وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَفْسَخَا بَطَلَ خِيَارُهُمَا وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ، أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ لَهُ أَمْضَيَا الْعَقْدَ، أَوْ فَسَخَاهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن مَضَتِ المُدَّةُ، ولم يَفْسَخَا، بَطَلَ خِيَارُهما) إذا انْقَضَتْ مُدَّةُ الخِيارِ، ولم يَفْسَخْ أحَدُهُمَا، بَطَلَ الخِيَارُ، ولَزِمَ العَقْدُ. وهذا قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
وقال القاضِي: لا يَلْزَمُ بمُضِيِّ المُدَّةِ. وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لأنَّ مُدَّةَ الخِيارِ ضُرِبَتْ لِحَقٍّ له، لا لِحَقٍّ عليه، فلم يَلْزَمِ الحُكْمُ بِنَفْسِ مُرُورِ الزَّمَانِ، كمُضِيِّ الأَجَلِ في حَقِّ المُولِي. ولَنا، أنَّها مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بالعَقْدِ، فَبَطَلَتْ بانْقِضَائِها، كالأَجَلِ. ولأنَّ الحُكْمَ بِبَقَائِها يُفضِي إلى بَقاءِ الخِيارِ في غيرِ المُدَّةِ التي شَرَطِاه فيها، والشَّرْطُ يُثْبِتُ الخِيارَ، فلا يَجُوزُ أنْ يَثْبُتَ به ما لم يَتَنَاوَلْه، ولأنَّه حُكْم مُوقَّتٌ، فَفَاتَ بفَواتِ وَقْتِه، كسائِرِ المُؤَقَّتاتِ. ولأنَّ البَيعَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ، وإنَّما يَخْتَلِفُ مُوجَبُه بالشَّرْطِ، ففيما لم يَتَناوَلْهُ الشَّرْط يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ مُوجَبُه؛
لزَوَالِ المُعارِضِ، كما لو أمْضَيَاهُ.
وأمّا المُولِي، فإنَّ المُدَّةَ إنَّما ضُرِبَتْ لاسْتِحْقاقِ المُطَالبَةِ، وهي تُسْتَحَقُّ بمُضِيِّ المُدَّةِ. والحُكْمُ في هذه المسألةِ ظاهِرٌ.
فصل: فإنْ قال أحَدُ المُتَعاقِدَينِ عندَ العَقْدِ: لا خِلَابَةَ . فقال أحمدُ: أَرَى ذلك جائِزًا، وله الخِيارُ إِنْ كان خَلَبَهُ،
وإنْ لم يَكُنْ خَلَبَه، فليس له خِيارٌ. وذلك لأنَّ رَجُلًا ذَكَرَ للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يُخْدَعُ في البَيعِ، فقال:«إذَا بايَعْتَ، فقُلْ: لا خِلَابَةَ». مُتَّفَقٌ عليه . ولمُسْلِم: «مَنْ بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلَابَةَ». فكان إذا بايَعَ يقولُ: لا خِلَابَةَ . قال شَيخُنا : ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ له خِيارٌ، ويكونُ هذا الخَبَرُ خاصًّا لِحَبَّان ؛ لأَنَّه رُوِيَ أنَّه عاشَ إلى زَمَنَ عثمانَ، فكان يُبَايعُ الناسَ ثم يُخَاصِمُهم، فيَمُرُّ بهم بعضُ الصَّحَابَةِ، فيقولُ لمَنْ يُخَاصِمُه: وَيحَكَ، إنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ له الخِيارَ ثَلاثًا .
وهذا يَدُلُّ على اخْتِصَاصِه بهذا؛ لأنَّه لو كانَ للنَّاسِ عامَّةً لقال لِمَنْ يُخاصِمُه: إنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ الخِيارَ لِمَنْ قال: لا خِلَابَةَ.
وقال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إنْ كانَا عالِمَينِ أنَّ ذلك عِبَارَةٌ عن خِيارِ الثَّلاثِ، ثَبَتَ،
وإنْ عَلِمَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، فعلى وَجْهَينِ؛ لأنَّه رُوِيَ أنَّ حَبَّانَ بنَ مُنْقِذِ بنِ عَمْرٍو، كان لا يَزَالُ. يُغْبَنُ، فأتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَ ذلك له، فقال: «إذَا أنْتَ بَايَعْتَ فقُلْ: لا خِلَابَةَ. ثُمَّ أنْتَ في كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَها بالخِيَارِ ثَلاثَ لَيالٍ، فإنْ رَضِيتَ أَمْسَكْتَ، وإن سَخِطْتَ فارْدُدْها على صَاحِبِهَا» . وما ثَبَتَ في حَقِّ واحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ، ثَبَتَ في حَقِّ غَيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه دَلِيلٌ.
