وَمُؤْنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ وَكَفَنُهُ إِنْ مَاتَ وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ إِنْ كَانَ مَخْزُونًا وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ إِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ،
الشروح عليها
مسألة: (ومُؤْنته على الرَّاهِنِ، وكَفَنُه إن مات، وأُجْرَةُ مَخْزَنِه إن كان مَخْزُونًا) مُؤْنَةُ الرَّهْنِ في طَعَامِه، وكُسْوَتِه، ومَسْكَنِه، وحافِظِه، وحِرْزِه، ومَخزَنِه، وغيرِ ذلك، على الرّاهِنِ. وبهذا قال مالكٌ، والشّافعيّ، والعَنْبَرِيّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: أُجْرَةُ المَسْكَنِ والحافِظِ على المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ إمْساكِه وارْتِهانِه. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيه غُرْمُه». رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ ،
وقال: إسْناد جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ. ولأنَّه نَوْعُ إنْفاقٍ، فكان على الرَّاهِنِ، كالطَّعامِ، ولأنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فكان عليه مَسْكَنُه وحافِظُه، كغيرِ الرَّهْنِ.
وإن أبقَ العَبْدُ، فأجرُ مَن يَرُدُّه على الرَّاهِنِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَكُونُ بقَدْرِ الأمانَةِ على الرَّاهِنِ، وبقَدْرِ الضَّمانِ على المُرْتَّهِنِ.
وإنِ احْتِيجَ إلى مُداواتِه لمَرَض أو جُرْحٍ، فذلك على الرّاهِن. وعند أبي حنيفةَ، هو كأجْرِ مَن يَرُدُّه مِن إباقِه. وبَنَى ذلك على أصْلِه في أنَّ يَدَ المُرْتَّهِنِ يَدُ ضَمانٍ بقَدْرِ دَينه فيه، وما زاد فهو أمانَة عندَه. ويأتِي الكَلامُ على ذلك فيما بعدُ.
فإن مات العَبْدُ، كانت مُؤْنَةُ تَجْهيزِه وتَكْفينه ودَفْنِه على الرَّاهِنِ؛ لأنَّ ذلك تابعٌ لمُؤْنَتِه،
فإنَّ كلَّ مَن لَزِمَتْه مُؤْنَةُ شَخْص في حَياتِه لا في مُقابَلَةِ نَفْعٍ، كانت مُؤْنَةُ تَجْهيزِه ودَفنِه عليه، كسائِرِ العَبِيدِ والإِماءِ والأقارِبِ مِن الأحْرارِ.
فصل: وإن كان الرَّهْنُ ثَمَرةً، فاحْتاجَتْ إلى سَقْيٍ وتَسْويَةٍ وجِذاذٍ، فذلك على الرَّاهِنِ.
وإنِ احْتاجَتْ إلى تَجْفِيفٍ، والحَقُّ مُؤَجَّلٌ، فعليه التَّجْفِيفُ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى أن يَسْتَبْقِيَهَا رَهْنًا حتَّى يَحِلَّ الحَقُّ،
وإن كان حالًّا، بِيعَتْ، ولم يَحْتَجْ إلى تَجْفِيفِها.
فإنِ اتَّفَقا على بَيعِها وجَعْلِ ثَمَنِها رَهْنًا بالحَقِّ المُؤَجَّلِ، جازَ.
وإنِ اخْتَلَفَا، قُدِّمَ قولُ مَن يَسْتَبْقِيها بعَينها؛ لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي ذلك، إلَّا أن يَكُونَ مِمّا تَقِلُّ قِيمَتُه بالتَّجْفِيف وقد جَرَتِ العادَةُ بِبَيعِه رَطْبًا، فيُباعُ، ويُجْعَلُ ثَمَنُه رَهْنًا.
وإنِ اتَّفَقا على قَطْعِ الثَّمَرَةِ في وَقْتٍ، جازَ، سواء كان الحَقُّ حالًا أو مُؤَجَّلًا، أو كان الأصْلَحُ القَطْعَ أو التَّرْكَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما.
