فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٢٬٩٦٠المقنعالحنابلةج ٥ ص ٢٠ج ٥ ص ٢٠

فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا وَإِنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ خُيِّرَ بَيْنَ تَرْكِهِ إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَتِهِ مِثْلِهِ وَبَيْنَ أَخْذِهِ بِعِوَضِهِ وَهَلْ ذَلِكَ قِيمَتُهُ أَوْ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإن أَدرَكَها رَبُّها والزَّرْعُ قائِمٌ، خُيِّرَ بينَ تَرْكِه إلى الحَصادِ بأْجْرَةِ مِثْلِه، وبينَ أَخْذِه بعِوَضِه. وهل ذلك قِيمَتُه أو نَفَقَتُه؛ على رِوايَتَين) قولُه: أَدرَكَها والزَّرْعُ قائِمٌ. يَعْنِي اسْتَرْجَعَها مِن الغاصِبِ وقَدَرَ على أخذِها منه. متى أدرَكَها رَبُّها والزَّرْعُ قائمٌ، لم يَمْلِكْ إجْبارَ الغاصِبِ على قَلْعِ الزَّرْع، وخُيِّرَ المالِكُ بينَ أنَّ يُقِرَّ الزَّرْعَ في الأَرضِ إلى الحَصادِ ويَأْخُذ مِن الغاصِبِ أُجْرَةَ الأرْضِ وأرْشَ نَقْصِها، وَبينَ أنَّ يَدْفَعَ إليه نَفَقَتَه ويكونَ له الزَّرْعُ.

وهذا قولُ أبي عُبَيدٍ. وقال أكْثَرُ الفُقَهاءِ: يَمْلِكُ إجْبارَ الغاصِبِ على قَلْعِه؛ لقَوْلِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ:«لَيسَ لِعِرْقٍ ظالمٍ حَقٌّ». و لأنَّه زَرَعَ في أرْضِ غيرِه ظُلْمًا، أشْبَهَ الغَرْسَ. ولَنا، ما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن زَرَعَ فِي أرْضِ قَوْم بِغيرِ إذْنِهِم، فَلَيسَ لَهُ منَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَعَلَيهِ نَفَقَتُهُ». رَواه أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ .

١٨٬٢٦١

وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ . فيه دَلِيلٌ على أنَّ الغاصِبَ لا يُجْبَرُ على القَلْعِ؛ لأنَّه مِلْكٌ للمَغْصُوبِ منه، ولأنَّه أمْكَنَ رَدُّ المَغْصُوبِ إلى مالِكِه مِن غيرِ إتْلافِ مالِ الغاصِبِ على قُرْبٍ مِن الزَّمانِ، فلم يَجُزْ إتْلافُه، كما لو غَصَب سَفِينَةً في حَمَلَ فيها ماله وأدْخَلَها البَحْرَ، أو غَصَبَ لَوْحًا فَرَقَّعَ به سَفِينةً، فإنَّه لا يُحْبَرُ على رَدِّ المَغْصُوبِ في اللُّجَّةِ، ويُنْتَظَرُ حتى تُرْسَى؛ صِيانَةً للمالِ عن التَّلَف، كذا هذا. وفارَقَ الشَّجَرَ؛

لأنَّ مُدَّتَه تَتَطاوَلُ، ولا يُعْلَمُ متى يَنْقَلِعُ مِن الأرْضِ، فانْتِظارُه يُؤدِّي إلى تَرْكِ رَدِّ الأصْلِ بالكُلِّيَّةِ. وحَدِيثُهم وَرَد في الغَرْسِ، وحَدِيثُنا في الزَّرْعِ، فيُجْمَعُ بينَ الحَدِيثَينِ، ويُعْمَلُ بكلِّ واحِدٍ منهما في مَوْضِعِه، وهو أَوْلَى مِن إبْطالِ أحَدِهما. إذا ثَبَت هذا، فمتى رَضِيَ المالِكُ بتَرْكِ الزَّرْعِ للغاصِبِ ويَأْخُذُ منه أَجْرَ الأرْضِ، فله ذلك؛ لأنَّه شَغَل المَغْصُوبَ بمالِه، فمَلَكَ صاحِبُه أَخْذَ أَجْرِه، كما لو تَرَك في الدارِ طَعامًا يَحْتاجُ في نَقْلِه إلى مُدَّةٍ.