ولَنا، أنَّ هذا اللَّفْظَ لا يَقْتَضِي الْخِيَارَ مُطْلَقًا، ولا يَقْتَضِي تَقْيِيدَه بثَلَاثٍ، والأصْلُ اعْتِبارُ اللَّفْظِ فيما يَقْتَضِيهِ. والخَبَرُ الذي احْتَجُّوا به إنَّما رَوَاهُ ابنُ ماجَه مُرْسَلًا، وهم لا يَرَوْنَ المُرْسَلَ حُجَّةً، ثم لم يَقُولُوا بالحَدِيثِ على وَجْهِه، إنَّما قالُوا: إنَّه في حَقِّ مَنْ يَعْلَمُ أنَّ مُقْتَضَاهُ ثُبوتُ الخِيارِ ثَلَاثًا. ولا يَعْلَمُ ذلك أحَدٌ؛ لأنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِيه، فكَيفَ يَعْلَمُ أنَّ مُقْتَضَاهُ ما لا يَقْتَضِيه، ولا يَدُلُّ عليه، وعلى أنَّه إنَّما كان خاصًّا لحَبَّانَ، بدَلِيل ما رَوَينَاهُ، ولأَنَّه كان يُثْبِت له الرَّدَّ على مَن لم يَعْلمْ مُقتَضَاهُ.
فصلِ: إذا شَرَطَ الخِيَارَ حِيلَةً على الانْتِفَاعِ بالقَرْضِ، لِيَأْخُذَ غَلَّةَ المَبِيعِ ونفْعَه في مُدَّةِ انْتِفاعِ المُقْتَرِضِ بالثَّمَنِ، ثم يَرُدَّ المَبِيعَ بالخِيَارِ عندَ رَدِّ الثَّمَنِ، فلا خَيرَ فيه؛ لأنَّه مِن الحِيَلِ. ولا يَحِلُّ لآخِذِ الثَّمَنِ الانْتِفَاع به في مُدَّةِ الخِيارِ، ولا التَّصَرُّفُ فيه. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ يُسْأَلُ عن الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِن الرَّجُلِ الشَّيءَ، ويقولُ: لَكَ الخِيَارُ إلى كذا
وكذا. مِثلَ العَقَارِ؟ قال: هو جائِزٌ إذا لم يَكُنْ حِيلَةً؛ أرادَ أنْ يُقْرِضَهُ، فيَأْخُدُ منه العَقَارَ، فَيَسْتَغِلُّهُ، ويَجْعَلُ له فيه الخِيَارَ، ليَرْبَحَ فيما أَقْرَضَه بهذه الحِيلَةِ.
فإنْ لم يَكُنْ أرادَ هذا، فلا بَأْسَ.
قيلَ لأبِي عبدِ اللهِ: فإنْ أرادَ إرْفاقَه؛ أرادَ أنْ يُقْرِضَه مالًا يَخافُ أنْ يَذهَبَ، فاشْتَرَى منه شَيئًا، وجَعَلَ له الخِيَارَ، لم يُرِدِ الحِيلَةَ؟ فقال أبو عبدِ اللهِ: هذا جائِزٌ، إلَّا أنَّه إذا ماتَ انْقَطَعَ الخِيارُ، لم يَكُنْ لوَرَثَتِه. وقولُ أحمدَ بالجَوازِ في هذه المَسْأَلةِ مَحْمُولٌ على المَبِيعِ الذي لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بِإِتْلَافِه، أو على أنَّ المُشْتَرِيَ لا يَنْتَفِعُ بالمَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ، لئَلَّا يُفْضِيَ إلى أنَّ القَرْضَ جَرَّ مَنْفَعَةً.
١٦١١ - مسألة: (ويَنْتَقِلُ المِلْكُ إلى المُشْتَرِى بنَفْسِ العَقْدِ، في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ) يَنْتَقِلُ المِلْكُ في بَيعِ الخِيَارِ بِنَفْسِ العَقْدِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ولا فرْقَ بينَ كَوْنِ الخِيَارِ لهما أو لأحَدِهما، أيِّهما كان. وهو أحَدُ أقْوَالِ الشَّافِعِيِّ. وعن أحمدَ، أنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ حتى يَنْقَضِيَ الخِيارُ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، والقَوْلُ الثانِي للشَّافِعِيِّ. وبه قال أبو حَنِيفَةَ، إذا كان الخِيَارُ لهما أو للبَائِعِ،
وإنْ كان للمُشْتَرِي، خرَجَ عن مِلْكِ البائِعِ، ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ المُشْتَرِى؛ لأنَّ البَيعَ الذي فيه الخِيَارُ عَقْدٌ قاصِرٌ، فلم يَنْقُل المِلْكَ، كالهِبَةِ قبلَ القَبْضِ. وللشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثالِثٌ، أنَّ المِلْكَ مَوْقُوفٌ،
فإنْ أَمْضَيَا البَيعَ تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ للمُشْتَرِى، وإلَّا تَبَيَّنَّا أنَّه لم يَنْتَقِلْ عن البائِعِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وله مَالٌ، فَمَالُه للبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ». وقَوْلُه: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أنْ يُؤَبَّرَ، فَثَمَرُه للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ». مُتَّفَقٌ عليه . فجَعَلَهَ للمُبْتَاعِ بمُجَرَّدِ اشْتِرَاطِه، وهو عامٌّ في كُلِّ بَيعٍ. ولأنَّه بَيعٌ صَحِيحٌ، فَنَقَلَ المِلْكَ عَقِيبَه، كالذي لا خِيارَ فيه. ولأنَّ البَيعَ تَمْلِيكٌ، بدَلِيلِ أنَّه يَصِحُّ بقَوْلِه: مَلَّكْتُكَ.