وإنِ اخْتَلَفا، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب الأصْلَحَ، إن كان ذلك قبلَ حُلُولِ الحَقِّ،
وإن كان الحَقُّ حالًّا، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب القَطْعَ؛ لأنَّه إن كان المُرْتَهِنَ، فهو طالِبٌ لاسْتِيفاءِ حَقِّه الحالِّ، فلَزِمَ إجابَتُه،
وإن كان الرَّاهِنَ، فهو يَطْلُبُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِه، وتَخْلِيصَ عَينِ مِلْكِه مِن الرَّهْنِ، والقَطْعُ أحْوَطُ، مِن جهَةِ أنَّ في تَبْقِيَته غَرَرًا. ذَكَر القاضِي هذا في المُفْلِسِ. وهو قولُ أكْثَرِ أصحابِ الشَّافعيِّ، وهذا في مَعْناه. ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ في الثَّمَرَةِ،
فإن كانت تَنْقُصُ بالقَطْعِ نَقْصًا كثيرًا، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن قَطْعِها؛
وإن ذلك إتْلافٌ، فلا يُجْبَرُ عليه، كما لا يُجْبَرُ على نَقْضِ دارِه لِيَبِيِعَ أنْقاضَها، ولا على ذَبْحِ فَرَسِه ليَبِيعَ لَحْمَها.
وإن كانتِ الثَّمَرَةُ مَمّا لا يُنْتَفعُ بها قبلَ كَمالِها، لم يَجُزْ قَطْعُها قبلَه، ولم يُجْبَرْ عليه بحالٍ؛ لما فيه مِن إضاعَةِ المالِ. واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن كان الرَّهْنُ ماشِيَةً تَحْتَاجُ إلى إطْراقِ الفَحْلِ، لم يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عليه؛ لأنَّه ليس عليه ما يَتَضَمَّنُ زِيادَةً في الرَّهْنِ، وليس ذلك مِمّا يُحْتاجُ إليه لبَقائِها، ولا يُمْنَعُ مِن ذلك؛ لكَوْنِه زِيادَةً لهما، لا ضَرَرَ على المُرْتَّهِنِ فيه.
وإنِ احْتاجَتْ إلى رَعْيٍ، فعلى الرَّاهِنِ أن يُقِيمَ لها راعِيًا؛ لأنَّ ذلك يَجْرِي مَجْرَى عَلْفِها،
فإن أرادَ الرَّاهِنُ السَّفَرَ بها ليَرْعاها في مكانٍ آخرَ، وكان لها في مَكانِها مَرْعًى تَتَماسَكُ به، فللمُرْتَهِنِ مَنْعُه؛ لأنَّ في السَّفَرِ بها إخْراجَها عن نَظرَه ويَدِه.
وإن أجْدَبَ مَكانُها فلم تَجِدْ ما تَتَماسَكُ به، فللرّاهِنِ السَّفَرُ بها؛ لأنَّها تَهْلِكُ إذا لم يُسافِرْ بها، إلَّا أنَّها تَكُونُ في يَدِ عَدْلٍ يَرْضَيانِ به، أو يَنْصِبُه الحاكِمُ، ولا يَنْفَرِدُ الرَّاهِنُ بها،
فإنِ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِن السَّفَرِ بها، فللمُرْتَهِنِ نَقْلها؛ لأنَّ في بَقائِها هَلاكَها، وضَياعَ حَقِّه مِن الرَّهْنِ.
وإن أرادا جَمِيعًا السَّفَرَ بها، واخْتَلَفَا في مَكانِها، قَدَّمْنا قولَ مَن يُعَيِّنُ الأصْلَحَ،
فإنِ اسْتَوَيا قُدِّمَ قَوْلُ المُرْتَّهِنِ. وعندَ الشَّافعيِّ، يُقَدَّمُ قولُ الرَّاهِنِ وإن كان الأصْلَحُ غيرَه؛ لأنَّه أمْلَكُ بها، إلَّا أنَّه يَكُونُ مَأواها إلى يَدِ عَدْلٍ. ولَنا، أنَّ اليَدَ للمُرْتَهِنِ، فكان أوْلَى، كما لو كانا في بَلَدٍ واحِدٍ. وأيُّهما أراد نَقْلَها عن البَلَدِ مع خِصْبِه، لم يَكُنْ له، سَواءٌ أرادَ نَقْلَها إلى مِثْلِه، أو أخْصَبَ منه، إذْ لا مَعْنَى للمُسافَرَةِ بالرَّهْنِ مع إمْكانِ تَرْكِ السَّفَرِ به.
وإنِ اتَّفَقا على نَقْلِها، جاز، سواءٌ كان أنْفَعَ لها أو لا؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما.