١٨٬٢٦٢

وإن أحَبَّ أَخْذَ الزَّرْعِ، فله ذلك، كما يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أخْذَ شَجَرِ المُشْتَرِي بقِيمتِه. وفيما يُرَدُّ على الغاصِبِ رِوَايتانِ؛ إحداهما، قِيمَةُ الزَّرْعِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن الزَّرْعِ، فيُقدَّرُ بقِيمَتِه، كما لو أَتْلَفَه، ولأنَّ الزَّرْعَ للغاصِبِ إلى حينِ انْتِزاعِه منه، بدَلِيلِ أنَّه لو أَخَذَه قبلَ انْتِزاعِ المالِكِ، كان مِلْكًا له يَأْخُذُه، فيكونُ أَخْذُ المالِكِ له تَمَلُّكًا له، إلَّا أنَّ يُعَوِّضَه، فيَجِبُ أنَّ يكونَ بقِيمَتِه، كما لو أخَذَ الشِّقْصَ المَشْفُوعَ. فعلى هذا، يَجِبُ على الغاصِبِ أَجْرُ الأرْضِ إلى حينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ؛

لأنَّ الزَّرْعَ كان مَحْكُومًا له به، وقد شَغَل به أَرْضَ غيرِه. والروايةُ الثانيةُ، يَرُدُّ على الغاصِبِ ما أنْفَقَ مِن البَذْرِ ومُؤْنَةِ الزَّرْعِ في الحَرْثِ والسَّقْي وغيرِه. وهذا الذي ذكَره القاضِي. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ الحَدِيثِ؛ لقولِه، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ:«عَلَيهِ نَفَقَتُهُ». وقِيمةُ الشيءِ لا تُسَمَّى نَفَقةً له. والحَدِيثُ مَبْنِيٌّ على هذه المسألةِ،

١٨٬٢٦٣

فإنَّ أحمدَ إنَّما ذَهَبَ إلى هذا الحُكْمِ اسْتِحْسانًا، على خِلافِ القِياسِ،

١٨٬٢٦٤

فإنَّ القِياسَ أنَّ الزَّرْعَ لصاحِبِ البَذْرِ؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، فأشْبَهَ ما لو غَصَب دَجَاجَةً فحَضَنَتْ بَيضًا له، كان النَّماءُ له. وقد صَرَّحَ به أحمدُ، فقال: هذا شيءٌ لا يُوافِقُ القِياسَ، أسْتَحْسِنُ أنَّ يَدْفَعَ إليه نَفقَتَه؛ للأثَرِ. ولذلك جَعَلْناه للغاصِبِ إذا أُخِذَتْ منه الأرْضُ بعدَ أخْذِه الزَّرْع،

١٨٬٢٦٥

وإذا كان العَمَلُ بالحَدِيثِ، فيَجِبُ أن يُتبَّعَ مَدْلُولُه (ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ الزَّرْعُ للغاصِبِ، وعليه الأجْرَةُ) كما إذا رَجَع المُسْتَعِيرُ.

