وَمَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ
الشروح عليها
مسألة: (ومَن أجاز الوَصِيَّةَ ثم قال: إنَّما أجَزْتُ لأنِّي ظَنَنْتُ المال قَلِيلًا. فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينه، وله الرُّجُوعُ بما زاد على ما ظَنَّه، في أظْهَرِ الوَجْهَين، إلَّا أن تَقُومَ به بَيِّنةٌ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا وَصَّى بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ، فأجازَ الوارِثُ الوَصِيَّةَ، ثم قال: إنَّما أجَزْتُها ظَنًّا أنَّ المال قَلِيلٌ فبان كَثِيرًا.
فإن كانت للمُوصَى له بَيِّنة تَشْهَدُ باعْتِرافِه بقَدْرِ المالِ، أو كان المالُ ظاهِرًا لا يَخْفَى عليه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه إذا قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذ.
فإن قُلْنا: هي هِبَة مُبْتَدَأة. فله الرُّجُوعُ فيما يجوزُ الرُّجُوعُ في الهِبَةِ في مِثْلِه.
وإن لم تَشْهَدْ بَيِّنة باعْتِرافِه، ولم يكنِ المالُ ظاهِرًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينه؛ لأنَّ الإجازَةَ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ الإبراءِ، فلا تَصِحُّ في المَجْهُولِ، والقولُ قَوْلُه في الجَهْلِ به مع يَمينه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العلمِ،
فإذا وَصَّى بنِصْفِ مالِه، فأجازه الوارِثُ، وكان المالُ سِتَّةَ آلافٍ، فقال: ظَنَنْتُه ثلاثةَ آلافٍ. فله الرُّجُوعُ بخَمْسِمائةٍ؛ لأنَّه رَضِيَ بإجازَةِ الوَصِيَّةِ على أنَّ الزّائِدَ على الثُّلُثِ خَمْسُمائةٍ، فكانتْ ألفًا، فيَرْجِعُ بخَمْسِمائةٍ، فيَحْصُلُ للموُصَى له ألفان وخَمْسُمائةٍ. وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه لا يُقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّه أجاز عَقْدًا له الخِيارُ في فَسْخِه، فبَطَلَ خِيارُه، كما لو أجاز البَيعَ مَن له الخِيارُ في فَسْخِه بعَيبٍ أو خِيارٍ، أو أقَرَّ بدَينٍ ثم قال: غَلِطْتُ. ٢٦٦٣ -
(وَمَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ) كَمَا إِذَا كَانَتْ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ زَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ومَن أجازَ الوَصِيَّةَ -يعْنِي، إذا كانتْ جُزءًا مُشاعًا- ثُمَّ قال: إنَّما أجَزْتُ لأننِي ظنَنْتُ المال قَلِيلًا. فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينه، وله الرُّجُوعُ بما زادَ على ظَنِّه، في أظْهَرِ الوَجْهَين. وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثاني، ليس له الرُّجوعُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه. وهو احْتِمالٌ في «الهِدايَةِ». وتقدَّم في الفوائدِ، هل يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ المُجازُ مَعْلومًا؟
تنبيه: قوْلُه: إلَّا أنْ تقُومَ عليه بَيِّنة. يعْنِي، تشْهَدُ بأنه كان عالِمًا بزِيادَتِه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه.
وكذا لو كان المالُ ظاهِرًا لا يخْفَى عليه، لا يُقْبَلُ قَوْلُه. وكلامُ المُصَنِّفِ وغيرِه، ممَّن أطْلَقَ، مُقَيَّدٌ بذلك، وهذا إذا قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذٌ.
فأمَّا إذا قُلْنا: هي هِبَة مُبْتدَأةٌ. فله الرُّجوعُ فيما يجوزُ الرُّجوعُ في مِثْلِه في الهِبَةِ. وقد تقدَّم قريبًا في الفوائدِ.
وإنْ كَانَ الْمُجَازُ عَينًا، فَقَال: ظَنَنْتُ بَاقِيَ الْمَالِ كَثِيرًا. لَمْ يقْبَلْ قَوْلُهُ، في أظْهَرِ الْوَجْهَينِ.
قال: (ومن أجاز الوصية ثم قال: إنما أجزتُ لأنني ظننت المال قليلاً فالقول قوله مع يمينه. وله الرجوع بما زاد على ظنه في أظهر الوجهين. إلا أن يقوم عليه بينة. وإن كان المجاز عيناً فقال: ظننتُ باقي المال كثيراً: لم يقبل قوله في أظهر الوجهين) .