فصل: وإن كان عَبْدًا يَحْتاجُ إلى خِتانٍ، والدَّينُ حالٌّ، أو أجَلُه قبلَ بُرْئِه، مُنِعَ منه؛ لأنَّه يَنْقُصُ ثَمَنَه، وفيه ضَرَرٌ،
وإن كان يَبْرأ قبلَ مَحِلِّ الحَقِّ، والزَّمانُ مُعْتَدِلٌ لا يخَافُ عليه فيه، فله ذلك؛ لأنَّه مِن الواجِباتِ، ويَزيدُ في الثَّمَنِ، ولا يَضُرُّ بالمُرْتَهِنِ، ومُؤْنَةُ خِتانِه على الرَّاهِنِ.
وإن مَرِضَ، فاحْتاج إلى دَواءٍ، لم يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عليه؛ لأنَّه لا يَتَحَقَّقُ أنَّه سَبَبٌ لبَقائِه، وقد يَبْرَأ بغَيرِ علاج،
بخِلافِ النَّفَقَةِ. وإن أرادَ الرَّاهِنُ مُداواتَه بما لا ضَرَر فيه، لم يُمْنَعْ منه؛ لأنَّه مَصْلَحَة لهما مِن غيرِ ضَرَر بواحِدٍ منهما.
فإن كان الدَّواءُ مِمّا يُخافُ غائِلَتُه، كالسُّمُومِ، فللمُرْتَهِنِ مَنْعُه منه؛ لأنَّه لا يَأمَنُ تَلَفَه.
وإنِ احْتاجَ إلى فَصْدٍ، أو احْتاجَتِ الدَّابَّةُ إلى تَوْدِيج؛ ومَعْناهُ فَتْحُ الوَدَجَين لِيَسِيلَ الدَّمُ، وهما عِرْقانِ غَلِيظانِ مِن جانِبَيْ ثَغْرَةِ النَّحْرِ، أو تبْزِيغٍ؛ وهو فَتْحُ الرَّهْصَةِ ، فللرّاهِنِ فِعْلُ ذلك، ما لم يَخَفْ منه ضَرَرًا.
وإنِ احْتِيجَ إلى قَطْعِ شيءٍ مِن بَدَنِه بدواءٍ لا يُخافُ مِنه، جازَ.
وإن خِيف منه، فأيُّهما امْتَنَعَ منه، لم يُجْبَرْ.
وإن كانت به آكِلَةٌ كان له قَطْعُها؛ لأنَّه يُخافُ مِن تَرْكِها لا مِن قَطْعِها.
وإن كان به خَبِيثَةٌ، فقال أهْلُ الخِبْرَةِ: الأحْوَطُ قَطْعُها، وهو أنْفَعُ مِن بَقائِها. فللرّاهِنِ قَطْعُها، وإلَّا فَلَا.
وإن تَساوَى الخَوْفُ عليه في الحالينِ، لم يَكُنْ له قَطْعُها؛ لأنَّه يُحْدِثُ جُرْحًا فيه لم يَتَرَجَّحْ إحْداثُه.
وإن كانت به سِلْعَةٌ ، أو إصْبَعٌ زائِدَةٌ، لم يَمْلِكِ الرَّاهِنُ قَطْعَها؛ لأنَّ قَطْعَها يُخافُ منه، وتَرْكَها لا يُخافُ منه.
وإن كانتِ الماشِيَةُ جَرِبَةً، فأرادَ الرَّاهنُ دَهْنَها بما يُرْجَى نَفْعُه ولا يُخافُ ضَرَرُه، كالقَطِرانِ والزَّيتِ اليَسِيرِ، لم يُمْنَعْ.
وإن خِيفَ ضَرَرُه، كالكثيرِ ، فللمُرْتَهِنِ مَنْعُه.
وقال القاضِي: له ذلك بغيرِ إذْنِ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّ له مُعالجَةَ مِلْكِه،
وإنِ امْتَنَعَ مِن ذلك، لم يُجْبَرْ عليه.
ولو أرادَ المُرْتَهِنُ مُداواتَها بما يَنْفَعُها ولا يُخْشى ضَرَرُه، لم يُمْنَعْ؛ لأنَّ فيه إصْلاحَ حَقِّه بما لا يَضُرُّ [به غيرَه].
وإن خِيفَ منه الضَّرَرُ، لم يُمكَّنْ منه؛ لأنَّ فيه خَطَرًا بحَقِّ غيره.