فصل: فإن كان الزَّرْعُ مِمّا تَبْقَى أُصُولُه في الأرْضِ، ويُجَزُّ مَرّةً بعدَ أُخْرَى، كالرَّطْبَةِ ، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ حُكْمُه ما ذَكَرْنا؛ لدُخُولِه في عُمُومِ الزَّرْعِ؛ لأنَّه ليس له

١٨٬٢٦٦

فَرْعٌ قَويٌّ، أشْبَهَ الحِنْطَةَ والشَّعِيرَ. واحْتَمَلَ أنَّ حُكْمَه حُكْمُ الغَرْسِ؛ لبقَاءِ أصْلِه، وتَكَرُّرِ أخْذِه، ولأن القِياسَ يَقْتَضِي أنَّ يَثْبُتَ لكلِّ زَرْعٍ مثلُ حُكْمِ الغَرْسِ، وإنَّما ترِكَ فيما تَقِلُّ مُدَّتُه للأثَرِ، ففيما عَداه يَبْقَى على قَضِيَّةِ القِياسِ.

١٨٬٢٦٧

فصل: فإن غَصَب أرْضًا فغَرَسَها فأَثْمَرتْ، فأدْرَكَها رَبُّها بعدَ أخْذِ الغاصِبِ ثَمَرَتَها، فهي له.

١٨٬٢٦٨

فإن أدْرَكَها والثَّمرةُ فيها، فكذلك؛ لأنَّها ثَمَرةُ شَجَرِه، فكانت له، كما لو كانت في أَرْضِه، ولأنَّها نَماءُ أصْلٍ مَحْكُومٍ به للغاصِبِ، فكان له، كأَغْصانِها ووَرَقِها، ولَبَنِ الشّاةِ ونَسْلِها.

١٨٬٢٦٩

وقال القاضي: هي لمالِكِ الأرضِ إن أدْرَكَها في الغِراسِ؛ لأن أحْمدَ

١٨٬٢٧٠

قال في رِوايَةِ عليٍّ بنِ سعيدٍ: إذا غَصَب أرْضًا فغَرَسَها، فالنَّماءُ لمالِكِ الأرْضِ. قال القاضِي: وعليه مِن النَّفَقَةِ ما أَنْفَقَه الغارِسُ مِن مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ في مَعْنَى الزَّرْعِ، فكان لصاحِبِ الأرْضِ إذا أدْرَكَه قائِمًا فيها، كالزَّرْعِ. قال شيخُنا : والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ أحمدَ قد صَرحَ بأنَّ أَخْذَ رَبِّ الأرْضِ الزَّرْعَ شيءٌ لا يُوافِقُ القِياسَ، وإنَّما صار إليه للأثَرِ، فيَخْتَصُّ الحُكْمُ به، ولا يُعَدَّى إلى غيرِه، ولأنَّ الثَّمَرةَ تُفارِقُ الزَّرْعَ مِن وَجْهين؛

أحَدُهما، أنَّ الزَّرْعَ نَماءُ الأرْضِ، فكان لصاحِبِها، والثَّمرةُ نَماءُ الشَّجَرِ، فكانت لصاحِبِه. الثاني، أنَّه يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ إذا أخَذَه، مثلَ البَذْرِ الذي نَبتَ منه الزَّرْعُ، مع ما أنْفَقَ عليه، ولا يُمْكِنُه مثلُ ذلك في الثَّمَرَةِ.

١٨٬٢٧١

فصل: وإن غَصَب شَجَرًا فأَثْمَرَ، فالثَّمَرُ لصاحِبِ الشَّجَرِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه، ولأنَّ الشَّجَرَ عَينُ مِلْكِه نَمَا وزَادَ، فأشْبَهَ ما لو طالتْ أغْصانُه. ويَرُدُّ الثَّمَرَ إن كان باقِيًا، وبَدَلَه إن تَلِفَ،

١٨٬٢٧٢

وإن كان رُطَبًا فصار تَمْرًا، أو عِنَبًا فصار زَبِيبًا، فعليه رَدُّه وأرْشُ نَقْصِه إن نقَص، ولا شيءَ له بعَمَلِه فيه، ولا أُجْرَةَ عليه للشَّجَرِ؛ لأنَّ أُجْرَتَها لا تَجُوزُ في العُقُودِ، فكذلك في الغَصْبِ، ولأن نَفْعَ الشَّجَرِ تَربِيَةُ الثَّمَرِ وإخْراجُه، وقد عادتْ هذه المَنافِعُ إلى المالِكِ.

