فَإِنْ كَانَتْ مَغْرُوسَةً فِيهِ جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَسْجِدِ حَاجَةٌ إِلَى ثَمَنِهَا
الشروح عليها
مسألة: (فَإِنْ كَانَتْ مَغْرُوسَةً، جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا) يَعْنِي إذا كانتِ الشَّجرَةُ في أرْض، فجَعَلَها صاحِبُها مَسْجِدًا والشَّجَرةُ فيها، فلا بَأْسَ. قال أحمدُ في مَوْضِعٍ: لا بَأْسَ. يعني أن يَبِيعَها مِن الجِيرانِ.
وقال في رِوايةِ أبي طالِبٍ، في النَّبْقَةِ : لا تُباعُ، وتُجْعَلُ للمُسْلِمين وأهْلِ الدَّرْبِ يَأْكُلُونَها. وذلك، واللهُ أعْلَمُ، لأنَّ صاحِبَ الأرْضِ لمّا جَعَلَها مَسْجِدًا والشَّجَرةُ فيها، فقد وَقَف الأرْضَ والشَّجَرةَ معًا، ولم يُعَيِّنْ مَصْرِفَها، فصارَتْ كالوَقْفِ المُطْلَقِ الَّذي لم يُعَيَّنْ له مَصْرِفٌ. وقد ذَكَرْنا أنَّه للمَساكِينِ في بعضِ الرِّواياتِ.
فأمَّا إن قال صاحِبُها: هذه وَقْفٌ على المَسْجِدِ. فيَنْبَغِي أن تُباعَ ثَمَرتُها وتُصْرَفَ إليه، كما لو وَقَفَها على المَسْجِدِ وهي في غيرِه.
وقال أبو الخَطّابِ: عندِي أنَّ المَسْجِدَ إذا احْتاجَ إلى ثَمن ثَمرةِ الشَّجَرةِ، بِيعَتْ، وصُرِفَتْ في عِمارَتِه. وقَوْلُ أحمدَ: يَأْكُلُها الجيرانُ. مَحْمولٌ على أنَّهم يَعْمُرُونَه،
فإنِ اسْتَغْنَى المَسْجِدُ عنها، فلا بَأْسَ بالأَكْلِ منها. واللهّ سَبحانه وتعالى أعْلَمُ.
(فَإِنْ كَانَتْ مَغْرُوسَةً) بِأَنْ وَقَفَ وَهِيَ (فِيهِ) ،
فَإِنْ عَيَّنَ مَصْرِفَهَا اتُّبِعَ، وَإِلَّا صَارَتْ كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ - (جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا) ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْمَسْجِدِ وَهُوَ لِكُلٍّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، فَكَذَا الْأَكْلُ مِنْهَا،
وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ. (قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَسْجِدِ حَاجَةٌ إِلَى ثَمَنِهَا) اقْتَصَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْمَسْجِدِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهِ،
فإنْ كانتْ مَغْرُوسَةً فيه، جازَ الأَكْلُ منها. يعْنِي، إذا كانتْ مغْروسَةً قبلَ بِنائِه، أو وْقَفَها معه.
فإذا وقَفَها معه، وعيَّنَ مَصْرِفَها، عُمِلَ به،
وإنْ لم يُعَيِّنْ مَصْرِفَها، كان حُكْمُها حُكمَ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ. قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال المُصَنِّفُ هنا: جازَ الأَكْلُ منها. وهذا منْصوصُ أحمدَ، في رِوايَةِ أبي طالِبٍ. وقدَّمه رَحِمَهُ اللهُ: إِذَا لَمْ تَكُنْ بِالْمَسْجِدِ حَاجَةٌ إِلَى ثَمَنِهَا،
فَإِنِ احْتَاجَ صُرِفَ ذَلِكَ في عِمَارَتِهِ.
في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ الصغْرَى»، و «الحاوي الصغِيرِ».
