ واليَوْمَين، ولا فَرْقَ بينَ الثَّمَرِ والزَّرْعِ، وغيرِهما مِنَ الرَّطْبَةِ والبُقولِ والصُّوفِ. وهي طَرِيقَةُ أبي بَكْر، والقاضي في «خِلافِه»، والمُصَنِّفِ، وغيرِهم.
ومتى تَلِفَ بجائحَةٍ بعدَ التَّمَكنِ مِن قَطْعِه، فهو مِن ضَمانِ المُشْتَرِي. وهو مُصَرَّح به في «المُجَرَّدِ»، و «المُغْنِي»، وغيرِهما. وتكونُ الزَّكاةُ. على البائعِ على هذا المَأخَذِ بغيرِ إشْكالٍ.
وأمَّا على الأوَّلِ، فيَحْتَمِلُ أنْ تكونَ على المُشْتَرِي؛ لأنَّ مِلْكَه إنَّما يَنْفَسِخُ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ. يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ على البائعِ. ولم يذكُرِ الأصحابُ خِلافَه؛ لأن الفَسْخَ ببُدُوِّ الصَّلاحِ اسْتَنَدَ إلى سَبَب سابِقٍ عليه، وهو تأخِيرُ القَطْعِ. قال ذلك في «القواعِدِ»،
وقال: وقد يُقالُ ببُدُوِّ الصَّلاحِ يتَبَيَّنُ انْفِسَاخُ العَقْدِ مِن حينِ التَّأخِيرِ. انتهى. الثانيةُ، تقدَّم، هل تكونُ الزَّكاةُ على البائعِ أو على المُشْتَرِي؛ إذا قُلْنا بالبُطْلانِ، وحيثُ قُلْنا بالصِّحَّةِ،
فإنِ اتَّفَقا على التبقِيَةِ جازَ، وزَكَّاه المُشْتَرِي،
وإنْ قُلْنا: الزِّيادَةُ لهما. فعلَيهما . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الزكاةُ إنْ بلَغ نَصِيبُ كلِّ واحدٍ منهما نِصابًا، وإلَّا انْبَنَى على الخُلْطَةِ في غيرِ الماشِيَةِ، على ما تقدم.
تنبيه: وأمّا إذا حدَثَتْ ثَمَرَة ولم تتَمَيَّزْ، فقَطَع المُصَنفُ هنا، أنَّ حُكْمَها حُكْمُ المَسائلِ الأولَى، وهو رِوايَة عن أحمدَ. ذكَرَها أبو الخَطّابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِي»، وغيرِهم. وهو احْتِمال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . .
«الكافِي». والصحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ المَبِيعِ الذي اخْتلَطَ بغيرِه، فهُما شَرِيكان فيهما، كلُّ واحدٍ بقَدْرِ ثَمَرَتِه،
فإنْ لم يَعْلَما قدْرَها اصْطَلَحا، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ في ظاهِرِ المذهبِ. قاله المُصَنفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرُهم. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو الصَّوابُ. وقدَّمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الكافِي» وغيرِه. واخْتارَه ابنُ عَقِيل وغيرُه. قال القاضي: إنْ كانتِ الثَّمَرَةُ للبائِعِ، فحدَثَتْ أخْرَى، قيل لكُلّ فهما: اسْمَحْ بنَصِيبِك.
فإنْ فعَل، أجبرَ الآخرُ على القَبُولِ، وإلَّا فُسِخَ العَقْدُ.
وإنِ اشْترَى ثَمَرَةً، فحدَثَتْ أخْرَى، قيل: للبائعِ ذلك لا غيرُ. انتهى.
فائدة: لو اشْتَرَى خَشَبًا بشَرْطِ القَطْعِ، فأخَّر قَطْعَه، فزادَ، فالبَيعُ لازِم، والزِّيادَةُ للبائعِ. قدَّمه في «الفائقِ»، فقال: لو اشْترَى خَشَبًا ليَقْطَعَه، فتَرَكَه، فنَما وغَلُظَ، فالزِّيادَةُ لصاحِبِ الأرْضِ. نصَّ عليه. واخْتارَه البَرْمَكِيُّ. انتهى.
قال في «الفُروعِ»: ونقَل ابنُ مَنْصُور، الزِّيادَةُ لهما، واخْتارَه البَرْمَكِي. وقاله وَإذَا اشْتَدَّ الحَبُّ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرَةِ، جَازَ بَيعُهُ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ التبقِيَةِ، وَلِلْمُشْتَرِي تَبْقِيَتُهُ إِلَى الْحَصَادِ والْجِدَادِ.
في «القواعِدِ» أيضًا. فاخْتلَفَ النَّقْلُ عن البَرْمَكِيِّ في الزِّيادَةِ.
وقيل: البَيعُ لازِم، والكُلُّ للمُشْتَرِي، وعليه الأجْرَةُ. اخْتارَه ابنُ بَطةَ.
وقيل: يَنْفَسِخُ العَقْدُ، والكُل للبائعِ. قال الجَوْزِيُّ : يَنْفَسِخُ العَقْدُ.
قال في «الفائقِ»، بعدَ قَوْلِ الجَوْزِيِّ : قلتُ: ويتَخَرَّجُ الاشْتِراكُ. فوافَقَ المَنْصُوصَ.
وقال في «الفُروعِ»: وإنْ أخر قَطْعَ خشَب مع شَرْطِه فزادَ، فقيل: الزِّيادَةُ للبائعِ.
وقيل: الكُل. وقيل: للمُشْتَري، وعليه الأجْرَةُ. ونقَل ابنُ مَنْصُور، الزِّيادَةُ لهما. اخْتارَه البَرْمَكِي. انتهى.
وإذا بَدا الصَّلاحُ في الثَّمَرَةِ، واشْتَدَّ الحَبُّ، جازَ بَيعُه مُطْلَقًا، وبشَرْطِ التبقِيَةِ.
وكذا قال كثير مِنَ الأصحاب.
وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»،
وغيرِهم: وإذا طابَ أكْلُ الثَّمَرِ، وظهَر نُضْجُه، جازَ بَيعُه.
وفي «التَّرْغِيبِ»، بظُهورِ مَبادِيء الحَلاوَةِ.
فائدة: يجوزُ لمُشْتَرِيه أنْ يَبِيعَه قبلَ جَدِّه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ لأنه وُجِدَ مِنَ القَبْضِ ما يُمكِنُ، فكفَى؛ للحاجَةِ المُبِيحَةِ لبَيع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثمَرِ قبلَ بُدُو صَلاحِه. وعنه، لا يجوزُ بَيعُه حتى يَجِدَّه، اخْتارَه أبو بَكْر. وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ».
وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ سَقْيُهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ،
وَإنْ تَضَرَّرَ الأصْلُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإنْ تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ.
وَعَنْهُ، إِنْ أتْلَفَتِ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، ضَمِنَهُ الْبَائِعُ، وَإلَّا فَلَا،
وَإنْ أتلَفَهُ آدَمِيٌّ، خُيِّرَ الْمُشتَرِي بَينَ الْفَسْخِ وَالإمْضَاءِ وَمُطَالبَةِ الْمُتْلِفِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.