١٨٬٢٧٣

ولو كانت ماشِيَةً، فعليه ضَمان وَلَدِها إن وَلَدتْ عندَه، وضَمانُ لَبَنِها بمثلِه؛ لأنَّه مِن ذَواتِ الأَمْثالِ، ويَضْمَنُ أوبارَها وأَشْعارَها بمثلِه، كالقُطْنِ.

١٨٬٢٧٤

وفي ضَمانِ زَوائِدِ الغَصْبِ المُنْفَصِلَةِ اخْتِلافٌ نذكُرُه فيما يأتِي إن شَاءَ الله تَعالى. ٢٣٠٠ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا) أَيْ أُجْرَةُ مِثْلِهَا إِلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى نَفْعَهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ عِوَضُهُ كَمَا لَوِ اسْتَوْفَاهُ بِالْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ كَالْعَيْنِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ النَّقْصِ،

١٢٬٦٩٥

وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَنَقَصَتْ لِتَرْكِ الزِّرَاعَةِ كَأَرْضِ الْبَصْرَةِ ضَمِنَ ذَلِكَ، وَرَوَى عَنْهُ حَرْبٌ أَنَّ لَهُ تَمَلُّكَهُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ يَنْبُتُ عَلَى مِلْكِ مَالِكِ الْأَرْضِ ابْتِدَاءً، وَقَرَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مُوَافَقَتَهُ لِلْقِيَاسِ بِأَنَّ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مَمْلُوكَيْنِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ يَكُونُ مَمْلُوكًا لِمَالِكِ الْأُمِّ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِمَا، وَبُطُونُ الْأُمَّهَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ، وَمَاءُ الْفُحُولِ بِمَنْزِلَةِ الْبَذْرِ،

١٢٬٦٩٦

وَالْمَذْهَبُ هُوَ الْأَوَّلُ (وَإِنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ) فِيهَا (خُيِّرَ بَيْنَ تَرْكِهِ إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَتِهِ) أَيْ بِأُجْرَةِ (مِثْلِهِ) ، وَأَرْشِ نَقْصِ الْأَرْضِ (وَبَيْنَ أَخْذِهِ بِعِوَضِهِ) هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَالشَّيْخَيْنِ.

وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُهُ، فَمَلَكَ الْخِيَرَةَ بَيْنَهُمَا تَحْصِيلًا لِغَرَضِهِ،

١٢٬٦٩٧

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ، خِلَافًا لِأَكْثَرِهِمْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ، وَلِأَنَّهُ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ظُلْمًا أَشْبَهَ الْغَرْسَ، لَنَا مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إِلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ إِتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ عَلَى قُرْبٍ مِنَ الزَّمَانِ فَلَمْ يَجُزْ إِتْلَافُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً فَحَمَلَ فِيهَا مَتَاعَهُ، فَأَدْخَلَهَا لُجَّةَ الْبَحْرِ، لَا يُجْبَرُ عَلَى إِلْقَائِهِ، فَكَذَا هُنَا صِيَانَةً لِلْمَالِ عَنِ التَّلَفِ، وَفَارَقَ الشَّجَرَ لِطُولِ مُدَّتِهِ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُنَا عَلَى الزَّرْعِ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُ زَرْعٌ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ مُسْتَعَارَةً، أَوْ مَشْفُوعَةً (وَهَلْ ذَلِكَ قِيمَتُهُ أَوْ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهُ، صَحَّحَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ؛

لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الزَّرْعِ، فَيُقَدَّرُ بِقِيمَتِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَعَلَيْهِ يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ الْأَرْضِ إِلَى حِينِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: لَا، نَقَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ،

١٢٬٦٩٨

وَالثَّانِي: هِيَ نَفَقَتُهُ، فَعَلَى هَذَا يُرَدُّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَنْفَقَ مِنَ الْبَذْرِ، وَمُؤْنَةِ لَوَاحِقِهِ مِنَ الْحَرْثِ، وَالسَّقْيِ، وَنَحْوِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: أَصْلُهُمَا هَلْ يُضْمَنُ وَلَدُ الْمَغْرُورِ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ.

