وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ أَوْ قَضَى خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدي لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ الْوَفَاءِ جَازَ
الشروح عليها
(النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، فرَدَّ خَيرًا منه، وقال: «خَيرُكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً» ) مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّه لم يَجْعَلْ تلك الزِّيادَةَ عِوَضًا في القَرْضِ، ولا وَسِيلَةً إليه، ولا إلى اسْتِيفاءِ دَينِه، أشْبَهَ ما لو لم يَكُنْ قَرْضٌ.
وقال ابنُ أبي مُوسى: إذا زادَه بعد الوَفاءِ، فعادَ المُسْتَقْرِضُ بعدَ ذلك يَلْتَمِسُ منه قَرْضًا ثانيًا، ففَعَلَ، لم يَأْخُذْ منه إلَّا مِثْلَ ما أعْطاه،
فإن أخَذَ زِيادَةً، أو أجْوَدَ ممّا أعْطاه، حَرُم، قَوْلًا واحِدًا.
وإذا كان الرجلُ مَعْرُوفًا بحُسْنِ القَضاء، لم يُكْرَهْ إقْراضُه.
وقال القاضي: فيه وَجْهٌ آخر ، أنَّه يُكْرَهُ؛ لأنَّه يَطْمَعُ في حُسْنِ عادَتِه. وهذا لا يَصِحُّ؛
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، كان مَعْرُوفًا بحُسْنِ القَضاءِ، فهل يَسُوغُ لأحَدٍ أن يقولَ: إنَّ إقْراضَه مَكْرُوهٌ؟ ولأنَّ المَعْرُوفَ بحُسْنِ القَضاءِ خَيرُ النّاسِ وأفْضَلُهم، وهو أوْلَى النّاسِ بقَضاءِ حاجَتِه، وإجابَةِ مَسْألَتِه، وتَفْرِيجِ كُرْبَتِه، فلا يَجُوزُ أن يَكُونَ ذلك مَكْرُوهًا، وإنَّما يُمْنَعُ مِن الزِّيادَةِ المَشْرُوطَةِ.
ولو أقْرَضَه مُكَسَّرَةً، فجاءَه مكانَها بصِحاحٍ بغيرِ شَرْطٍ، جاز.
وإن جاءَه بصِحَاحٍ أقَلَّ منها، فأخَذَها بجَمِيعِ حَقِّه، لم يَجُزْ؛ لأن ذلك مُعاوَضَةٌ للنَّقْدِ بأقَلَّ منه، فكان رِبًا،
وكذلك ما يُشْتَرَطُ فيه المُماثَلَةُ.
١٧٧٠ -
(وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ) ، وَلَا مُوَاطَأَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (أَوْ قَضَى خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدي لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ الْوَفَاءِ جَازَ) عَلَى الْأَصَحِّ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ، وَقَالَ: خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ، وَلَا وَسِيلَة إِلَيْهِ، وَلَا إِلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ أَشْبَهَ مَا لَمْ يَكُنْ قَرْضٌ، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِثْلَ قَرْضِهِ، وَلَا يَأْخُذُ فَضْلًا لِئَلَّا يَكُونَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً وَحَرَّمَ الْحُلْوَانِيُّ أَخْذَ أَجْوَدَ مَعَ الْعَادَةِ،
وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهِ لَا " بِأَهْدَى " لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعَلُّقِهِ " بِأَهْدَى " أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ لَوْ أَسْكَنَ الْمُقْرِضَ دَارَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ جَازَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَفَاءِ، أَوْ بَعْدَهُ
وإِنْ فعَلَه بغيرِ شَرْطٍ، أو قضَى خَيرًا منْه -يعْنِي بغيرِ مُواطَأَةٍ، نصَّ الْوَفَاءِ، جَازَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَرَدَّ خَيرًا مِنْهُ، وَقَال:«خَيرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً».
عليه -أو أَهْدَى له هَدِيَّةً بعدَ الوَفَاءِ، جازَ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: صحَّ على الأصحِّ.
وكذا قال في «الخُلاصَةِ»، و «النَّظْمِ». وصحَّحه في الثَّانيَةِ والثَّالِثَةِ في «الفائقِ». وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وجزَم به في «المُذْهَبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفائقِ»، فيما إذا فعَلَه بغيرِ شَرْطٍ. وقدَّمه في الجَميعِ في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاويَيْن».
وعنه، لا يجوزُ. وأطْلَقهما في «التَّلْخيصِ». وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، فيما إذا أهْدَى له هَدِيَّةً بعدَ الوَفاءِ، أو زادَه. وجزَم الحَلْوَانِيُّ أنْ يأْخُذَ أجْوَدَ مع العادَةِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو عَلِمَ أنَّ المُقْتَرِضَ يزِيدُه شيئًا على قَرْضِه، فهو كشَرْطِه. اخْتارَه القاضي. وجزَم به في «الحاوي الصَّغِيرِ». وقدَّمه في «الرِّعايتَين».
وقيل: يجوزُ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وفي «الحاوي الكَبِيرِ»، وقالُوا: لأنَّه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ كان مَعْرُوفًا بحُسْنِ الوَفاءِ، فهل يَسُوغُ لأحَدٍ أنْ يقولَ: يُكْرَهُ القَرْضُ له؟ وعلَّلُوه بتَعْليلٍ جيِّدٍ. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وصحَّحه في «النَّظْمِ». وأطْلَقهما في «الفائقِ»، و «الفُروعِ».
وقيل: إنْ زادَ مَرَّةً في الوَفاءِ، فزِيادَةُ مَرَّةٍ ثانيةٍ مُحَرَّمَةٌ. ذكَرَه في «النَّظْمِ». الثانيةُ، شَرْطُ النَّقْصِ كشَرْطِ الزِّيادَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاويَيْن»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين».
