وَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِمِثْلِهِ وَبِمِثْلِهِ
الشروح عليها
فصل: فأمَّا اسْتِئْجارُ الحَجّامِ لغيرِ الحِجامةِ، كالفَصْدِ، وحَلْقِ الشَّعَرِ وتَقْصِيرِه، والخِتانِ، وقَطْعِ شيءٍ مِن الجَسَدِ للحاجةِ إليه، فجائِزٌ؛ لأنَّ قَولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ». يُرِيدُ بالحِجامَةِ، كما نَهَى عن مَهْرِ البَغِيِّ، أي في البِغاءِ. ولذلك لو كَسَب بصِناعةٍ أُخْرَى لم يَكُنْ خَبِيثًا، بغيرِ خِلافٍ. وهذا النَّهْي مُخالِفٌ لِلْقِياسِ فيَخْتَصُّ بالمَحلِّ الذي وَرَد فيه، ولأنَّ هذه الأُمُورَ تَدْعُو الحاجَةُ إليها، ولا تَحْرِيمَ فيها، فجازَتِ الإِجارَةُ فيها، كسائِرِ المنافِعِ المُباحَةِ.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ كَحّالًا لِيَكْحَلَ عَينَه؛ لأنَّه عَمَلٌ جائِزٌ، ويُمْكِنُ تسْلِيمُه ويُقَدِّرُ ذلك بالمُدَّةِ؛ لأنَّ العَمَلَ غيرُ مَضْبُوطٍ، ويَحْتاجُ إلى بَيانِ عَدَدِ ما يَكْحَلُه، في كلِّ يومٍ مَرَّةً أو مَرَّتَينِ.
فإن قَدَّرَها بالبُرْءِ، فقال القاضي: لا يجوزُ؛ لأنَّه غيرُ مَعْلُومٍ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا بَأْسَ بمُشارَطةِ الطَّبِيبِ على البُرْءِ؛ لأنَّ أبا سَعِيدٍ حينَ رَقَى الرجلَ شارَطَه على البُرْءِ.
قال شيخُنا : والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، جوازُ ذلك، لكن يكونُ جَعالةً لا إجارَةً؛
فإنَّ الإِجارَةَ لابُدَّ فيها مِن مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، أو عَمَلٍ مَعْلُومٍ، والجَعالةُ تجوزُ على عَمَلٍ مَجْهُولٍ، كَرَدِّ اللُّقَطَةِ والآبِقِ. وحَدِيثُ أبي سَعيدٍ في الرُّقْيَةِ إنَّما كان جَعالةً، فيجوزُ ههُنا مثلُه. إذا ثَبَت هذا،
فإنَّ الكُحْلَ إن كان مِن العَلِيلِ، جازَ؛ لأنَّ آلاتِ العَمَلِ تكونُ مِن المُسْتَأْجِرِ، كاللَّبِنِ في البِناءِ والطِّينِ والآجُرِّ ونحوها.
وإن شَرَطَه على الكَحّالِ، جازَ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ الأعْيانَ لا تُمْلَكُ بعَقْدِ الإِجارَةِ، فلا يَصِحُّ اشْتِراطُه على العامِلِ، كَلَبِنِ الحائِطِ. ولَنا، أنَّ العادَةَ جارِيَةٌ به، ويَشُقُّ على العَلِيلِ تَحْصِيلُه، وقد يَعْجِزُ عنه بالكُلِّيَّةِ، فجازَ ذلك، كالصِّبْغِ مِن الصَّبّاغِ، والحِبْرِ والأقْلامِ مِن الوَرّاقِ. وما ذَكَرَه يَنتَقِضُ بهذَينِ الأصْلَينِ. وفارَقَ لَبِنَ الحائِطِ؛ لأنَّ العادَةَ تَحْصِيلُ المُسْتَأْجِرِ إيّاه، ولا يَشُقُّ ذلك،
بخِلافِ مَسْألَتِنا. وقال أصحابُ مالكٍ: يجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ مَن يَبْنِي له جِدارًا والآجُرُّ مِن عندِه؛ لأنَّه اشْتَرَى ما يُتِمُّ به الصَّنْعَةَ التي عَقَد عليها،