فيَثْبُتُ به المِلْكُ، كسائِرِ البَيعِ؛ لأنَّ التَّمْلِيكَ يَدُلُّ على نَقْل المِلْكِ إلى المُشْتَرِي، ويَقْتَضِيه لَفْظُه، وقد اعْتَبَرَه الشَّرْعُ، وقَضَى بصِحَّتِه، فوَجَبَ اعْتِبارُه فيما يَقْتَضِيه ويَدُلُّ عليه لَفْظُه، وثُبُوتُ الخِيارِ فيه لا يُنَافِيهِ، كما لو باعَ عَرْضًا بعَرْضٍ ، فَوَجَدَ كُلُّ واحِدٍ منهما بما اشْتَرَاهُ عَيبًا. وقَوْلُهم: إنَّه قاصِرٌ. غيرُ صَحِيحٍ، وجَوازُ فَسْخِه لا يُوجِبُ قُصورَهُ، ولا يَمْنَعُ نَقْلَ المِلْكِ فيه، كبَيعِ المَعِيبِ، وامْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ إنَّما كان لأَجْلِ حَقِّ الغَيرِ، فلا يَمْنَعُ ثُبُوتَ المِلْكِ، كالمَرْهُونِ.
وقَوْلُهم: إِنَّه يَخْرُجُ عن مِلْكِ البائِعِ، ولا يَدْخُلُ في مِلْكِ المُشْتَرِي. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى وُجُودِ مِلْكٍ بغيرِ مالِكٍ، وهو مُحَالٌ، ويُفْضِي أيضًا إلى ثُبُوتِ المِلْكِ للبائِعِ في الثَّمَنِ، مِن غيرِ حُصُولِ عِوَضِه للمُشْتَرِي، أو إلى نَقْلِ مِلْكِه عن المَبِيعِ، مِن غيرِ ثُبُوتِه في عِوَضِه. وكونُ العَقْدِ مُعاوَضَةً يأْبَى ذلك. وقولُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ: إنَّ المِلْكَ مَوْقُوفٌ، إنْ أمْضَيَا البَيعَ تَبَيَّنَّا أنَّه انْتَقَلَ، وإلَّا فلا. غيرُ صَحِيحٍ؛
فإنَّ انْتِقَال المِلْكِ إنَّما يَنْبَنِي على سَبَبِه النَّاقِلِ، وهو البَيعُ، وذلك لا يَخْتَلِفُ بإمْضَائِه وفَسْخِه،
فإنَّ إمْضاءَه ليس مِن المُقْتَضِي، ولا شَرْطًا فيه، إذْ لو كان كذلك لَما ثَبَتَ المِلْكُ قَبْلَه، والفَسْخُ ليس بمَانِعٍ،
فإنَّ المَنْعَ لا يَتَقَدَّمُ المانِعَ، كما أنَّ الحُكْمَ لا يَسْبِقُ سَبَبَهُ ولا شَرْطَهُ. ولأنَّ البَيعَ مع الخِيَارِ سَبَبٌ يَثْبُتُ المِلْكُ عَقِيبَه فيما إذا لم يُفْسَخْ، فوَجَبَ أن يُثْبِتَه وإنْ فُسِخَ، كبَيعِ المَعِيبِ، وهو ظاهِرٌ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. ١٦١٢ - مسألة: (فما حَصَلَ مِن كَسْبٍ، أو نَماءٍ مُنْفَصِلٍ، فهو له، أمْضَيَا العَقْدَ، أو فَسَخَاه) ما يَحْصُلُ مِن غَلَّاتِ المَبِيعِ ونَمائِه في مُدَّةِ الخِيارِ، فهو للمُشْتَرِي، أمْضَيَا العَقْدَ، أو فَسَخَاه. قال أحمدُ، في مَن اشْتَرَى عَبْدًا، وَوُهِبَ له مالٌ قبلَ التَّفَرُّقِ ثم اخْتَارَ البائِعُ العَبْدَ: فالمالُ للمُشْتَرِي.
