وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالْبِئْرِ، وَالطُّرُقِ، وَالْعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ وَمَا لَيْسَ بِعَقَارٍ كَالشَّجَرِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَّا أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُؤْخَذُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ
الشروح عليها
فصل: (ولا) تَثْبُتُ (الشفْعَةُ فيما لا تَجِبُ قِسْمَتُه؛ كالحَمَّامِ الصَّغِيرِ، والبِئْرِ، والطُّرُقِ) الضَّيِّقَةِ، والرَّحَى الصَّغِيرَةِ، والعِضَادَةِ (والعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ) في إحْدَى الرِّوايَتَينِ عن أحمدَ. وبه قال يحيى الأنْصارِيُّ، وسعيدٌ، ورَبِيعَةُ، والشافعيُّ. والثانيةُ، فيها الشُّفْعَةُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ سُرَيجٍ . وعن مالكٍ كالرِّوَايَتَين؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ». وسائِرِ النُّصُوصِ العامَّةِ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ لإزالةِ ضَرَرِ المُشارَكَةِ، والضَّرَرُ في هذا النَّوْعِ أكثرُ؛ لأنَّه يتَأَبَّدُ ضَرَرُه.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«لَا شُفْعَةَ فِي فِناءٍ وَلَا طَرِيقٍ وَلَا مَنْقَبَةٍ». والمَنْقَبَةُ: الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ. رَواه أبو الخَطّابِ في «رُءُوسِ المَسائِلِ». ورُوِيَ عن عثمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لا شُفْعَةَ في بِئْرٍ ولا فَحْل. ولأنَّ إثْباتَ الشُّفْعَةِ في هذا يَضُرُّ بالبائِعِ، لأنَّه لا يُمْكِنُه أنَّ يَتَخَلَّصَ مِن إثْباتِ الشُّفْعَةِ في نَصِيبِه بالقِسْمَةِ، وقد يَمْتَنِعُ المُشْتَرِي لأجْلِ الشَّفِيعِ، فيَتَضَرَّرُ البائِعُ، وقد يَمْتَنِعُ البَيعُ فتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ، فيُؤَدِّي إثْباتُها إلى نَفْيِها.
ويُمْكِنُ أنَّ يُقال: إنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما تَثْبُتُ لدَفْعِ الضَّرَرِ الذي يَلْحَقُه بالمُقاسَمَةِ؛ لِما يَحْتاجُ إليه مِن إحْداثِ المَرافِقِ الخاصَّةِ، ولا يُوجَدُ هذا فيما لا يَنْقَسِمُ. قولُهم: إنَّ الضَّرَرَ ها هنا أكْثَرُ لتَأَبُّدِه. قُلْنا: إلَّا أنَّ الضَّرَرَ في مَحَلِّ الوفَاقِ مِن غيرِ جِنْسِ هذا الضَّرَرِ، وهو ضَرَرُ الحاجَةِ إلى إحْداثِ المَرافِق الخاصَّةِ، فلا يُمْكِنُ التَّعْدِيَةُ،
وفي الشُّفْعَةِ ههُنا ضَرَرٌ غيرُ مَوْجودٍ في مَحَلِّ الوفَاقِ، وهو ما ذَكَرْناه، فتَعَذَّرَ الإِلْحاقُ.
فأمّا ما أمْكَنَ قِسْمَتُه مِمّا ذَكَرْنا، كالحَمَّامِ الكَبِيرِ الواسِعِ بحيثُ إذا قُسِمَ لا يُسْتَضَرُّ بالقِسْمَةِ وأمْكَنَ الانْتِفاعُ به حَمّامًا،
فإنّ الشُّفْعَة تَجِبُ فيه. وكذلك البِئْرُ والدُّورُ والعَضائِدُ متى أمْكَنَ أنَّ يَحْصُلَ مِن ذلك شَيئانِ، كالبِئْرِ تُقْسَمُ بِئْرَينِ يَرْتَقِي الماءُ منهما وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ أيضًا، لأنَّه يُمْكِنُ القِسْمَةُ. وهكذا الرَّحَى إن كان لها حِصْنٌ يُمْكِنُ قِسْمَتُه، بحيثُ يَحْصُلُ الحَجَرانِ في أحَدِ القِسْمَين، أو كان فيها أرْبَعَةُ أحْجارٍ دائِرَة يُمْكِنُ أنَّ يُفْرَدَ كلُّ واحِدٍ منهما بحَجَرَين، وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ.
وإن لم [يُمكنْ ذلك، بأن] يَحْصُلَ لكلِّ واحِدٍ منهما ما لا يتَمَكَّنُ به مِن إبْقائِها رَحًى، لم تَجِبِ الشُّفْعَةُ.