فصل: فإن كان الرَّهْنُ نَخْلًا، فاحْتاجَ إلى تَأبِيرٍ، فهو على الرَّاهِنِ، وليس للمُرْتَهِنِ مَنْعُه منه؛ لأنَّ فيه مَصْلَحَةً بغيرِ مَضَرَّةٍ، وما يَسْقُطُ مِن لِيفٍ أو سَعَفٍ أو عَراجِينَ، فهو مِن الرَّهْنِ؛ لأنَّه مِن أجْزائه، أو مِن نَمائِه.
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: ليس مِن الرَّهْنِ. بِناءً منهم على أنَّ نَماءَ الرَّهْنِ ليس منه.
ولا يَصِحُّ ذلك ها هنا، لأنَّ السَّعَفَ مِن جُمْلَةِ الأعْيانِ التي وَرَد عليها عَقْدُ الرَّهْنِ، فكانت منه، كالأصُولِ وأنْقاضِ الدَّارِ.
وإن كان الرَّهْنُ كَرْمًا فله زِبارُه ؛ لأنَّه لِمَصْلَحَتِه، ولا ضَرَر فيه. والزَّرَجُونُ مِن الرَّهْنِ.
وإن كان الشَّجَرُ مُزْدَحِمًا، وفي قَطْعِ بَعْضِه صَلاحٌ لِما يَبْقَى، فله ذلك.
وإن أرادَ تَحْويلَه كلَّه، لم يَمْلِكْ ذلك.
وإن قِيلَ: هو الأوْلَى. لأنَّه قد لا يَعْلَقُ، فيَفُوتَ الرَّهْنُ.
وإنِ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِن فِعْلِ هذا كلِّه، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه فِعْلُ ما فيه زِيادَةُ الرَّهْنِ.
فصل: وكلُّ زِيادَةٍ تَلْزَمُ الرّاهِنَ، إذا امْتَنَعَ منها أجْبَرَه الحاكِمُ عليها،
فإن لم يَفْعَل، اكْتَرَى الحاكِمُ مِن مالِه،
فإن لم يَكُنْ له مالٌ، اكْتَرَى مِن الرَّهْنِ.
فإن بَذَلَها المُرْتَهِنُ مُتَطَوِّعًا، لم يَرْجِعْ بشيءٍ.
وإن كان بإذنِ الرَّاهِنِ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، رَجَع.
فإن أنْفَقَ بإذْنِ الرَّاهِنِ؛ ليَكُونَ الرَّهْنُ رَهْنًا بالنَّفَقَةِ والدَّينِ الأوَّلِ، لم يَصِحَّ، ولم يَصِبرْ رَهْنًا بالنَّفَقَةِ؛ لِما ذَكَرْنَا.
وإن قال الرَّاهِنُ: أنْفَقْتَ مُتَبَرِّعًا.
وقال المُرْتَهِنُ: بل أنْفَقْت مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ. فالقَوْلُ قولُ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّ الخِلافَ في نِيَّته، وهو أعْلمُ بها، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّ ما قاله الرَّاهِنُ مُحْتَمِلٌ. وكلُّ مُؤْنَةٍ لا تَلْزَمُ الرّاهِنَ، كَنَفَقَةِ المُداوَاةِ والتَّأبيرِ وأشْباهِهما، لا يَرْجِعُ بها المُرْتَهِنُ إذا أنْفَقَها، سواء أنْفَقَها مُحْتَسِبًا أَو مُتَبَرِّعًا.
١٧٩٢ - مسألة: (وهو أمانَةٌ في يَدِ المُرْتَّهِنِ، إن تَلِف بغَيرِ تَعَدٍّ منه، فلا شيءَ عليه، ولا يَسْقُطُ بهَلاكِه شيءٌ مِن دَينِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الرَّهْنَ إذا تَلِف في يَدِ المُرْتَّهِنِ،
فإن كان تَلَفُه بتَعَدٍّ أو تَفْرِيطٍ في حِفْظِه، ضَمِنَه. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّه أمانَةٌ في يَدِه، فلَزِمَه ضَمانُه إذا تَلِف بتَعَدِّيه أو تَفْرِيطِه، كالوَدِيعةِ.
فأمَّا إن تَلِف مِن غيرِ تَعَدٍّ منه ولا تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه، وهو مِن مالِ الرَّاهِنِ. يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه. وبه قال عطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِيَ عن شُرَيحٍ، والنَّخَعِيِّ، والحَسَنِ، أنَّ الرَّهْنَ يُضْمَنُ بجَمِيعِ الدَّينِ،
وإن كان أكثَرَ مِن قِيمتِه؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ».