وقال الشّافِعِيُّ: إنْ أَمْضَيَا العَقْدَ، وقلنا: المِلْكُ للمُشْتَرِي. أو: مَوْقُوفٌ. فالنَّمَاءُ المُنْفَصِلُ له،
وإنْ قُلْنَا: المِلْكُ للبَائِعِ. فالنَّماءُ له.
وإنْ فَسَخَا العَقْدَ، وقُلْنَا: المِلْكُ للبائِعِ. أو: مَوْقُوفٌ. فالنَّماءُ له، وإلَّا فهو للمُشْتَرِي. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الخَرَاجُ بالضَّمَانِ». قال التِّرْمِذِيُّ : هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وهذا مِن ضَمَانِ المُشْتَرِي، فيَجِبُ أنْ يكونَ خَراجُه له. ولأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ بالبَيعِ، على ما بَيَّنَّا، فيَجِبُ أنْ يكونَ نَماؤُه للمُشْتَرِي، كما بعدَ انْقضاءِ الخِيَارِ. ويَتَخَرَّجُ أنْ يكونَ النَّماءُ المُنْفصِلُ للبائِعِ، إذا فَسَخَا العَقْدَ، بناءً على قَوْلِنا: إنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ.
فأمّا النّماءُ المُتَّصِلُ، فهو تابعٌ للمَبِيع بكُلِّ حالٍ، كما يَتْبَعُه في الرَّدِّ بالعَيبِ والمُقَايَلَةِ.
فصل: وضَمانُ المَبِيعِ على المُشْتَرِي إذا قَبَضَه، أو لم يَكُنْ مَكِيلًا، ولا مَوْزُونًا.
فإن تَلِفَ، أو نَقَصَ، أو حَدَثَ به عَيبٌ في مُدَّةِ الخِيارِ، فهو مِن ضَمانِه؛ لأنَّه مِلْكُه، وغَلَّتَه له، فكان مِن ضَمَانِه، كما بعدَ انْقِضَاءِ الخِيَارِ، ومُؤْنَتُه عليه.
وإنْ كان عَبْدًا، فهَلَّ هِلالُ شَوَّالٍ، فَفِطْرَتُه عليه؛ لذلك.
وإنِ اشْتَرَى حامِلًا، فَوَلَدَتْ عندَه في مُدَّةِ الخِيَارِ، ثم رَدَّها على البائِعِ، لَزِمَهُ رَدُّ وَلدِها؛ لأنَّه مَبِيعٌ حَدَثتْ فيه زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، فلَزِمَ رَدُّه بزِيادَتِه، كما لو اشْتَرَى عَبْدَينِ، فَسَمِنَ أحَدُهما عِنْدَه.
وقال الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَرُدُّ الوَلَدَ؛ لأنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له؛ لأنَّه جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بالأُمِّ، فلم يأخُذْ قِسْطًا مِن الثَّمَنِ، كأطْرَافِها. ولَنا، أنَّ كُلَّ ما يُقَسَّطُ عليه الثَّمَنُ إذا كان مُنْفَصِلًا، يُقَسَّطُ عليه إذا كان مُتَّصِلًا، كاللَّبَنِ. وما قَالُوه يَبْطُلُ بالجُزْءِ المُشاعِ، كالثُّلُثِ، والرُّبْعِ، والحُكْمُ في الأصْلٍ مَمْنُوعٌ، ثم يُفارِقُ الحَمْلُ الأطْرَافَ؛ لأنَّهُ يَئُولُ إلى الانْفِصالِ، ويُنْتَفعُ به مُنْفَصِلًا،
ويَصِحُّ إفْرَادُه مُنْفَصِلًا، والوَصِيَّةُ به، وله، ويَرِثُ إنْ كان مِن أهْلِ المِيرَاثِ، ويُفْرَدُ بالدِّيَةِ، ويَرِثُها وَرَثَتُه. وقَوْلُهم: لا حُكْمَ للحَمْلِ. لا يَصِحُّ لهذه الأحْكَام وغيرِها مِمّا قد ذَكَرْنَاهُ.