فأمّا الطَّرِيقُ، فإنّ الدّارَ إذا بيعَتْ ولها طَرِيقٌ في شارعٍ أو دَرْبٍ نافِذٍ، فلا شُفْعَةَ في الدّارِ ولا في الطَّرِيقِ؛ لأنَّه لا شَرِكَةَ لأحَدٍ في ذلك.
وإن كان الطَّرِيقُ في دَرْبٍ غيرِ نافذٍ ولا طَرِيقَ للدّارِ سِوَى ذلك الطَّرِيقِ، فلا شُفْعَةَ أيضًا؛ لأنَّ إثْباتَ ذلك يَضُرُّ بالمُشْتَرِي؛ لأنَّ الدّارَ تَبْقَى بلا طَرِيقٍ.
وإن كان للدَّرْبِ بابٌ آخَرُ يُسْتَطْرَقُ منه، أو كان لها مَوْضِعٌ يُفْتَحُ منه بابٌ لها إلى الطَّرِيقِ النّافِذِ، نَظَرْنا في الطَّرِيق المَبِيعِ مع الدَّارِ،
فإن كان مَمَرًّا لا تُمْكِنُ قِسْمَتُه فلا شُفْعَةَ فيه،
وإن كان يُمْكِنُ قِسْمَتُه وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فيه؛ لأنَّه أرضٌ مُشْتَرَكَة تَحْتَمِلُ القِسْمَةَ، فوَجَبَتْ فيها الشفْعَةُ، كغيرِ الطرِيقِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَجِبَ الشُّفْعَةُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ المُشْتَرِيَ بتَحْويلِ الطرِيقِ إلى مَكانٍ آخَرَ، مِع ما في الأخْذِ بالشفْعَةِ مِن تَفْرِيقِ صَفقَتِه وأخْذِ بعضِ المَبِيعِ مِن العَقَارِ دُون بعضٍ، فلم يَجُزْ، كما لو كان الشَّرِيكُ في الطَّرِيقِ شَرِيكًا في الدّارِ فأرادَ أخْذَ الطَّرِيقِ وَحْدَها. والقولُ في دِهْلِيزِ الدّارِ وصَحْنِه، كالقَوْلِ في الطَّرِيقِ المَمْلُوكِ.
وإن كان نَصِيبُ المُشْتَرِي مِن الطرِيقِ أكْثَرَ مِن حاجَتِه، فذَكَرَ القاضِي أنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ في الزَّائِدِ بكل حال؛ لوُجُودِ المُقْتَضِي وعَدَمِ المانِعِ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا شُفْعَةَ فيه؛ لأن في ثُبُوتِها تَبْعِيضَ صَفْقَةِ المُشْتَرِي، ولا يَخْلُو مِن الضَّرَرِ. ٢٣٨٩ - مسألة: (و) لا تَجِبُ فيما (ليس بعَقَارٍ؛ كالشَّجَرِ، والحَيَوانِ، والبِنَاءِ المُفْرَدِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين. إلَّا أنَّ الغِراسَ والبِنَاءَ يُؤْخَذُ تَبَعًا للأرْضِ، ولا يُؤْخَذُ الزَّرْعُ والثَّمَرَةُ تَبَعًا، في أحَدِ الوَجْهَين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مِن شُرُوطِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ، أنَّ يكونَ المَبِيعُ أرْضًا؛ لأنَّها التي تَبْقَى على الدَّوامِ ويَدُومُ ضَرَرُها، وغيرُها يَنْقَسِمُ قِسْمَينِ؛ أحدُهما، تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا للأرْضِ، وهو البِنَاءُ والغِراسُ يُباعُ مع الأرْضِ، فإنَّه يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ تَبَعًا، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَب، ولا نعْرِفُ فيه بينَ مَن أثْبَتَ الشُّفْعَةَ خِلافًا.
وقد دَلَّ عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقَضاؤُه بالشُّفْعَةِ في كلِّ شِرْكٍ لم يُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أو حائِطٍ . وهذا يَدْخُلُ فيه البِنَاءُ والأشْجارُ. القسمُ الثاني، ما لا تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا ولا مُفْرَدًا، وهو الزَّرْعُ والثَّمَرَةُ الظاهِرَةُ، ويُباعُ مع الأرْضِ، فلا يُؤْخَذُ بالشفْعَةِ مع الأصلِ. وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يؤْخَذُ بالشفْعَةِ مع أُصُولِه. وقد ذَكَر أصحابُنا وَجْهًا مثلَ قَوْلِهما؛ لأنَّه مُتَّصِلٌ بما فيه الشُّفْعَةُ، فثَبَتَتْ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا، كالبِنَاءِ والغِرَاسِ. ولَنا، أنَّه لا يَدْخُل في البَيعِ تَبَعًا، فلا يؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ، كقُماشِ الدّارِ، وعَكْسُه البِنَاءُ والغِرَاسُ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّ الشُّفْعَةَ بَيعٌ في الحَقِيقَةِ، لكنَّ الشّارِعَ جَعَل له سُلْطانَ الأخْذِ بغيرِ رِضَا المُشْتَرِي.