فإذا كان مَعْرُوفًا، جازَ، كما لو اسْتَأْجَرَه لِيَصْبُغَ له ثَوْبًا والصِّبْغُ مِن عندِه. ولَنا، أنَّ عَقْدَ الإِجارَةِ عَقْدٌ على المَنْفَعَةِ،
فإذا شَرَط بَيعَ العَينِ، صار كبَيعَتَين في بَيعةٍ. ويُفارِقُ الصِّبْغَ، مِن حيثُ إنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه؛ لأنَّ تَحْصِيلَ الصِّبْغِ يَشُقُّ على صاحِبِ الثَّوْبِ، وقد يكونُ الصِّبْغُ لا يَحْصُلُ إلَّا في حببٍ يَحْتاجُ إلى مُؤْنةٍ كَثِيرةٍ، لا يَحْتاجُ إليها في صَبْغِ هذا الثَّوْبِ، فجازَ؛ لِمَسِيسِ الحاجَةِ إليه،
بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: فإنِ اسْتَأْجَرَه مُدَّةً، فكَحَلَه فيها، فلم تَبْرَأْ عَينُه، اسْتَحَقَّ الأجْرَ. وبه قال الجماعةُ. وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أجْرًا حتى تَبْرَأَ عَينُه. ولم يَحْكِ ذلك أصحابُه، وهو فاسِدٌ؛ لأنَّ المُسْتَأْجِرَ قد وَفَّى العَمَلَ الذي وَقَع العَقْدُ عليه، فوَجَبَ له الأجْرُ وإن لم يَحْصُلِ الغَرَضُ، كما لو اسْتَأْجَرَه لبِناءِ حائِطٍ يَوْمًا، أو لخِيَاطةِ قَمِيصٍ، فلم يُتِمَّه فيه.
فإن بَرِئَتْ عَينُه في أثْناءِ المُدَّةِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِنَ المُدَّةِ؛ لتَعَذُّرِ العَمَلِ، فهو كما لو حَجَز عنه أمْرٌ غالِبٌ،
وكذلك لو ماتَ. فإنِ امْتَنَعَ عن الاكْتِحالِ مع بَقاءِ المَرَضِ، اسْتَحَقَّ الكَحّالُ الأجْرَ بمُضِيِّ المُدَّةِ، كما لو اسْتَأْجَرَه يومًا للبِناءِ فلم يَسْتَعْمِلْه فيه.
فأمَّا إن شارَطَه على البُرْءِ، فهي جَعالةٌ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا حتى يُوجَدَ البُرْءُ، سواءٌ وُجِدَ قَرِيبًا أو بَعِيدًا،
فإن بَرِئَ بغيرِ كَحْلِه أو تَعَذَّرَ الكَحْلُ لمَوْتِه أو غيرِ ذلك مِن المَوانِعِ التي مِن جِهَةِ المُسْتَأْجِرِ، فله أجْرُ مِثْلِه، كما لو عَمِلَ العامِلُ في الجَعالةِ ثمَّ فَسَخ العَقْدَ.
فإنِ امْتَنَعَ لأمرٍ مِنْ جِهَةِ الكَحّالِ أو غيرِ المُسْتَأْجِرِ، فلا شيءَ له.
وإن فَسَخ الجاعِلُ الجَعالةَ بعدَ عَمَلِ الكَحّالِ، فعليه أجْرُ عَمَلِه،
وإن فَسَخ الكَحّالُ، فلا شيءَ له، على ما يُذْكَرُ في بابِ الجَعالةِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ويَصِحُّ أن يَسْتَأْجِرَ طَبِيبًا لِمُداواتِه. والكلامُ فيه كالكَلامِ في الكَحّالِ سواءً، [إلَّا أنَّه] لا يجوزُ اشْتِراطُ الدَّواءِ على الطَّبِيبِ؛ لأنَّه إنَّما جازَ في الكَحّالِ على خِلافِ الأصْلِ؛ للحاجَةِ إليه، وجَرْي العادَةِ به، ولم يُوجَدْ ذلك المَعْنَى ههُنا، فيَثْبُتُ الحُكْمُ فيه على وَفْقِ الأصْلِ.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ مَن يَقْلَعُ ضِرْسَه؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ مُباحَةٌ مَقْصُودَةٌ، فجاز ذلك عليها، كالخِتانِ.