أما كون القول قول المجيز في الصورة الأولى في وجهٍ مع عدم البينة؛
فلأن الإجازة: إما تنفيذ وإما هبة، وكلاهما لا يصح في المجهول، وقد ادّعاه مع كونه مجهولاً.
ولأنه يحتمل صدقه فلا يحصل للموصى له نقل الملك. ويحتمل كذبه فيحصل له ذلك.
وإذا احتمل واحتمل وجب بقاء الأمر على ما كان عملاً بالاستصحاب.
وأما كونه لا يقبل قوله فيها في وجهٍ؛ فلأنه قولٌ يُسقط حق الغير بعد الإقرار به. فلم يقبل؛ كالإنكار بعد الإقرار.
والأول أظهر؛ لما تقدم. والفرق بين ذلك وبين الإقرار ظاهر، وذلك أن الموجب للملك هنا قوله: أجزته ولم يتحقق،
وفي الإقرار ليس كذلك. ضرورة كونه مالكاً قبله، وإنما الإقرار أظهره.
وأما كون ذلك مع يمينه؛ فلأنه يحتمل كذبه.
وأما كونه يرجع بما زاد على ظنه إذا قيل القول قوله؛ فلأنه إذا قيل القول قوله لم يكن الموجب للنقل متحققاً بالنسبة إليه.
وأما كونه لا يقبل قوله وجهاً واحداً إذا قامت عليه البينة؛ فلأنها تكذبه.
ولم يتعرض المصنف رحمه الله إلى صفة ما تقوم به البينة، وصرح أبو الخطاب بأنها تشهد أنه كان عالماً بمقدار الزيادة حين إجازته.
وأما كونه في الصورة الثانية لا يقبل قوله في أظهر الوجهين؛ فلأن العبرة بالموصى به وهو معلومٌ [لا جهالة فيه].
وأما كونه يقبل قوله في وجهٍ؛ فلأنه يمكن صدقه.
ولأنه قد يسمح بذلك ظناً منه أنه يبقى له ما يكفيه.
فإذا بان بخلافه لحقه الضرر في الإجازة. فقبل قوله؛ كالمسألة قبلها.
وأما كون الأول أظهر بخلاف ما تقدم؛ فلما ذكر. وفيه
تنبيهٌ على الفرق بين هذه المسألة وبين المسألة قبلها من حيث: إن المجاز هنا معلوم،
وفي التي قبلها هو غير معلوم.
[فإن قيل: ما صورة المسألتين؟
قيل: صورة الأولى: أن تكون الوصية بجزءٍ كالنصف أو الثلثين أو ما أشبههما. فيجيز الوصية بناء على أن المال المخلف عن موروثه قليل كمائةٍ أو نحوها ثم يبين له أنه كثيرٌ كألفٍ أو نحوه. فيدعي أنه إنما أجاز بناء على ذلك. فيقبل قوله فيما زاد على ظنه، وهو في مسألة النصف مائة وخمسون،
وفي مسألة الثلثين ثلثمائة. ويبقى للموصى له في مسألة النصف ثلثمائة وخمسون؛ لأنه له ثلث الألف ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث وقد أجاز له ستة عشر وثلثين؛ لأن ذلك هو ما بين ثلث المائة المظنونة ونصفها.
وفي مسألة الثلثين له ثلثمائة وستة وستون وثلثان؛ لأنه له ثلث الألف ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث وقد أجاز له ثلاثة وثلاثين وثلثاً؛ لأن ذلك هو ما بين ثلث المائة المظنونة وثلثيها.
وصورة الثانية: أن تكون الوصية بعبدٍ معينٍ قيمته ستمائة. فيجيز الوصية بناء على أن باقي المال المخلّف عن موروثه كثيرٌ كألف. ثم يبين له أنه قليل كستمائة. فيدعي أنه إنما أجاز بناء على ذلك.
فعلى الأظهر جميع العبد للموصى له، وعلى الآخر له ثلثا العبد وتسعه؛ لأنه له ثلث المال بالأصل وهو أربعمائة وقد أجاز له ستة وستين وثلثين؛ لأن ذلك هو ما بين ثلث الألف وستمائة المظنونة قيمة العبد.
فإن قيل: الفرق المتقدم ذكره إنما يتحقق بين المشاع والمعين لا بين العين وغير العين، وكلام المصنف رحمه الله مشعرٌ بالعكس.
قيل: ما ذكر صحيح. غير أن العين يلزم منها أن تكون معينة. ومدار الفرق على ذلك لا على العين] .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.