وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ مُطْلَقًا وَحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ
الشروح عليها
١٩٦٤ - مسألة؛ قال: (وإن أقَرَّ بمالٍ، لم يَلْزَمْه في حالِ حَجْرِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه مُطْلَقًا) إذا أقَرَّ السَّفِيهُ بمالٍ، كالدَّينِ، أو ما يُوجِبُه؛ كجِنايَةِ الخَطَأ وشِبْهِ العَمْدِ، وإتْلافِ المالِ، وغَصْبِه، وسَرِقَتِه، لم يُقْبَلْ إقْرارُه به؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لحَظِّه، فأشْبَهَ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ. ولأنّا لو قَبِلْنا إقْرارَه في مالِه لزالتْ
فائِدَةُ الحَجْرِ؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في مالِه، ثمّ يُقِرُّ به، فيَأْخُذُه المُقَرُّ له. ولأنَّه أقَرَّ بما هو مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ فيه، فلم يَنْفُذْ، كإقْرارِ الرّاهِنِ على الرَّهْنِ، والمُفْلِسِ على المالِ. وظاهِرُ قولِ الأصْحابِ، أنّه يَلْزَمُه ما أقَرَّ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، واخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ أقرَّ بما لا يَلْزَمُه في الحالِ، فلَزِمَه بعد فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالعَبْدِ يُقِرُّ بالدَّينِ، وكإقْرارِ الرّاهِنِ على الرَّهْنِ، وكإقْرارِ المُفْلِسِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ إقْرَارُه، ولا يُؤْخَذَ به في الحُكْمِ بحالٍ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لعَدَمِ رُشْدِه، فلم يَلْزَمْه حُكْمُ إقْرارِه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ. ولأنَّ المَنْعَ مِن نُفُوذِ إقْرارِه في الحالِ، إنَّما ثَبَت لحِفْظِ مالِه عليه، ودَفْعِ الضَّرَرِ عنه،
فلو نَفَذ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، لم يُفِدْ إلَّا تَأْخِيرَ الضَّررِ عليه إلى أكْمَلِ حالتَيه. وفارَقَ المَحْجُورَ عليه لحَقِّ غَيرِه،
فَإنَّ المانِعَ تَعَلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بمالِه، فيَزُولُ المانِعُ بزَوالِ الحَقِّ عن مالِه، فَيَثْبُتُ مُقتَضَى إقْرارِه.
وفي مَسْألَتِنا انْتَفَى الحُكْمُ لخَلَلٍ في الإِقْرارِ، فلم يَثْبُتْ كَوْنُه سَبَبًا، وبزَوالِ الحَجْرِ لم يَكْمُلِ السَّبَبُ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ مع اخْتِلالِ السَّبَب، كما [لم يَثْبُتْ قبلَ] فَكِّ الحَجْرِ. ولأنَّ الحَجْرَ لحَقِّ الغَيرِ لم يَمْنَعْ تَصَرُّفَهم في ذِمَمِهم، فأمْكَنَ تَصْحِيحُ إقْرارِهم في ذِمَمِهم على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بغيرِهم، والحَجْرُ ههُنا لحَظِّ نفْسِه مِن أجْلِ ضَعْفِ عَقْلِه وسُوءِ تَصَرُّفِه، ولا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ إلَّا بإبْطالِ إقْرارِه بالكُلِّيَّةِ، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
فأمّا صِحَّتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى،
فإن عَلِم صِحَّةَ ما أقَرَّ به، كدَين لَزِمَه مِن جِنايَةٍ، أو دَين لَزِمَه قبلَ الحَجْرِ عليه، فعليه أداؤُه؛ لأنَّه عَلِم أنَّ عليه حَقًّا، فلَزِمَه أداؤُه، كما لو لم يُقِرَّ به.