١٦١٣ -
مسألة: فما حَصَل مِن كَسْبٍ أو
(وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَفْسَخَا بَطَلَ خِيَارُهُمَا) وَلَزِمَ الْعَقْدُ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ فَبَطَلَتْ بِانْقِضَائِهَا كَالْأَجَلِ،
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ لَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ كَمُضِيِّ الْأَجَلِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحُكْمَ ببَقَائها يفضي إلى بقاء الْخِيَارِ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّتِهِ الْمُشْتَرَطَةِ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْطِ، إِذِ الْبَيْعُ سَبَبُ اللُّزُومِ، لَكِنْ تَخَلَّفَ مُوجِبُهُ بِالشَّرْطِ،
فَإِذَا زَالَتْ مُدَّتُهُ لَزِمَ الْعَقْدُ بِمُوجِبِهِ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْمُعَارِضِ، قَوْلُهُ:" وَلَمْ يَفْسَخَا " لَيْسَ قَيْدًا فِيهِ بَلْ لَوْ لَمْ يَفْسَخْ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْخِيَارُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، إِذْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا: لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا فَسَخَا، وَلَمْ يَحْتَرِزْ عَنْهُ لِظُهُورِ الْمُرَادِ. (وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ) مُدَّةَ الْخِيَارَيْنِ (إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ) هِيَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» وَوُجِّهَ أَنَّهُ جُعِلَ الْمَالُ لِلْمُبْتَاعِ بِاشْتِرَاطِهِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ بَيْعٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيْعُ الْخِيَارِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَّا بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ قَاصِرٌ لَا يُفِيدُ التَّصَرُّفَ وَلَا يَلْزَمُ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ فَنُقِلَ الْمِلْكُ عَقِيبَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِقَوْلِهِ: مَلَّكْتُكَ، فَيَثْبُتُ فِيهِ كَالْمُطْلَقِ، وَدَعْوَى الْقُصُورِ فِيهِ مَمْنُوعَةٌ، وَجَوَازُ فَسْخِهِ لَا يُوجِبُ قُصُورَهُ، وَلَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِيهِ كَالْمَعِيبِ وَامْتِنَاعِ التَّصَرُّفِ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ كَالْمَرْهُونِ، فَعَلَى هَذَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَرِيبُهُ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ وَيَخْرُجُ فِطْرَتُهُ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُ: وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا.
صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ، أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ لَهُ أَمْضَيَا الْعَقْدَ، أَوْ فَسَخَاهُ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ الدَّاخِلِ فِي ضَمَانِهِ بِقَوْلِهِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاحْتَرِزْ بِالْمُنْفَصِلِ عَنِ النَّمَاءِ الْمُتَّصِلِ، كَالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْعَيْنَ مَعَ الْفَسْخِ لِتَعَذُّرِ انْفِصَالِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَا بُدَّ أَنْ يَلْحَظَ فِي كَوْنِ النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ لِلْمُشْتَرِي، وَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ لِلْبَائِعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ،
وَعَنْهُ: إِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا: فَالنَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ،
وَعَنْهُ: وَكَسْبُهُ لِلْبَائِعِ كَرِوَايَةِ الْمَلِكِ لَهُ.
فَرْعٌ: الْحَمْلُ وَقْتُ الْعَقْدِ مَبِيعٌ،
وَعَنْهُ: نَمَاءٌ، فَتُرَدُّ الْأُمُّ بِعَيْبٍ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ "، فَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ هُوَ كَأَحَدِ عَيْنَيْنِ، أَوْ تَبَعٌ لِلْأُمِّ لَا حُكْمَ لَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وإنْ مَضَتِ المُدَّةُ ولم يفْسَخَاه، بطَل خِيارُهما. يعْنِي، ولَزِمَ البَيعُ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: لا يَلْزَمُ بمُضِيِّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُدَّةِ. اخْتارَه القاضي؛ لأنّ مُدَّةَ الخِيارِ ضُرِبَتْ لحَقٍّ له، لا لحَقٍّ عليه، فلم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَلْزَمِ الحُكْمُ بمُضِي المُدَّةِ، كمُضِيِّ الأجَلِ في حَقِّ المُولِي. فعلى هذا، ينْبَغِي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يُقال: إذا مضَتِ المُدَّةُ يُؤْمَرُ بالفَسْخِ،
فإِنْ لم يَفْعَلْ، فسَخ عليه الحاكِمُ. كما قُلْنا في المُولِي على ما يأْتِي. وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ. وينْتَقِلُ المِلْكُ إلى المُشْتَرِي بنَفْسِ العَقْدِ في أَظْهَرِ الرِّوايتَين.
وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرِهم. وهذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وعليه الأصحابُ.
قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: وهي المذهبُ الذي عليه الأصحابُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم: هذا ظاهرُ المذهبِ.
قال في «المُحَرَّرِ»: هذا أشْهَرُ الرِّوايتَين.
قال في «الفائقِ»: هذا أصحُّ الرِّوايتَين.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وإذا ثبَت المِلْكُ في المَبِيعِ للمُشْتَرِي، ثبَت في الثَّمَنِ للبائِعِ. انتهى. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا ينْتَقِلُ المِلْكُ عنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البائِعِ حتى ينْقَضِيَ الخِيارُ. فعليها، يكونُ المِلْكُ للبائِع.
وفي «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، ومِنَ الأصحابِ مَن حكَى أنَّ المِلْكَ يخْرُجُ عنِ البائِعِ، ولا يدْخُلُ إلى المُشْتَرِي. قال: وهو ضعيفٌ.
فائدة: حُكْمُ انْتِقالِ المِلْكِ في خِيارِ المَجْلِسِ حُكْمُ انْتِقالِه في خِيارِ الشَّرْطِ، خِلافًا ومَذهَبًا.