فإنْ بِيعَ الشَّجَرُ وفيه ثَمَرةٌ غير ظاهِرَةٍ، كالطَّلْعِ غيرِ المُؤَبَّرِ، دَخَل في الشُّفْعَةِ؛ لأنَّها تَتْبَغ في البَيعِ، فأشْبَهَتِ الغِراسَ في الأرْضِ.
فإن بِيعَ ذلك مُفْرَدًا، فلا شُفْعَةَ فيه، سَواءٌ كان مِمّا يُنْقَلُ؛ كالحَيَوانِ، والثِّيابِ ، والسُّفُنِ، والحِجَارَةِ، والزَّرْعِ، والثِّمارِ، أو لا يُنْقَلُ؛ كالبِنَاءِ، والغِرَاسِ، إذا بِيعَ مُفْرَدًا. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى. ورُوِيَ عن الحَسَنِ، والثَّوْرِيِّ، والأوزاعِيِّ، والعَنْبَرِيِّ، وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، وإسحاقَ: لا شُفْعَةَ في المَنْقُولاتِ. واخْتلِفَ فيه عن عَطَاء، ومالكٍ، فقالا مَرَّةً كذلك، ومَرَّة قالا: الشُّفْعَةُ في كلِّ شيءٍ حتى في الثَّوْبِ. قال ابن أبي مُوسَى: وقد رُوِيَ عن أبي عبدِ الله رِوايَة أُخْرَى، أنَّ الشُّفْعَةَ واجِبَةٌ فيما لا يَنْقَسِمُ؛
كالحَجَرِ، والسَّيفِ، والحَيَوانِ، وما في مَعْنَى ذلك. قال أبو الخَطّابِ: وعن أحمدَ، أنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ في البِنَاءِ، والغِرَاسِ،
وإنْ بِيعَ مُفْرَدًا. وهو قولُ مالكٍ؛ لعُمُومِ قولِه - عليه السلام -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ». ولأنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ لدَفْعِ الضَّرَرِ، والضرَرُ فيما لا يَنْقَسِمُ أبْلَغُ منه فيما يَنْقَسِمُ. وقد روَى ابنُ أبي مُلَيكَةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«الشُّفْعَةُ فِي كلِّ شَيءٍ». ولَنا، أنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ». لا يتَنَاوَلُ إلَّا ما ذَكَرْناه، وإنَّما أرادَ ما لا يَنْقَسِمُ مِن الأرْضِ؛
لقَوْلِه:«فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ». ولأنَّ هذا مِمّا لا يَتَباقَى ضَرَرُه على الدَّوَامِ، فلم تَجِبْ فيه الشُّفْعَةُ، كصُبْرَةِ الطَّعامِ. وحَدِيثُ ابنِ أبي مُلَيكَةَ مُرْسَلٌ، ولم يُرْوَ في الكُتُبِ المَوْثُوقِ بها. والحُكْمُ في الغِرَافِ والدُّولابِ والنّاعُورَةِ، كالحُكْم في البِنَاءِ.
فأمّا إن بيعَتِ الشَّجَرَةُ مع قَرَارِها مِن الأرْضِ، مُفْرَدَةً عمّا يتَخَلَّلُها مِن الأرْضِ، فحُكْمُها حُكْمُ ما لا يَنْقَسِمُ مِن العَقَارِ، فيه مِن الخِلافِ ما ذَكَرْناه؛ لأَنه مِمّا لا يَنْقَسِمُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَجِبَ الشُّفْعَةُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ القَرارَ تابعٌ لها،
فإذا لم تَجِبِ الشُّفْعَةُ فيها مُفْرَدَةً لم تَجِبْ في تَبَعِها.
وإن بِيعَتْ حِصّةٌ مِن عُلْو دَارٍ مُشْتَرَكٍ، وكان السَّقْفُ الذي تحتَه لصاحِبِ السُّفْلِ، فلا شُفْعَةَ في العُلْو؛ لأنَّه بِنَاءٌ مُفرَدٌ،
وإن كان لصاحِبِ العُلْو، فكذلك؛ لأنَّه بِنَاء مُفْرَدٌ؛ لكَوْنِه لا أرْضَ له، فهو كما لو لم يَكُنِ السَّقْفُ له. ويَحْتَمِلُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فيه؛ لأنَّ له قَرَارًا، أشْبَهَ السُّفْلَ.
(وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالْبِئْرِ، وَالطُّرُقِ، وَالْعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا شُفْعَةَ فِي فِنَاءٍ وَلَا طَرِيقٍ وَلَا مَنْقَبَةٍ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْغَرِيبِ "؛ الْمَنْقَبَةُ: الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ بَيْنَ دَارَيْنِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْلُكَهُ أَحَدٌ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا، وَهُوَ أَصَحُّ، قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالَّذِي وَصَلَهُ أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ وَهُوَ مُخَرَّجٌ عَنْهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَلِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، وَوُجُودُهُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِيمَا يُقْسَمُ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ؛
لِأَنَّ إِثْبَاتَ الشُّفْعَةِ فِي هَذَا تَضُرُّ بِالْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ إِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ فِي نَصِيبِهِ بِالْقِيمَةِ، وَقَدْ يمْتَنِعُ الْمُشْتَرِي لِأَجْلِ الشَّفِيعِ؛ فَيَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ، وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ فَتَسْقُطُ، فَيُؤَدِّي إِثْبَاتُهَا إِلَى نَفْيِهَا،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَمَّامَ الْكَبِيرَ حَيْثُ قُسِّمَ، وَانْتُفِعَ بِهِ حَمَّامًا، وَالْبِئْرُ، وَالْعَضَائِدُ مَتَى أَمْكَنَ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئَانِ، ثَبَتَتْ فِيهِ كَالرَّحَا (وَمَا لَيْسَ بِعَقَارٍ كَالشَّجَرِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهَا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ أَرْضًا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، وَيَدُومُ ضَرَرُهَا.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَقَدْ سَبَقَ (إِلَّا أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُؤْخَذُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ) إِذَا بِيعَ مَعَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا نَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ مَنْ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "
ولا شُفْعَةَ فيما لا تجِبُ قِسْمَتُه؛ كالحَمَّامِ الصَّغيرِ، والبِئْرِ، والطُّرُقِ، والعِراصِ الضَّيِّقَة، ولا ما ليس بعَقارٍ؛ كالشَّجَرِ، والحَيَوانِ، والبِناءِ المُفْرَدِ - وَالطُّرُقِ، وَالعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ، وكالجَوْهَرَةِ، والسَّيفِ، ونحوهما- في إحْدَى الرِّوايتَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الرعايَةِ الكُبْرَى»؛ إحْداهما، لا شُفْعَةَ فيه. وهو الصحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحاب. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ.
قال في «الرعايَةِ الكُبْرَى»: أَظْهَرُهما، لا شُفْعَةَ فيه.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الفُروعِ» و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: لا شُفْعَةَ فيه، في أصحِّ الروايتَين. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ». وجزَم به في «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما. وقدَّمه في «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، وغيرِهم. والروايَةُ الثَّانيةُ، فيه الشُّفْعَةُ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وأبو محمدٍ الجَوْزِيُّ، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قال الحارِثِيُّ: وهو الحقُّ.
وعنه، تجِبُ في كلِّ مالٍ، حاشا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَنْقُولًا لا ينْقَسِمُ.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وقيل: تجِبُ في زَرْعٍ وثَمَر مُفْرَدٍ. فعلى المذهبِ، يُؤْخَذُ البِناءُ والغرِاسُ تبَعًا للأرْضِ، كما تقدَّم. قال المُصَنِّفُ: قال الحارِثِيُّ: لا خِلافَ فيهما على كِلْتا الرِّوايتَين. زادَ في «الرِّعايَةِ»، ممَّا يدْخُلُ تبَعًا؛ النَّهْرُ، والبِئْرُ، والقَناةُ، والرَّحَى، والدُّولابُ.
فائدة: المُرادُ بما ينْقَسِمُ، ما تجِبُ قِسْمَتُه إجْبارًا، وفيه رِوايَتان؛ إحْداهما، ما يُنْتَفَعُ به مَقْسُومًا منْفَعَتُه التي كانتْ،
ولو على تَضايُقٍ، كجَعْلِ البَيتِ بَيتَين.