وإن عَلِم فَسَادَ إقْرارِه، مثلَ أن عَلِم أنَّه أقَرَّ بدَينٍ ولا دَينَ عليه، أو بجِنايَةٍ لم تُوجَدْ منه، أو أقَرَّ بما لا يَلْزَمُه، مثلَ أن أتْلَفَ مال مَن دَفَعَه إليه بقَرْض أو بَيع، لم يَلْزَمْه أداؤُه؛ لأنَّه يَعْلَمُ أنَّه لا دَينَ عليه، فلم يَلْزَمْه، كما لو لم يُقِرَّ به.
١٩٦٥ - مسألة: (وحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّه حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ) على ما ذَكَرْنَا مِن قبلُ؛ لأنَّهُ مَحْجُورٌ عليه لحَظه، فهو كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ. ١٩٦٦ - مسألة؛ قال الشَّيخُ،
(وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ) كَالدَّيْنِ، أَوْ مَا يُوجِبُهُ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ وَغَصْبِهِ (لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ) ، لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَظّة، أَشْبَهَ الصَّبِيَّ،
وَلَوْ قَتَلْنَاهُ فِي الْحَالِ لَزَالَ مَعْنَى الْحَجْرِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فَيَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ زَوَالِهِ كَالرَّاهِنِ، وَالْمُفْلِسِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ مُطْلَقًا) ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ نُفُوذِ إِقْرَارِهِ فِي حَالِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِهِ وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُ، وَنُفُوذُهُ بَعْدَ فَكِّهِ عَنْهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا تَأْخِيرَ الضَّرَرِ عَلَيْهِ إِلَى أَكْمَلِ حَالَتَيْهِ، لَكِنْ إِنْ عَلِمَ صِحَّةَ مَا أَقَرَّ بِهِ كَدَيْنِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ " (وَحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ) عَلَى مَا سَلَفَ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى السَّفِيهِ لِحَظِّهِ، أَشْبَهَ وَلِيَّ الصَّبِيِّ.
[لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ إِذَا احْتَاجَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ] فَصْلٌ
وإنْ أقَر بمالٍ، لم يَلْزَمْه في حالِ حَجْرِه. يعْنِي، يصِحُّ إقْرارُه، ولا يَلْزَمُه في حالِ حَجْرِه. وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ صِحَّةُ إقْرارِه بمالٍ، لَزِمَه باخْتِيارِه، أوْ لا.
قال في «الوَجيزِ»: وإنْ أقَرَّ بدَينٍ، أو بما يُوجِبُ مالًا، لَزِمَه بعدَ حَجْرِه، إنْ عُلِمَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسْتِحْقاقُه في ذِمَّتِه حال حَجْرِه. وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايةِ»، وغيرِهم. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَلْزَمَه مُطْلَقًا. وإليه مَيلُ الشَّارِحِ. واخْتارَه المُصَنِّفُ. فعلى هذا، لا يصِحُّ إقْرارُه بمالٍ. وتقدَّم بعضُ أحْكام السَّفِيهِ، في أوَائِلِ كتاب البَيعَ. وَحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: (وحكم تصرف وليه حكم تصرف ولي الصبي والمجنون) .
أما كون حكم تصرف ولي السفيه حكم تصرف ولي الصبي والمجنون؛ فلأن ولايته على السفيه لِحَظِّه. أشبه ولي الصبي والمجنون.
وأما مراد المصنف رحمه الله بذلك فهو أن ولي السفيه لا يتصرف في ماله إلا على وجهٍ الحظ له، وأنه إن تبرع أو حابا أو زاد على النفقة عليه أو على من تلزمه نفقته بالمعروف ضمن، وأنه لا يشتري من ماله شيئاً لنفسه ولا يبيعه من ماله شيئاً،
وأن له مكاتبة رقيقه، وعتقه على مال، وتزويج إمائه، والسفر بماله، والمضاربة به، ودفعه مضاربة بجزء من الربح، وبيعه نسأ، وقرضه برهن، وشراء العقار وبناءه بما جرت العادة به، وأنه لا يبيع عقاره إلا لضرورة أو غبطة، وأنه إذا وصى له بمن يعتق عليه من لا تلزمه نفقته لزمه قبولها،
وإن كان ممن تلزمه لم يجز له القبول.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.