تنبيه: لهذا الخِلافِ فَوائِدُ كثيرةٌ، ذكَرَها العَلَّامَةُ ابنُ رَجَبٍ في «قَواعِدِه» وغيرُه. منها، لو اشْتَرَى مَن يعْتِقُ عليه، أو زَوْجَتَه، فعلى المذهبِ، يعْتِقُ وينْفَسِخُ نِكاحُها، وعلى الثَّانِيَةِ، لا يثْبُتُ ذلك. ومنها، لو حلَف لا يبِيعُ، فَباعَ بشَرْطِ الخِيارِ، خُرِّجَ على الخِلافِ. قدَّمه في «القَواعِدِ».
وقال: ذكَرَه القاضي. وأنْكَرَ المَجْدُ ذلك،
وقال: يحْنَثُ على الرِّوايتَين. قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وأمَّا الأخْذُ بالشُّفْعَةِ، فلا يثْبُتُ في مُدَّةِ الخِيارِ، على كِلا الرِّوايتَين، عندَ أكثرِ الأصحابِ، ونصَّ عليه في رِوايَةِ حَنْبَلٍ؛ فمنهم مَن علَّلَ بأنَّ المِلْكَ لم يسْتَقِرَّ بعدُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنهم مَن علَّلَ بأنَّ الأخْذَ بالشُّفْعَةِ يُسْقِطُ حَقَّ البائِعِ مِنَ الخِيارِ، فلذلك لم تجُزِ المُطالبَةُ به في مُدَّتِه. وهو تَعْلِيلُ القاضي في «خِلافِه». فعلى هذا، لو كان الخِيارُ للمُشْتَرِي وحدَه ثبَتَتِ الشُّفْعَةُ. وذكَر أبو الخَطَّابِ احْتِمالًا بثُبوتِ الشُّفْعَةِ مُطْلَقًا، إذا قُلْنا بانْتِقالِ المِلْكِ إلى المُشْتَرِي.
قال في «الفُروعِ»: تفْرِيعًا على المذهبِ. قال أبو الخَطَّابِ وغيرُه: ويأْخُذُ بالشُّفْعَةِ. ويأْتِي ذلك في آخِرِ الشُّفْعَةِ، في أوَّلِ الفَصْلِ الأخيرِ مِن كلامِ المُصَنِّفِ. ومنها، لو باعَ أحَدُ الشَّريكَين . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شِقْصًا بشَرْطِ الخِيارِ، فباعَ الشَّفيعُ حِصَّتَه في مُدَّةِ الخِيارِ، فعلى المذهب، يسْتَحِقُّ المُشْتَرِي الأوَّلُ انْتِزاعَ شِقْصِ الشَّفِيعِ مِن يَدِ مُشْتَرِيه؛ لأَنَّه شَرِيكُ الشَّفيعِ حالةَ بَيعِه. وعلى الثَّانيةِ، يَسْتَحِقُّ البائعُ الأوَّلُ؛ لأنَّ المِلْكَ باقٍ له. ومنها، لو باعَ عَبْدًا بشَرْطِ الخِيارِ، وأهَلَّ هِلالُ الفِطْرِ وهو في مُدَّةِ الخِيارِ، فعلى المذهبِ، الفِطْرَةُ على المُشْترِي. وعلى الثَّانيةِ، على البائِعِ. ومنها، لو باعَ نِصابًا مِنَ الماشِيَةِ بشَرْطِ الخِيارِ حَوْلًا، فعلى المذهبِ، زَكاتُه على المُشْتَرِي.
وعلى الثَّانيةِ، على البائِعِ. ومنها، الكَسْبُ والنَّماءُ المُنْفَصِلُ في مُدَّتِه، فعلى المذهبِ، هو للمُشْتَرِي، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. أمْضَيا العَقْدَ أو فَسَخاه.
وعنه، إنْ فسَخ أحَدُهما، فالنَّماءُ المُنْفَصِلُ للبائِعِ.
وعنه، وكَسْبُه. وعلى الثَّانيَةِ للبائِعِ.
وقيل: هما للمُشْتَرِي إنْ ضَمِنَه. وستَأْتِي هذه المَسْأَلةُ في كلامِ المُصَنِّفِ. ومنها، مُؤْنَةُ المَبِيعِ مِنَ الحَيوانِ والعَبِيدِ، فعلى المذهبِ، على المُشْتَرِي. وعلى الثَّانيةِ، على البائِعِ. على ما يَأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ. ومنها، لو تَلِفَ المَبِيعُ في مُدَّةِ الخِيارِ،
فإنْ كان بعدَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القَبْضِ أو لم يَكُنْ منهما،
فمِن مالِ المُشْتَرِي على المذهبِ،
ومِن مالِ البائِعِ على الثَّانيةِ. ومنها، لو تعَيَّبَ في مُدَّةِ الخيارِ، فعلى المذهبِ، لا يُرَدُّ بذلك إلَّا أنْ يكونَ غيرَ مَضْمُونٍ على المشْتَرِى؛ لانْتِفاءِ القَبْضِ. وعلى الثَّانيةِ، له الرَّدُّ بكُلِّ حالٍ. ومنها، لو باعَ المُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ بعدَ الحَوْلِ، بشَرْطِ الخِيارِ، ثم جاءَ رَبُّها في مُدَّةِ الخِيارِ،
فإن قُلْنا: لم ينْتَقِلِ المِلْكُ. فالرَّدُّ واجِبٌ،
وإنْ قُلْنا بانْتِقالِه، فوَجْهان. جزَم في «الكافِي» بالوُجُوبِ.