وقال مالكٌ: إن كان تَلَفُه بأمْرٍ ظاهِر، كالمَوْتِ والحَرِيقِ،
فمِن ضَمانِ الرَّاهِنِ، وإنِ ادَّعَى تَلَفَه بأمْرٍ خَفِيٍّ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، ويَضْمَنُ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُه المُرْتَهِنُ بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه، أو قَدْرِ الدَّينِ. ويُرْوَى ذلك عنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه؛ لِما رَوَى عَطاءٌ، أنَّ رَجُلًا رَهَن فَرَسًا، فنَفقَ عندَ المُرْتَّهِنِ، فجاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْبَرَه بذلك، فقال:«ذَهَبَ حَقُّك». ولأنَّها عَينٌ مَقْبُوضَةٌ للاستيفاءِ، فيَضْمَنُها مَن قَبَضَها؛ لذلك، أو مَن قَبَضَها نائِبُه، كحَقِيقَة المُسْتَوْفَى. ولأنَّه مَحْبُوسٌ بدَين، فكانَ مَضْمُونًا، كالمَبِيع إذا حُبِسَ لاسْتِيفاءِ ثَمَنِه. ولَنا، ما رَوَى ابنُ أبي ذِئْبٍ ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، لِصَاحِبِه غُنْمُهُ، وَعَلَيهِ غُرْمُهُ».
رَواه الأثْرَمُ، من أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ يونُسَ، عن ابنِ أبي ذِئْب . ورَواه الشافعيُّ ، عن ابنِ أبي فُدَيكٍ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ ، ولَفْظُه:«الرَّهْنُ مِن صَاحِبِه الَّذِي رَهَنَهُ». وباقيه سواءٌ. قال: ووَصَلَه ابنُ المُسَيَّبِ، عن أبي هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه أو مثلَ مَعْناه مِن حَدِيثِ ابنِ أبي أُنَيسَةَ. ولأنَّه وَثِيقَة بالدَّينِ، فلا يُضْمَنُ، كالزِّيادَةِ على قَدْرِ الدَّينِ، ولأنَّه مَقْبُوضٌ بعَقْدٍ واحِدٍ بَعْضُه أمانَة، فكان جَمِيعُه أمانَةً، كالوَدِيعةِ.
وعلى مالكٍ، أنَّ ما لا يُضْمَنُ به العَقارُ، لا يُضْمَنُ به الذَّهَبُ، كالوَدِيعةِ.
فأمَّا حَدِيثُ عطاءٍ فهو مُرْسَلٌ، وقَوْلُه يُخالِفُه. قال الدَّارَقُطنيُّ: يَرْويه إسْماعِيلُ بنُ أُمَيَّةَ، وكان كَذَّابًا.
وقِيل: يَرْويه مُصْعَبُ بنُ ثابِتٍ، وكان ضَعِيفًا. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ: ذَهَب حَقُّكَ مِن الوَثِيقَةِ؛ بدَلِيلِ أَنَّه لم يَسْألْ عن قَدْرِ الدَّينِ وقِيمَةِ الرَّهْنِ. والحَدِيث الآخَرُ إن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّه مَحْبُوسٌ بما فيه،
وأمّا المُسْتَوْفَى فإنَّه صار مِلْكًا للمُسْتَوفِي، له نماؤه وغُنْمُه، فكان عليه ضَمَانُه وغُرْمُه،
بخِلافِ الرَّهْنِ، والمَبِيعُ قبلَ القَبْضِ مَمْنُوعٌ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه لا يَسْقُطُ بهَلاكِه شيءٌ مِن دَينِه. وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الدَّينَ كان ثابِتًا في ذِمَّةِ الرَّاهِنِ قبلَ التَّلَفِ، ولم يُوجَدْ ما يُسْقِطُه، فبَقِيَ بحالِه.