١٢٬٦٩٩

وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: فِيهِ ثَالِثَةٌ خَرَّجَهَا أَبُو الْقَاسِمِ أَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يُخَيَّرُ إِنْ شَاءَ دَفَعَ الْقِيمَةَ،

١٢٬٧٠٠

وَإِنْ شَاءَ النَّفَقَةَ، نَقَلَ مُهَنَّا: وَيُزَكِّيهِ إِنْ أَخَذَهُ قَبْلَ وُجُوبِهَا، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ

الإنصافالمرداوي

وإنْ أَدْرَكهَا رَبُّها، والزَّرْعُ قائِمٌ، خُيِّرَ بينَ تَرْكِه إلى الحَصادِ بأْجْرَتِه، وبينَ أَخْذِه بعِوَضِه. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه. قال الحارِثِيُّ: تَواتَرَ النَّصُّ عن أحمدَ، أنَّ الزَّرْعَ للمالِكِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في بِأُجْرَتِهِ، وَبَينَ أخْذِهِ بِعِوَضِهِ. وَهَلْ ذَلِكَ قيمَتُهُ أوْ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَين.

«الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرهِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هو قَوْلُ القاضي، وعامَّةِ أصحابهِ، والشَّيخَين. انتهى. قال الحارِثيُّ: وهو قَوْلُ القاضي، وجُمْهورِ أصحابهِ،

٢٢٬٩٦٧

ومَن تَلاهم، والمُصَنِّفِ، في سائرِ كُتُبِه. وهو مِنْ مُفْرَداتِ المذهبِ،

قال ناظِمُها:

بالاحْتِرامِ احْكُمْ لزَرْعِ الغاصِبِ ... وليس كالبانِي أو كالنَّاصِبِ إنْ شاءَ ربُّ الأرْضِ ترْكَ الزَّرْعِ ... بأْجْرَةِ المِثْلِ فَوَجْهٌ مرْعِى أو مِلْكَه إنْ شاءَ بالإنْفاقِ ... أو قِيمَةً للزَّرْعِ بالوفاقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ، وَعَلَيهِ الأجْرَةُ.

ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ الزَّرْعُ للغاصِبِ، وعليه الأُجْرَةُ. وهذا الاحْتِمالُ لأبِي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الخَطَّابِ. وقيل: له قَلْعُه، إنْ ضَمِنَه. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، أنَّ الزَّرْعَ لرَبِّ الأَرْضِ، كالوَلَدِ، فإنَّه لسَيِّدِ الأُمِّ، لَكِنِ المَنِيُّ لا قِيمَةَ له،

٢٢٬٩٦٨

بخِلافِ البَذْرِ. ذكَرَه الشَّيخُ تقِي الدِّينِ. قال الزَّرْكَشِي: وهذا القَوْلُ ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ في عامَّةِ نُصُوصِه، والخِرَقِيِّ، والشِّيرازِيِّ، وابنِ أبِي مُوسى، فيما أظُنُّ، وعليه اعْتَمَدَ الإِمامُ أحمدُ.

٢٢٬٩٦٩

وكذا قال الحارِثِيُّ: ظاهرُ كلامِ مَن تقدَّم مِنَ الأصحابِ؛ كالخِرَقِيِّ، وابنِ أبِي مُوسى، عدَمُ التَّخْيِيرِ،

٢٢٬٩٧٠

فإنَّ كُلًّا منهم قال: الزَّرْعُ لمالِكِ الأرْضِ، وعليه النَّفَقَةُ. وهذا بعَينِه هو المُتَواتِرُ عن أحمدَ، ولم يذْكُرْ أحدٌ عنه تَخْيِيرًا، وهو الصَّوابُ، وعلَّلَه. انتهى.