قلتُ: ويتَوَجَّهُ عدَمُ الوُجُوبِ، وتكونُ له القِيمَةُ أو المِثْلُ. ومنها، لو باعَ مُحِلٌّ صَيدًا بشَرْطِ الخِيارِ، ثم أحْرَمَ في مُدَّتِه؛
فإنْ قُلْنا بانْتِقالِ المِلْكِ عنه، فليس له الفَسْخُ؛ لأنَّه ابْتِداءُ مِلْكٍ على الصَّيدِ، وهو مَمْنوعٌ منه،
وإنْ قُلْنا: لم ينتَقِلِ المِلْكُ عنه. فله ذلك،
ثم إنْ كان في يَدِه المُشاهَدَةِ أرْسَلَه، وإلَّا فلا. ومنها، لو باعَتِ الزَّوْجَةُ الصَّداقَ قبلَ الدُّخُولِ، بشَرْطِ الخِيارِ، ثم طَلّقَها الزَّوْجُ؛
فإنْ قُلْنا: انْتَقَلَ المِلْكُ عنها، ففي لُزومِ اسْتِرْدادِها وَجْهان.
قلتُ: الأَوْلَى عدَمُ لزُومِ اسْتِرْدادِها.
وإنْ قُلْنا: لم يَزَلْ فيها. اسْتَردَّه، وَجْهًا واحدًا. ومنها، لو باعَ أمَةً بشَرْطِ الخِيارِ، ثم فُسِخَ البَيعُ، وجَب على البائِعِ الاسْتِبْراءُ، على المذهبِ. وعلى الثّانيةِ، لا يَلْزَمُه؛ لبَقاءِ المِلْك. ومنها، لو اشْتَرى أمَةً بشَرْطِ الخِيارِ، واسْتَبْرَأها في مُدَّتِه؛
فإنْ قُلْنا: المِلْكُ لم يَنْتَقِلْ إليه. لم يَكْفِه ذلك الاسْتِبْراءُ،
وإنْ قُلْنا بانْتِقالِه، فقال في «الهِدايَةِ»، و «المُغْنِي»، وغيرِهما: يَكْفِي. وذكَر في «التَّرْغيبِ»، و «المُحَرَّرِ» وَجْهَين لعدَمِ اسْتِقْرارِ المِلْكِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها، التَّصَرُّفُ في مُدَّةِ الخِيارِ والوَطْءُ. ويأْتِيان في كلامِ المُصَنِّفِ قرِيبًا.
فائدة: الحَمْلُ وَقْتَ العَقْدِ مَبِيعٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: إنْ قُلْنا: للحَمْلِ حُكْمٌ، فهو داخِلٌ في العَقدِ، ويأْخُذُ قِسْطًا مِنَ العِوَضِ،
وإنْ قُلْنا: لا حُكْمَ له. لم يأْخُذْ قِسْطًا، وكان، بعدَ وَضْعِه، حُكْمُه حُكْمَ النَّماءِ المُنْفَصِلِ.
فلو رُدَّتِ العَينُ بعَيبٍ، فإنْ قُلْنا: له حُكْمٌ. رُدَّ مع الأصْلِ، وإلَّا كان حُكْمُه حُكْمَ النَّماءِ. قال: وقياسُ المذهبِ، يَقْتَضِي أنَّ حُكْمَه حُكْمُ الأجْزاء، لا حُكْمُ الوَلَدِ المُنْفَصِلِ، فيَجِبُ رَدُّه معَ العَينِ،
وإنْ قُلْنا: لا حُكْمَ له. وهو أصحُّ. انتهى. وذكَر في أوَّلِ «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والثَّمانِين»، أنَّ القاضِيَ، وابنَ عَقِيل، وغيرَهما، قالوا: الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ له حُكْمًا. انتهى.