١٧٩٣ -
(وَمُؤْنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غَنَمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ،
وَقَالَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ مُتَّصِلٌ، وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ كَالطَّعَامِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى مُدَاوَاةٍ لِمَرَضٍ، أَوْ جُرْحٍ وَأُجْرَةِ مَنْ يَرُدُّهُ إِذَا أَبَقَ وَمُؤْنَةِ جِنَايَةٍ وَأُجْرَةِ تَسْوِيَةٍ وَجِدَادٍ وَتَجْفِيفٍ وَنَحْوِهِ،
فَإِنْ كَانَ مَاشِيَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى إِطْرَاقٍ فَحْلٍ لَمْ يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً فِي الرَّهْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِبَقَائِهَا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ زِيَادَةً فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ (وَكَفَنُهُ إِنْ مَاتَ) كبقية مؤنة تَجْهِيزُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ لِمُؤْنَتِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ غُرْمِهِ (وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ إِنْ كَانَ مَخْزُونًا) كَأُجْرَةِ حَافِظِهِ (وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ فِعْلِهِ خَوْفًا مِنَ الضَّمَانِ وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَعْطِيلِ الْمُدَايَنَاتِ، وَالْقُرُوضِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَا يُضْمَنُ كَالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ،
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ. نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، كَبَعْدِ الْوَفَاءِ (إِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) . قَالَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي تَلَفِهِ شَيْءٌ كَالْوَدِيعَةِ،
وَعَنْهُ: يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ، أَوْ مَلَّكَهُ، أَوِ اسْتَعْمَلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى الْمُتَعَدِّي وَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ فَأَجْرَاهَا عَلَى ظَاهِرِهَا لِمَا رَوَى عَطَاءٌ «أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا فَنَفَقَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ:" ذَهَبَ حَقُّكَ» ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ لِلِاسْتِيفَاءِ، فَيَضْمَنُهَا مَنْ قَبَضَهَا لِذَلِكَ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدٍ بَعْضُهُ أَمَانَةٌ فَكَانَ جَمِيعُهُ أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ وَحَدِيثُ عَطَاءٍ بِخِلَافِهِ مَعَ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ قَالَ: يَرْوِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ وَكَانَ كَذَّابًا،
وَقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ،
وَلَوْ سَلِمَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ حَقُّكَ مِنَ الْوَثِيقَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ قَدْرِ الدَّيْنِ، أَوْ قِيمَتِهِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا تَعَدَّى، أَوْ فَرَّطَ أَنَّهُ يَضْمَنُ كَالْوَدِيعَةِ،
وَفِي بَقَاءِ الرَّهِينَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَمَانَةً وَاسْتِيثَاقًا فَبَقِيَ أَحَدُهُمَا وَجْهَانِ (وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ قَبْلَ التَّلَفِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ فَبَقِيَ بِحَالِهِ وَكَمَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ عَبْدًا يَبِيعُهُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَكَحَبْسِ عَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ بَعْدَ الْفَسْخِ عَلَى الْأُجْرَةِ
بِخِلَافِ حَبْسِ الْبَائِعِ الْمُشْتَرِيَ عَلَى ثَمَنِهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي رِوَايَةٍ بِتَلَفِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ، وَالرَّهْنُ لَيْسَ بَعِوَضِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَسْقُطُ بِتَفَاسُخِهِمَا ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وهو أمانة في يد المرتهن إن تلف بغير تعد منه فلا شيء عليه ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه. وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين) .
أما كون الرهن أمانة في يد المرتهن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم
قال في الرهن:«لصاحبه غنمه وعليه غرمه».
ولأن الرهن لو ضمن لامتنع الناس من فعله خوفاً من الضمان وذلك وسيلة إلى تعطيل القروض والمداينات غالباً وفي ذلك ضرر عظيم والضرر منفي شرعاً.
ولأن الرهن مقبوض بعقد واحد بعضه أمانة فكان كله أمانة كالوديعة.
وأما كونه لا شيء على المرتهن إذا تلف بغير تعد منه؛ فلأنه أمانة في يده فلم يكن في تلفه شيء كالوديعة.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا تلف بغير تعد منه ففيه إشعار بأنه يضمنه مع التعدي؛ لأن الوديعة إذا تعدى فيها ضمن فكذا هاهنا.
وأما كون شيء من الدين لا يسقط بهلاكه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يَغْلَقُ الرهن لصاحبه غُنمه وعليه غُرمه» رواه الأثرم.
ولأنه مقبوض على وجهِ الأمانة فلم يسقط الحق كالوديعة إذا تلفت في يد من له عند صاحبها دين.
وأما كون باقي الرهن رهناً بجميع الدين؛ فلأن الدين كله يتعلق بجميع أجزاء الرهن. لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.