٢٢٬٩٧١

وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، في مَن زرَعَ بلا إذْنِ شَرِيكهِ، والعادَةُ بأنَّ مَن زرَعَ فيها له نَصِيبٌ مَعْلومٌ، ولرَبِّها نَصِيبٌ: قسِمَ ما زَرَعَه في نَصِيبِ شَرِيكهِ كذلك.

٢٢٬٩٧٢

قال: ولو طَلَبَ أحدُهما مِنَ الآخَرِ أنْ يزْرَعَ معه أو يُهايِئَه فيها، فأبَى، فللأوَّلِ الزَّرْعُ في قَدْرِ حَقِّه بلا أُجْرَةٍ، كدارٍ بينَهما فيها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بَيْتان، سكَنَ أحدَهما عندَ امْتِناعِه مما يَلْزَمُه. انتهى.

٢٢٬٩٧٣

قلتُ: وهذا الصَّوابُ، ولا يسَعُ النَّاسَ غيرُه. وهل ذلك قِيمَتُه، أو نَفَقَتُه؟ على وَجْهَين. وهما وَجْهان في نُسْخَةٍ مَقْروءَةٍ على المُصَنِّفِ،

٢٢٬٩٧٤

وفي نُسْخَةٍ رِوايَتان، وعليها شرَح الشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى. قال الحارِثيُّ: حَكاهُما مُتَأخِّرُو الأصحابِ، والمُصَنِّف في «كتابهِ الكَبِيرِ» رِوايَتين، وأوْرَدَهما هنا وَجْهَين. قال: والصَّوابُ أنَّهما رِوايَتان. قال هو، والشَّارِحُ: والمَنْقُولُ عن أحمدَ في ذلك رِوايَتان. وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيلٍ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الزّرْكَشِيِّ»؛ إحْداهما، يأْخُذُه بنَفَقَتِه؛ وهي ما أنْفَقَ مِنَ البَذْرِ ومُؤْنَةِ الزَّرْعِ؛

مِنَ الحَرْثِ والسَّقْي، وغيرِهما. وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، والشِّيرازِيِّ. واخْتارَه القاضي في «رُءوسِ المَسائلِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وابنُ عَقِيلٍ. قال الحارِثِيُّ: وهو المذهبُ، وعليه مُتَقَدِّمُو الأصحابِ؛ كالخِرَقِيِّ، وأبِي بَكْرٍ، ثم ابنِ أبِي مُوسى، والقاضي في كِتابَيْ «المُجَرَّدِ»، و «رءُوسِ المَسائلِ»، وابنِ عَقِيلٍ؛ لصَرِيحِ الأخْبارِ المُتقَدِّمَةِ فيه. انتهى. وصحَّحه في «التصْحيحِ». وجزَم به في «الطَّرِيقِ الأقرَبِ»، و «الوَجيزِ»، وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يأْخُذُه بقِيمَتِه زَرْعًا الآنَ. صحَّحه القاضي في «التَّعْليقِ». وجزَم به في «العُمْدَةِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأزَجِيِّ». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «تجريدِ العِنَايةِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ».

واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».

٢٢٬٩٧٥

قلتُ: والنَّفْسُ تَمِيلُ إليه. قال ابنُ الزَّاغُونِيِّ: أصْلُهما، هل يُضْمَنُ وَلَدُ المَغْرُورِ بمِثْلهِ، أو قِيمَتِه؟

٢٢٬٩٧٦

وعنه رِوايَةٌ ثالثَةٌ، يأْخُذُه بأيِّهما شاءَ، نقَلَها مُهَنَّا. قاله في «الفُروعِ». قال الحارِثيُّ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وحكَى القاضي [أبو حُسَينٍ] في كتابِ «التَّمامِ»، عن أخِيه أبِي القاسِمِ ، رِوايَةً بالتَّخْيِيرِ، وهو الظَّاهِرُ مِن إيرادِ القاضي يَعْقُوبَ في «التَّعْليقِ». وذكَر نصَّ مُهَنَّا.