فإنْ أخْطَأَ فقَلَعَ غيرَ ما أُمِرَ بقَلْعِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه مِن جِنايَتِه.
وإن بَرَأ الضِّرْسُ قبلَ قَلْعِه، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لأنَّ قَلْعَه لا يجوزُ.
وإن لم يَبْرَأْ، لكنِ امْتَنَعَ المُسْتَأْجِرُ مِن قَلْعِه، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّ إتْلافَ جُزْءِ الآدَمِيِّ مُحَرَّمٌ في الأصْلِ، وإنَّما أُبِيحَ إذا صار بقَاؤُه ضَرَرًا، وذلك مُفَوَّضٌ إلى كلِّ إنْسانٍ في نَفْسِه إذا كان أهْلًا لذلك، فصاحِبُ الضِّرْسِ أعْلَمُ بمَضَرَّتِه ونَفْعِه وقَدْرِ ألَمِه.
فصل: قال، - رَضِيَ اللهُ عنه -: (وللمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ بنَفْسِه وبِمثْلِه، [ولا يجوزُ بِمَن هو أكْثَرُ ضَرَرًا منه، ولا بِمَن يُخالِفُ ضَرَرُه ضَرَرَه) كلُّ مَن اسْتَأْجَرَ عَينًا لمَنْفَعَتِها فله أن يَسْتَوْفِيَ المَنْفَعَةَ بنَفْسِه وبِمثْلِه] .
فإذا اكْتَرَى دارًا للسُّكْنَى فله أن يُسْكِنَها مثلَه؛ لأنَّه لم يَزِدْ على اسْتِيفاءِ حَقِّه، ولأنَّه حَقُّه، فجازَ أن يَسْتَوْفِيَه بنَفْسِه وبِوَكِيلِه إذا كان مِثْلَه في الضَّرَرِ أو دُونَه، كقَبْضِ المَبِيعِ، واسْتِيفاءِ الدَّينِ. ويَضَعُ فيه ما جَرَتْ عادَةُ السّاكِنِ به مِن الرَّحْلِ والطَّعامِ، ويَخْزُنُ فيها الثِّيابَ وغيرَها ممَّا لا يَضُرُّ بها. ولا يُسْكِنُها مَن يَضُرُّ بها كالقَصّارِينَ والحَدّادِينَ، ولا يَجْعَلُ فيها الدَّوابَّ؛ لأنَّها تَرُوثُ فيها وتُفْسِدُها، ولا يَجْعَلُ فيها السِّرْجِينَ ولا رَحىً، ولا ما يَضُرُّ بها، ولا شيئًا ثَقِيلًا فوقَ سَقْفٍ؛
لأنَّه يُثْقِلُه، وقد يَكْسِرُ خَشَبَه،
فإن شَرَط ذلك، جازَ. وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. ولا يَمْلِكُ فِعْلَ ما يَضُرُّ بها؛ لأنَّه فوقَ المَعْقُودِ عليه، فلم يَكُنْ له فِعْلُه، كما لو اشْتَرَى شيئًا لم يَمْلِكْ أخْذَ أكْثَرَ منه،
فإن جَعَل الدّارَ مَخْزَنًا للطَّعامِ، فقال أصحابُنا: يجوزُ ذلك؛ لأنَّه يجوزُ أن يَجْعَلَها مَخْزَنًا لغيرِه، ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَخْرِيقِ الفأرِ أرْضَها وحِيطانَها، وذلك ضَرَرٌ لا يَرْضَى به صاحِبُ الدّارِ.
فصل: وإنِ اكْتَرَى ظَهْرًا لِيَرْكَبَه، فله أن يُرْكِبَه مِثْلَه ومَن هو أخَفُّ منه، ولا يُرْكِبُه مَن هو أثْقَلُ منه؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفاءَ مَنْفَعَةٍ مُقَدَّرةٍ بذلك الرّاكِبِ، فكان له أن يَسْتَوْفِيَ ذلك بنَفْسِه ونائِبِه، وله اسْتِيفاءُ أقَلَّ منه؛ لأنَّه بعضُ حَقِّه، وليس له اسْتِيفاءُ أكْثَرَ منه؛ لأنَّه أكْثَرُ ممّا عَقَدَ عليه.