وعنه، الحَمْلُ نَماءٌ، فتُرَدُّ الأُمُّ بعَيبٍ بالثَّمَنِ كلِّه. قطَع به في «الوَسِيلَةِ»، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ». فعلى المذهبِ، هل هو كأحَدِ عَينَين، أو تَبَعٌ للأُمِّ لا حُكْمَ له؟ فيه رِوايَتان. ذكرَهما في «المُنْتخَبِ» في الصَّداقِ. وقد تقدَّم كلامُ ابنِ رَجَبٍ.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»، في أثْناءِ الفَلَسِ: وإنْ كانتْ حِينَ البَيعِ حامِلًا، ثم أفْلَسَ المُشْتَرِي، فله الرُّجُوعُ فيها وفي فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ، أوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لَهُ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ، أوْ فَسَخَاهُ.
وَلَدِها؛ لأنَّها إذا كانتْ حامِلًا حينَ البَيعِ، فقد باعَ عَينَين، وقد رجَع فيهما. فما حصَل مِن كَسْبٍ، أو نَماءٍ مُنْفَصِلٍ، فهو له، أمْضَيا العَقْدَ أو فَسَخاه. هذا مَبْنِيٌّ على المذهبِ؛ وهو أنَّه يَنْتَقِلُ المِلْكُ إلى المُشْتَرِي. وهذا المذهبُ، وعليه الأصْحابُ. وجزَم به في «القَواعِدِ» وغيرِها وقدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه، إنْ فسَخ أحدُهما، فالنَّماءُ المُنْفَصِلُ للبائِعِ.
وعنه، والكَسْبُ. وعلى الرِّوايَةِ الثَّنيةِ، يكونُ للبائعِ.
وقيل: هما للمُشْتَرِي إنْ ضَمِنَه. وتقدَّم ذلك في «الفَوائدِ».
وقال في «القاعِدَةِ الثَّانيَةِ والثَّمانِين»: لو فُسِخَ البَيعُ في مُدَّةِ الخِيارِ، وكان له نَماءٌ مُنْفَصِلٌ، فخرَّج في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ» وَجْهَين، كالفَسْخِ بالعَيبِ. وذكَر القاضي في «خِلافِه»، وابنُ عَقِيلٍ في «عُمَدِه»، أنَّ الفَسْخَ بالخِيارِ فَسْخ للعَقْدِ مِن أصْلِه؛ لأنَّه لم يَرْضَ فيه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . .
بلُزومِ البَيعِ، بخِلافِ الفَسْخِ بالعَيبِ ونحوه. فعلى هذا، يرْجِعُ بالنَّماءِ المُنْفَصِلِ في الخِيارِ،
بخِلافِ العَيبِ. انتهى. ويأْتِي في خِيارِ العَيبِ، هلِ الحَمْلُ والطَّلْعُ، والحَبُّ يَصِيرُ زَرْعًا، زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، أو مُنْفَصِلَةٌ؟ وَلَيسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ في الْمَبِيعِ في مُدَّةِ الْخِيَارِ، إلا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ.
وَإنْ تَصَرَّفَا بِبَيعٍ، أَوْ هِبَةٍ، وَنحْوهِمَا،
قال: (وينتقل الملك إلى المشتري بنفس العقد في أظهر الروايتين، فما حصل من كسب أو نماء منفصل فهو له أمضيا العقد أو فسخاه) .
أما كون الملك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد في أظهر الروايتين فلقوله صلى الله عليه وسلم:«من بَاع عبداً وله مال فماله للبائعِ إلا أن يَشترِطه المبتَاع» رواه البخاري. وجه الحجة أنه جعل المال للمبتاع إذا اشترطه وهو عام في كل بيع فيدخل فيه بيع الخيار.
وأما كونه لا ينتقل إلا بانقضاء الخيار في روايةٍ؛ فلأنه عقد قاصر لا يفيد التصرف ولا يلزم فلا ينتقل الملك فيه كالهبة قبل القبض.
والأولى أولى لما ذكر.
ولأنه بيع صحيح فنقل الملك عقيبه كما لو لم يشترط الخيار.
ولأن البيع تمليك بدليل أنه يصح بقوله: ملكتك فيثبت به الملك كالمطلق. ودعوى القصور فيه ممنوعة، وامتناع التصرف لأجل حق الغير لا يمنع ثبوت الملك كالمرهون والمبيع قبل القبض، وعدم اللزوم لا يوجب قصوراً ولا يمنع نقل الملك بدليل بيع المعيب.
وأما كون ما حصل من كسب أو نماء منفصل للمشتري مع إمضاء العقد ومع فسخه؛ فلأنه نماء ملكه الداخل في ضمانه.
ولأنه من ضمانه فيدخل في قوله عليه السلام:«الخراج بالضمان». قال الترمذي: هو صحيح.
وفي قول المصنف رحمه الله: أو نماء منفصل احتراز عن النماء المتصل كالسمن ونحوه فإن ذلك يتبع العين مع الفسخ لتعذر انفصاله. ولا بد أن يُلحظ في كون النماء المنفصل للمشتري أنه مبني على القول بأن الملك ينتقل بنفس العقد لأن على روايةِ الانتقال بانقضاء مدة الخيار يكون جميع ذلك للبائع لما ذكر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.