٢٢٬٩٧٧

وقال في «الفائقِ»: وخرَّج أبو القاسِمِ ابنُ القاضي رِوايَةً بالخِيَرَةِ، فكأَنَّه ما اطَّلَعَ على كلامِ الحارِثِيِّ، أو لأبِي القاسِمِ تَخْرِيجُ رِوايَةٍ، ثم اطَّلَعَ، فوافَقَ التَّخْرِيجَ لها. فعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، واحْتِمالِ أبي الخَطَّابِ، لرَبِّ الأرْضِ أُجْرَتُها إلى حينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ. على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ. جزَم به في «المُغنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، وذكَر . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أبو يَعْلَى الصغِيرُ، أنَّه لا أُجْرَةَ له. ونقَلَه إبْراهِيمُ بنُ الحارِثِ. وعلى المذهبِ، أعْنِي إذا أوْجَبْنا ردَّ النفَقَةِ، فقال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: يَرُدُّ مِثْلَ البَذْرِ. وبه قال ابنُ الزَّاغُونِيِّ؛ لأن البَذْرَ مِثْليٌّ. ونصَرَه الحارِثِيُّ.

٢٢٬٩٧٨

وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: يجِبُ ثَمَنُ البَذْرِ.

٢٢٬٩٧٩

تنبيه: قال الحارِثِيُّ: عَمر المُصَنِّفُ بالنَّفَقَةِ عن عِوَضِ الزَّرْعِ،

٢٢٬٩٨٠

وكذلك عبَّر أبو الخَطَّاب، والسَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التلخيصِ»، وغيرُهم، وليس بالجَيِّدِ؛ لوَجْهَين؛ أَحدُهما، أنَّ المُعاوَضَةَ تَسْتَلْزِمُ مِلْكَ المُعَوِّضِ، ودُخُولُ الزَّرْعِ في مِلْكِ الغاصِبِ باطِلٌ بالنَّصِّ. كما تقدَّم، فبَطَلَ كوْنُها عِوَضًا عنه. الثَّاني، الأصْلُ في المُعاوَضَةِ تَفاوُتُهما وتَباعُدُهما، فدلَّ على انْتِفاءِ المُعاوَضَةِ، والصَّوابُ، أنَّها عِوَضُ البَذْرِ ولوَاحِقِه. انتهى.

٢٢٬٩٨١

فائدة: يُزَكِّيه ربُّ الأرْضِ، إنْ أخَذَه قبلَ وُجوبِ الزَّكاةِ،

٢٢٬٩٨٢

وإنْ أخَذَه بعدَ الوُجوبِ، ففي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «القَواعدِ الفِقْهِيَّةِ».

٢٢٬٩٨٣

قلتُ: الصَّحيحُ أنَّه لا يُزَكِّيه، بل تَجِبُ الزَّكاة على الغاصِبِ، لأنَّه ملَكَه إلى حينِ أَخْذِه، على الصَّحيحِ، كما تقدَّم. وعلى مُقْتَضَى النُّصوصِ، واخْتِيارِ الخِرَقِيِّ، وأبِي بَكْر، وابنِ أبِي مُوسى، والحارِثِيِّ، وغيرِهم، يُزَكِّيه ربُّ الأرْضِ؛ لأنَّهم حكَمُوا أنَّ الزَّرْعَ مِن أصْلِه لرَبِّ الأرْضِ [وعلى هذا يكونُ هذا المذهبَ].

٢٢٬٩٨٤

وَإِنْ غَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ، وَتَسْويَةِ الأرْضَ وَأَرْشَ نَقْصِهَا وَأُجْرَتِهَا.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٢٬٩٥٩ قبلها

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.