وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٍ وَلَا بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا تَصِحُّ ببَدَنِ مَن عليه حَدُّ أو قِصاصٌ) سواء كان حَقًّا للهِ تعالى، كحَدِّ الزِّنَى والسرِقَةِ، أو لآدمِيٍّ، كحَد القَذْفِ والقِصاصِ. وهو قولُ أكثرَ العُلَماءِ؛ منهم شُرَيح، والحَسَنُ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرأي. والشافعي في حُدُودِ اللهِ تعالى. واخْتَلَفَ قَوْلُه في حُدُودِ الآدَمِيِّ، فقال في مَوْضِع: لا كَفالةَ في حَدٍّ ولا لِعانَ.
وقال في موضع: تَجُوزُ الكَفالةُ بمَن عليه حَقٌّ أو حَدٌّ؛ لأنَّه حَق لآدَمِيّ، فصَحَّتِ الكَفالةُ به، كسائِرِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ. ولَنا، ما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«لَا كَفَالةَ في حدٍّ». ولأنَّه حد، فلم تَصِحَّ الكَفالةُ فيه، كَحُدُودِ الله تِعالى، ولأنَّ الكَفالةَ اسْتِيثاق، والحُدُودُ مَبْناها على الإسْقاطِ والدَّرءِ بالشبُهاتِ، فلا يَدخُلُ فيها الاسْتِيثاقُ، ولأنه حَق لا يَجُوزُ اسْتِيفاؤه مِن الكَفِيلِ إذا تَعَذَّرَ عليه إحضارُ المَكْفُولِ به، فلا تَصِحُّ الكَفالةُ بمَن هوْ عليه، كحَد الزِّنَى.
فصل: ولا تَجُوزُ الكَفالةُ بالمُكاتَبِ مِن أجْلِ دَينِ الكِتابَةِ؛ لأنَّ الحُضُورَ لا يَلْزَمُه، فلا تَجُوزُ الكَفالةُ به، كدَينِ الكِتابةِ.
١٨٤٦ - مسألة: (ولا) تَصِحُّ (بغيرِ مُعَيَّنٍ، كأحَدِ هذينِ) لأنَّه غيرُ مَعلُومٍ في الحالِ ولا في المآلِ، فلا يُمكِنُ تَسْلِيمُه.
١٨٤٧ -
(وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:" لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ "، وَلِأَنَّهَا اسْتِيثَاقٌ يُلْزِمُ الْكَفِيلَ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إِحْضَارِهِ، وَالْحَدُّ مَبْنَاهُ عَلَى الْإِسْقَاطِ، وَالدَّرْءِ بِالشُّبْهَةِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الِاسْتِيثَاقُ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ الْجَانِي،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِلَّهِ كَحَدِّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ الْقَذْفِ (أَوْ قِصَاصٍ) ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ.
قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": إِلَّا لِأَخْذِ مَالٍ كَالدِّيَةِ وَغَرِمَ مَالِيَّةَ السَّرِقَةِ فَتَصِحُّ (وَلَا بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الْمَآلِ، وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ
بِخِلَافِ ضَمَانِ الْمَجْهُولِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالزَّوْجَةِ، أَوِ الشَّاهِدِ.
ولا تصِحُّ ببَدَنِ مَن عليه حَدٌّ أو قِصاصٌ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال الشَّيخُ تَقِي الدينِ: تصِحُّ. واخْتارَه في «الفائقِ».
تنبيه: قوْلُه: ولا تصِحُّ ببَدَنِ مَن عليه حدٌّ أو قِصاص. شَمِلَ سواءً كان حقًّا لله ؛ كحَد الزِّنَى، والسرِقَةِ، ونحوهما، أو لآدَمِيٍّ، كحَد القَذْفِ، والقِصاصِ. وكوْنُ مَن عليه حَدٌّ أو قِصاصٌ لا تصِحُّ كَفالته، مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وَلَا بِغَيرِ مُعَيَّن، كَأحدِ هذَين.
فائدتان؛ إحداهما، تصِحُّ الكَفالة لأخْذِ مالٍ، كالدِّيَةِ، وغُرمِ السَّرقَةِ. الثانيةُ، لا تصِحُّ الكَفالةُ بزَوْجِه، أو شاهِدٍ. ولا بغيرِ مُعَيَّنٍ، كأحَدِ هذَين. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به أكثرُهم.
وقيل: يصِحُّ؛ لأنّه تَبَرُّع، فهو كالإعارَةِ والإباحَةِ. ذكَره وإنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إنْسَانٍ أوْ عُضْو، أوْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أنهُ إنْ جَاءَ بِهِ، وَإلَّا فهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أوْ ضَامِن مَا عَلَيهِ، صَحَّ، فِي أحَدِ الْوَجْهينِ.
في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ بعدَ المِائَة».
قال: (ولا تصح ببدن من عليه حد أو قصاص، ولا بغير معين كأحد هذين) .
أما كون الكفالة ببدن من عليه حد لا تصح فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا كفالة في حد».
ولأن الكفالة استيثاق يلزم الكفيل ما على المكفول عند تعذر إحضاره والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات فلا يدخل فيها الاستيثاق ولا يمكن استيفاؤها من غير الجاني.
وأما كونها ببدن من عليه قصاص لا تصح؛ فلأنه بمنزلة من عليه حد معنى فليكن بمنزلته حكماً.
وأما كونها بغير معين كأحد هذين لا يصح؛ فلأن المكفول به مجهول لا يعلم في الحال ولا في المآل
بخلاف ضمان المجهول فإنه إن لم يمكن معرفته في الحال يمكن معرفته في المآل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.