ولا يُشْتَرَطُ التَّساوي في الطُّولِ والقِصَرِ، ولا المَعْرِفةِ بالرُّكُوبِ.
وقال القاضي: يُشْتَرطُ أن يكونَ مِثْلَه في هذه الأوْصافِ كلِّها؛ لأنَّ قِلَّةَ المَعْرِفةِ بالرُّكُوبِ يُثْقِلُ على المَرْكُوبِ ويَضُرُّ به.
قال الشاعر:
لم يَرْكَبُوا الخَيلَ إلَّا بَعْدَما كَبِرُوا ... فَهُمْ ثِقالٌ عَلَى أكْفالِهَا عُنُفُ ولَنا، أنَّ التَّفاوُتَ في هذه الأُمُورِ مع التَّساويِ في الثِّقَلِ يَسِيرٌ، فَعُفِيَ عنه، ولهذا لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُه في الإِجارَةِ،
ولو اعْتُبِرَ ذلك لاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه في الإِجارَةِ، كالثِّقَلِ والخِفَّةِ.
فصل: فإن شَرَط أن لا يَسْتَوْفِيَ المَنْفَعَةَ بمِثْلِه ولا بمَن دُونَه، فقِياسُ قولِ أصحابِنا صِحَّةُ العَقْدِ وبُطْلانُ الشَّرْطِ، فإنَّهم قالُوا في مَن شَرَط أن يَزْرَعَ في الأرْضِ حِنْطَةً ولا يَزْرَعَ غيرَها: يَبْطُلُ الشَّرْطُ
ويَصِحُّ العَقْدُ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ الشَّرْطُ. وهو أحَدُ الوَجْهَين للشّافِعيَّةِ؛ لأنَّ المُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ المَنافِعَ مِن جِهَةِ المُؤْجِرِ، فلا يَمْلِكُ ما لم يَرْضَ به، ولأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في تَخْصِيصِه باسْتِيفاءِ هذه المَنْفَعَةِ. وقالوا في الوَجْهِ الآخَرِ: يَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لأنَّه يُنَافِي مُوجِبَ العَقْدِ، إذ مُوجِبُه مِلْكُ المَنْفَعَةِ والتَّسْلِيطُ على اسْتِيفائِها بنَفْسِه ونائِبِه، واسْتِيفاءُ بعضِها بنَفْسِه وبعضِها بنائِبِه، والشَّرْطُ يُنافِي ذلك، فكان باطِلًا. ولا يَبْطُلُ به العَقْدُ في أصَحِّ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا يُؤَثِّرُ في حَقِّ المُؤْجِرِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، فأُلْغِي، وبَطَل العَقْدُ على مُقْتَضاه.
والآخَرُ يُبْطِلُه؛ لأنَّه يُنافِي مُقْتَضاه، أشْبَهَ ما لو شَرَط أن لا يَسْتَوْفِيَ المَنافِعَ. ٢١٩٠ -
فَصْلٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ] فَصْلٌ (وَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِمِثْلِهِ) لِأَنَّ أَصْلَ الْعَقْدِ يُرَادُ لِلْعَاقِدِ،
فَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءَهَا بِنَفْسِهِ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا صِحَّةُ الْعَقْدِ وَبُطْلَانُ الشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ إِذْ مُوجَبُهُ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ، وَالتَّسْلِيطُ عَلَى اسْتِيفَائِهَا بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ،
وَقِيلَ: يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَخْصِيصِهِ (وَبِمِثْلِهِ) أَيْ إِذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الضَّرَرِ أَوْ دُونَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، فَيُعْتَبَرُ كَوْنُ رَاكِبٍ مِثْلِهِ فِي طُولٍ، وَقِصَرٍ لَا الْمَعْرِفَةُ بِالرُّكُوبِ خِلَافًا لِلْقَاضِي ; لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي غَيْرِ هَذَا يَسِيرٌ
وللمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ المنْفَعَةِ بنَفْسِه وبمثْلِه. يجوزُ للمُسْتَأْجِرِ إعارَةُ المَأْجُورِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لمَن يقُومُ مَقامَه؛ مِن دارٍ، وحانُوتٍ، ومَرْكُوبٍ، وغيرِ ذلك، بشَرْطِ أنْ يكونَ الرَّاكِبُ الثَّانِي مِثْلَ الأوَّلِ في الطُّولِ والقِصَرِ، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. اخْتارَه القاضي. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يُشْترَطُ ذلك. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا تُشْتَرَطُ المَعْرِفَةُ بالمرْكُوبِ.