قال في «التَّلْخيصِ»: وهو الأظْهَرُ. [قال الخِرَقِيُّ: ويَنْتَفِعان به مَقْسُومًا]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الحارِثِيُّ: وإيرادُ المُصَنِّفِ هنا يقْتَضِي التَّعْويلَ على هذه الرِّوايَةِ، دُونَ ما عَداها؛ لأنَّه مثَّل ما لا تَجِبُ قِسْمَتُه بالحَمَّامِ والبِئْرِ الصَّغِيرَين، والطَّرُقِ والعِراصِ الضيِّقَةِ.
وكذلك أبو الخَطَّابِ في «كِتابِه». انتهى. قال الحارِثِيُّ: وهو أشْهَرُ عن أحمدَ وأصحُّ. وجزَم به في «العُمْدَةِ»، في بابِ القِسْمَةِ.
قال في «التَّلْخِيصِ»: ويحْتَمِلُ أنْ يكونَ أيَّ مَنْفَعَةٍ كانتْ،
[ولو كانتْ] بالسُّكْنَى. وهو ظاهِرُ إطْلاقِه في «المُجَرَّد». انتهى. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، ما ذكَرْنا،
وأنْ لا تنْقُصَ القِيمَةُ بالقِسْمَةِ نَقْصًا بَيِّنًا. نقلَه المَيمُونِيُّ. واعْتِبارُ النَّقْصِ، هو ما مال إليه المُصَنِّفُ، وأبو الخَطَّابِ، في بابِ القِسْمَةِ، وأطْلَقَهما في «شَرْحِ الحارِثِيِّ». ويأْتِي ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ القِسْمَةِ بأَتَمَّ مِن هذا مُحَرَّرًا. وَمَا لَيسَ بِعَقَارٍ؛ كَالشَّجَرِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ. إلَّا أنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُؤخَذُ تَبَعًا لِلْأرْضِ، وَلَا تُؤخَذُ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ تَبَعًا، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
أجارتَنا بِيني فإنّكِ طالِقَة قال: (ولا شفعة فيما لا تجب قسمته، كالحمام الصغير، والبئر، والطرق، والعراص الضيقة. وما ليس بعقارٍ، كالشجر، والحيوان، والبناء المفرد في إحدى الروايتين. إلا أن البناء والغراس يؤخذ تبعاً للأرض. ولا تؤخذ الثمرة والزرع تبعاً في أحد الوجهين) .
أما كون الشفعة لا تثبت فيما لا تجب قسمته كما مثّل المصنف رحمه الله في روايةٍ؛ فلأن ذلك لا يمكن قسمته شرعاً؛ لما فيها من الضرر.
وقوله:«الشفعةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شُفعة» مشعرٌ بأن الشفعة إنما تكون فيما يمكن قسمته.
وأما كون الشفعة لا تثبت فيما ليس بعقارٍ كما مثل المصنف رحمه الله في روايةٍ؛ فلأن ذلك لا يبقى على الدوام فلم تجب الشفعة فيه، كالصبرة.
وأما كون الشفعة تثبت في ذلك كله في روايةٍ؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم : «الشفعة فيما لم يُقْسَم».
ولأن الشفعة وضعت لإزالة الضرر، ووجود الضرر بالشركة فيما لم يُقْسَم أبلغ منه فيما يُقْسَم.
ولأن ابن أبي مليكة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الشُفعةُ في كلِّ شَيء».
وكلام المصنف في المغني يقتضي نصر الأول؛ لما تقدم.
ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا شُفعةَ في فِناءٍ ولا طَريقٍ ولا مَنْقَبَة» رواه أبو عبيد في غريبه.
وعن عثمان:«لا شُفعةَ في بِئرٍ ولا فَحْل».
ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع؛ لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري من الشراء لأجل الشفيع فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة. فيؤدي إثباتها إلى انتفائها. ويجاب عن قولهم: ما لم يقسم أكثر ضرراً بأن الضرر الموجب لثبوت الشفعة هو الحاجة إلى إحداث المرافق، وذلك غير موجود فيما لا يمكن قسمته.
وأما كون البناء والغراس يؤخذ تبعاً للأرض؛ فلأن قوله عليه السلام المتقدم ذكره، وقضاءه بالشفعة في كل شِرْكٍ: ربعةٍ أو حائطٍ يدخلُ فيه البناء والغراس.
وفي قول المصنف: تبعاً؛ تنبيهٌ على أنه لا يؤخذ البناء والغراس بالأصالة، لأنهما لا تجب قسمتهما عند انفرادهما.
وأما كون الثمرة والزرع لا تؤخذ تبعاً في وجهٍ، فلأن ذلك لا يدخل في البيع. فلا تؤخذ بالشفعة، كقُماش الدار.
وأما كونه يؤخذ تبعاً، فبالقياس على البناء والغراس.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.