وقيل: يجوزُ. قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجّهُ أنَّه فيما لا رِبًا فيه.
قلتُ: قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وإنْ شرَط في القَرْضِ أنْ يُوَفِّيَه أنْقَصَ، وكان ممَّا يَجْرِي فيه الرِّبا،
وَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ، لَمْ يَجُزْ، إلا أنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَينَهُمَا بِهِ قَبْلَ الْقَرْضِ.
لم يَجُزْ، وإنْ كان في غيرِه، لم يَجُزْ أيضًا.
وقال ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»: وإنْ شرَط التَّوْفِيَةَ أنْقَصَ، وهو ممَّا يَجْرِي فيه الرِّبا، لم يَجُزْ، وإلَّا جازَ.
وقيل: لا يجوزُ.
فائدة: لو أَقْرَضَ غَرِيمَه ليَرْهَنَه على مالِه، عليه وعلى المُقْرَضِ، ففي صِحَّتِه رِوايَتان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «المُسْتَوْعِبِ».
قال في «الحاوي الكَبِيرِ»: لو قال صاحِبُ الحقِّ: أَعْطِنِي رَهْنا، وأُعْطِيك مالًا تَعْمَلُ فيه وتَقْضِينِي. جازَ.
وكذا قال أيضًا في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، وجزَم به في مَوْضِعٍ.
قال: (وإن فعله بغير شرط أو قضاه خيراً منه أو أهدى له هدية بعد الوفاء جاز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً فرد خيراً منه وقال: خيركم أحسنكم قضاء» (١) .
وإن فعله قبل الوفاء لم يجز إلا أن تكون العادة جارية بينهما به قبل القرض).
أما كون فعل المقترض ما فيه نفع وقضائه خيراً مما اقترض وهديته بعد الوفاء بغير شرط يجوز فلما ذكر المصنف رحمه الله من أن النبي صلى الله عليه وسلم رد خيراً ومدح فاعله.
وأما كون ذلك قبل الوفاء مع عدم العادة لا يجوز فلما روي «أن رجلاً كان له على سَمّاك عشرون درهماً فجعل يهدي له السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهماً فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم» رواه الأثرم.
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أَقرضَ أحدكُم قرضاً فَأهدَى إليه أو حَملهُ على الدابةِ فلا يَركبْهَا ولا يَقبلهُ إلا أن يكونَ جرى بينهُ وبينهُ قبلَ ذلك» رواه ابن ماجة.
وأما كون ذلك مع العادة يجوز فلما تقدم من حديث أنس. ولأن مع العادة يكون سبب ذلك العادة لا القرض فلا يكون ذلك نفعاً جره القرض.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: بعد الوفاء بم يتعلق؟
قيل: يحتمل أن يتعلق بأهدى.
فعلى هذا يكون فعل ما يجر نفعاً غير مقيد وذلك يقتضي أن المقترض لو أسكن المقرض داره بغير عوض جاز إذا كان بغير شرط سواء كان ذلك قبل الوفاء أو بعده لأن المقترض فعل ذلك من غير شرط أشبه ما لو لم يكن للمقرض عنده شيء،
ويحتمل أن يتعلق ذلك بقوله: وإن فعله بغير شرط.
فعلى هذا لا يجوز أن يسكنه داره ونحو ذلك قبل الوفاء لأنه يصير القرض قرضاً يجر نفعاً
ويجوز بعده لأنه حينئذ لا دين له عليه أشبه من لم يقترض منه بالكلية. وهذا الاحتمال موافق لما في المغني والكافي فإن المصنف صرح بالمنع فيما ذكر قبل الوفاء. والاحتمال الأول ظاهر كلام المصنف هنا ويوافق قول طائفة من الأصحاب.
قال صاحب الهداية فيها: ولا يجوز كل شرط يجر منفعة مثل: أن يقرضه على أن يسكنه داره أو يعطيه أجود مما أخذ أو يكتب له به سفتجة إلى بلد آخر فإن بدأه المقترض بفعل ذلك من غير شرط جاز. ويؤيد هذا الاحتمال أن بعد الوفاء إذا لم يختص بالهدية يجب أن يكون طرفاً لما قبله من المسائل وذلك لا يصح في قوله: أو قضاه خيراً منه لأن القضاء يستحيل أن يكون بعد الوفاء لأن القضاء نفس الوفاء والشيء يستحيل أن يكون بعد نفسه.
فعلى هذا كل نفع يوجد بعد الوفاء يجوز لما تقدم وكل نفع يوجد قبله ينظر فيه فإن لم يكن بينهما عادة به: فعلى الاحتمال الأول وما نقله الأصحاب يجوز ما لم يكن هدية، وعلى الاحتمال الثاني وما نقله المصنف في المغني والكافي لا يجوز وهو أظهر دليلاً من حيث الأثر والمعنى:
أما الأثر فعموم قوله عليه السلام: «كل قرض جر منفعة حرام»، ونهي الصحابة المتقدم ذكرهم عن قرض جر منفعة .
وأما المعنى فهو أن الأصحاب اتفقوا على المنع من الهدية قبل الوفاء. ولا فرق بينها وبين سكنى الدار ونحو ذلك.
فإن قيل: لو وجد ذلك حالة الوفاء؟
قيل: ينظر فيه فإن كان النفع صفة في الوفاء مثل: أن يقضيه خيراً منه جاز لما تقدم.
وإن كان زيادة في القضاء مثل: أن يقرضه درهماً فيعطيه أكثر منه لم يجز لأنه ربا.
وقال المصنف في المغني والكافي: تجوز الزيادة في الصفة والقدر لما تقدم من الحديث وحكى أبو الخطاب من غير تقييد روايتين.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.