قال في «الفُروعِ»: لا تُعْتَبرُ المَعْرِفَةُ بالمَرْكوبِ في الأصحِّ. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونصَراه.
وقيل: تُشْترَطُ. اخْتارَه القاضي.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِ المُصَنِّفِ: وبمِثْلِهِ. جَوازُ إعارَةِ المأْجُورِ لمَن يقُومُ مَقامَه،
ولو شرَط المُؤْجِرُ عليه اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ بنَفْسِه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهب. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: قِياسُ قَوْلِ أصحابِنا صحَّةُ العَقْدِ، وبُطْلانُ الشَّرْطِ. وقدَّمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الفُروعِ»، وهو احْتِمالٌ في «الرِّعايةِ».
وقيل: يصِحُّ الشَّرْطُ أيضًا. وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ، وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وقيل: لا يصِحُّ العَقْدُ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو أعارَ المُسْتَأْجِرُ العَينَ المَأْجُورَةَ، فتلِفَتْ عند المُسْتَعيرِ مِن غيرِ تَفْريطٍ، لم يَضْمَنْها، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا ضَمانَ على المُسْتَعيرِ مِن المُسْتَأْجِرِ في الأصحِّ. واقْتصرَ عليه في «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ». وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، في بابِ العارِيَّةِ.
قلتُ: فيُعايَى بها. وقيل: يضْمَنُها. وأطْلَقهما في «الفُروعِ». الثَّانيةُ، لو اكْتَراها ليَرْكَبَها إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، أو يَحْمِلَ عليها إليه، فأَرادَ العُدولَ إلى مِثْلِها في المَسافَةِ والحُزُونَةِ والأمْنِ، أو التي يعْدِلُ إليها أقَلُّ ضَررًا، جازَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه القاضي. وقدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «الرِّعايةِ الصُّغْرى»: جازَ في الأشْهَرِ. وجزَم به في «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقال المُصَنِّفُ: لا يجوزُ. وإنْ سلَك أبْعَدَ منه أو أشَقَّ، فأُجْرَةُ المِثْلِ. قدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقيل: المُسَمَّى وأُجْرَةُ الزَّائدِ والمَشَقَّةِ. قال الشَّارِحُ: هو قِياسُ المَنْصوصِ. وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ وَمَا دُونَهَا فِي الضَّرَرِ مِنْ جِنْسِهَا،
فَإِذَا اكْتَرَى لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ، فَلَهُ زَرْعُ الشَّعِيرِ وَنَحْوهِ، وَلَيسَ لَهُ زَرْعُ الدُّخْنِ وَنَحْوهِ. وَلَا يَمْلِكُ الْغَرْسَ وَلَا الْبِنَاءَ.
وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَمْلِكِ الْآخَرَ.
فَإِنِ اكْتَرَاهَا لِلْغَرْسِ، مَلَكَ الزَّرْعَ.
فصل [في استيفاء المنفعة] قال المصنف رحمه الله: (وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه وبمثله. ولا يجوز بمن هو أكثر ضرراً منه، ولا بمن يخالف ضرَرُه ضرَرَه) .
أما كون المستأجر له استيفاء المنفعة بنفسه؛ فلأن أصل العقد يراد للعاقد.
وأما كونه له استيفاؤها بمثله؛ فلما تقدم في قوله: وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه .
وأما كونه لا يجوز بمن هو أكثر ضرراً منه؛ فلأنه يضر بالمؤجر.
ولأن المستأجر الثاني ينبغي أن يكون له ما للأول فإذا كان الأول ضرره قليل وجب أن يكون الثاني مثله.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.