وقال في «الهِدايَةِ»، بعدَ أنْ قدَّم المَنْصوصَ: وعندِي أنَّ هذه الرِّوايَةَ مَحْمولَةٌ على ما إذا لم يَكُنْ بالمَسْجِدِ حاجَةٌ إلى ثَمَنِ ذلك؛ لأَنّ الجِيرانَ يَعْمُرونه ويَكْسُونه. وقطَع بما حمَلَه عليه أبو الخَطابِ في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الفائقِ». واعْلَمْ أنَّ جماعَةً مِنَ الأصحابِ قالوا: يُصْرَفُ في مَصالِحِه،
وإنِ اسْتُغْنِيَ عنها، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلجارِه أَكْلُ ثَمَرِه. نصَّ عليه. وجزَم به في «الفائقِ» وغيرِه.
وقال جماعَةٌ: إذا اسْتَغْنَى عنها المَسْجِدُ، فلجارِه ولغيرِه الأَكْلُ منها.
وقيل: يجوزُ الأَكْلُ للجارِ الفَقيرِ.
وقيل: يجوزُ للفَقيرِ مُطْلَقًا. قدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، فقال: وثَمَرُها لفُقَراءِ الدَّرْبِ. وتقدَّم في آخِرِ الاعْتِكافِ، هل يجوزُ البَيعُ والشِّراءُ في المَسْجِدِ أو يحْرُمُ؟ وهل يصِحُّ أو لا؟
فائدة: يحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ في المَسْجِدِ،
فإنْ فُعِلَ، طُمَّ. نصَّ عليه في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» في إحْياءِ المَواتِ. لم يَكْرَهْ أحمدُ حفْرَها فيه.
ثم قال: قلتُ: بلَى، إنْ كُرِهَ الوُضوءُ فيه. انتهى.
وقال الحارِثِيُّ، في الغَصْبِ: وإنْ حفَر بِئْرًا في المَسْجِدِ للمَصْلحَةِ العامَّةِ، فعليه ضَمانُ ما تَلِفَ بها؛ لأنَّه مَمْنوعٌ منه؛ إذِ المَنْفَعَةُ مُسْتَحَقَّة للصَّلاةِ، فتَعْطلُها عُدْوان. ونصَّ على المَنْعِ مِن رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه كالحَفْرِ في السَّابِلَةِ؛ لاشْتِراكِ المُسْلِمِين في كلٍّ منهما، فالحَفْرُ في إحْداهما كالحَفْرِ في الأُخرَى، فتَجْرِي فيه رِوايَةُ ابنِ ثَوابٍ، بعدَمِ الضَّمانِ. انتهى.
فائدة: قال في «الفُروعِ»: وإنْ بنَى أو غرَس ناظِرٌ في وَقْفٍ، توَجَّهَ أنَّه له، إنْ أشْهَدَ، وإلَّا للوَقْفِ، ويتَوَجَّهُ في أجْنَبِيٍّ بنَى أو غرَس، أنَّه للوَقْفِ بنِيَّتِه. قال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: يَدُ الواقِفِ ثابِتَةٌ على المُتَّصِلِ به، ما لم تَأْتِ حُجَّةٌ تدْفَعُ مُوجِبها؛ كمَعْرِفَةِ كَوْنِ الغارِسِ غرَسَه بمالِه بحُكْمِ إجارةٍ؛ أو إعارَةٍ أو غَصْبٍ. ويَدُ المُسْتَأْجِر على المَنْفَعَةِ، فليس له دَعْوَى البِناءِ بلا حُجَّةٍ، ويَدُ أهْلِ العَرْصَةِ المُشْتَرَكَةِ ثابِتَةٌ على ما فيها بحُكْمِ الاشْتِراكِ، إلَّا مع بَيِّنَةٍ باخْتِصاصِه ببِناءٍ، ونحوه.
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ وَهِيَ تَمْلِيكٌ فِي حَيَاتِهِ بِغَيرِ عِوَضٍ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.