وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ فَعَلَيْهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْكِتَابَةِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَحَاصَّانِ
الشروح عليها
فصل: وهل يَحْتَسِبُ عليه بالمدَّةِ التي كان فيها عندَ الكُفَّارِ؟ على وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَحْتَسِبُ عليه بها؛ لأنَّ الكِتابَةَ اقْتَضَتْ تَمْكِينَه مِن التَّصَرُّفِ والكَسْبِ في هذه المدَّةِ،
فإذا لم يَحْصُلْ ذلك لم يَحْتَسِبْ، [كما لو حَبَسَه] سيدُه. فعلى هذا، يَبْنِي على ما مَضَى مِن المُدَّةِ قبلَ الأسْرِ، وتُلْغَى مُدَّةُ الأسْرِ، كأنَّها لم تُوجَدْ.
والثاني، يَحْتَسِبُ عليه بها؛ لأنَّها مِن مُدَّةِ الكِتابَةِ، مَضَتْ [مِن غيرِ] تَفْرِيطٍ مِن سيدِه، فاحْتَسَبَ عليه بها، كمرضِه، ولأنَّه مَدِينٌ مَضَتْ مُدَّةٌ مِن أجَلِ دَينه في حَبْسِه، فاحْتَسَبَ عليه، كسائِرِ الغُرَماءِ، وفارَقَ ما إذا حَبَسه سيدُه بما ذَكَرْناه. فعلى هذا، إذا حلَّ عليه نَجْمٌ عندَ اسْتِنقاذِه جازَتْ مُطالبَتُه به.
وإن حَلَّ ما يجوزُ تَعْجيزُه بتَرْكِ أدائِه فلسيدِه تَعْجِيزُه وردُّه إلى الرِّقِّ. وهل له ذلك بنَفْسِه أو بحُكْمِ الحاكمِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، له ذلك؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه الوُصولُ إلى المالِ في وَقْتِه، أشْبَهَ ما لو كان حاضِرًا، [يُحَقِّقُه أنَّه لو كان حاضِرًا] والمالُ غائِبًا يَتَعَذَّرُ إحْضارُه وأداؤُه في مُدَّةٍ قَريبَةٍ، كان لسيدِه الفَسْخُ، والمالُ ها هنا
إمَّا مَعْدومٌ وإمَّا غائِبٌ يَتَعَذَّرُ أداؤُه،
وفي كِلا الحالين يجوزُ الفَسْخُ.
والثاني، ليس له ذلك إلَّا بحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه مع الغَيبَةِ يحْتاجُ إلى أن يَبْحَثَ، هل له مالٌ أم لا, وليس كذلك إذا كان حاضِرًا، فإنَّه يُطالبُه،
فإن أدَّى، وإلَّا فقد عَجَّزَ نَفْسَه،
فإن فَسَخَ الكتابَةَ بِنَفْسِه أو بحُكْمِ الحاكِمِ، ثم خَلَص المُكاتَبُ، وادَّعَى أنَّ له مالًا في وَقْتِ الفَسْخِ يَفِي بما عليه، وأقامَ بذلك بَيَنةً، بَطَلَ الفَسْخُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يبْطُلَ حتى يَثْبُتَ أنَّه كان يمْكنه أداؤُه؛ لأنَّه إذا كان مُتَعَذِّرَ الأداءِ، كان وُجودُه كعَدَمِه. فصل: قال الشيخُ، رَضيَ الله عنه: (وإن جَنَى على سيدِه، أو أجْنَبِي، فعليه فِداءُ نَفْسِه مُقَدَّمًا على الكِتابَةِ. وقال أبو بكر: يتَحاصَّان) وجملةُ ذلك، أنَّ المُكاتَبَ إذا جَنَى جِنايةً مُوجِبةً للمالِ ، تَعَلَّقَ أرشُها برَقَبَتِه، ويُؤَدِّي مِن المالِ الذي في يَدِه.
وبهذا قال الحسنُ، والحَكَمُ، وحمادٌ، والأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ، والحسنُ بنُ صالح، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال عطاء، والنَّخَعِي، وعمرُو بنُ دِينارٍ: جنايَتُه على سيدِه.
وقال عَطاءٌ: ويَرْجِعُ سيدُه بها عليه.
وقال الزُّهْرِيُّ: إذا قَتَلَ رَجُلا خَطَأ، كانت كِتابَتُه ووَلاؤُه لوَلِيِّ المَقْتُولِ، إلَّا أن يَفْدِيَه سيدُه. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِه». ولأنَّها جِنايةُ عَبْدٍ، فلم تَجِبْ في ذِمَّةِ سيدِه، كالقِنِّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَبْدا بأداءِ الجِنايةِ قبلَ الكِتابة، سَواءٌ حَلَّ عليه نَجْمٌ أبي لم يَحِلَّ. نصَّ عليه أحمدُ، وهو المَعْمُولُ به في المذهبِ. وذكر أبو بكر قولًا آخرَ، أنَّ السيدَ يُشارِكُ ولِيَّ الجِنايةِ، فيضْرِبُ بما حَلَّ مِن نُجُوم كِتابتِه؛
لأنَّهما دَينان، فيتَحاصَّان، قياسا على سائِرِ الدُّيُونِ. ولَنا، أنَّ أرشَ الجِنايَةِ مِن العبدِ يُقَدَّمُ على سائِرِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقةِ به، ولذلك قُدِّمَتْ على حَقِّ المالكِ وحَقِّ المُرْتَهِنِ، وغيرهما، فوَجَبَ أن تُقَدَّمَ ها هُنا. يُحَقِّقُه أنَّ [أرْشَ الجِنايةِ] مُقَدَّمٌ على مِلْكِ السيدِ في عبدِه، فيَجِبُ تقديمُه على عِوَضِه، وهو مالُ الكِتابَة، بطرِيقِ الأوْلَى؛ لأنَّ المِلْكَ فيه قبلَ الكِتابةِ كان مُسْتَقِرًا، ودَين الكتابةِ غيرُ مُسْتَقِرٍّ،
فإذا قُدِّمَ على المُسْتَقِرِّ، فعلى غيرِه أوْلَى. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَفْدِي نَفْسَه بأقَلِّ الأمْرَين؛ مِن قِيمَتِه أو أرْشِ جِنايَته؛ لأنَّه إن كان أرشُ الجنايةِ أقَلَّ، فلا يَلْزَمُه أكْثرُ مِن مُوجَب جِنايَته، وهو أرْشُها،
وإن كان أكثرَ، لم يكُنْ عليه أكثرُ مِن قِيمَتِه؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أكثرُ مِن بَذْلِ المَحَلِّ الذي تَعَلَّقَ به الأرْشُ.
فإن بدأ بدَفْعِ المالِ إلى وَلِيِّ الجِنايَةِ، فوَفَّى بأرْشِ الجِنايةِ، وإلَّا باع الحاكِمُ منه بما بقِيَ مِن أرْشِها، [وبَطَلَ الكِتابَةُ فيما باع منه]، وباقِيه باقٍ على كِتابَتِه.
وإنِ اختار السيدُ الفَسْخَ فله ذك، ويَعُودُ عَبْدًا قِنًّا مُشْتَرَكًا بينَ السيدِ والمُشْتَرِي.
وإن أبقاه السيدُ على الكِتابَةِ، فأدَّى، عَتَقَ بالكِتابَةِ، وسَرَى العِتْقُ إلى باقِيه إن كان المُكاتَبُ مُوسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه،
وإن كان مُعْسِرًا، عَتَقَ منه ما عَتَقَ، وباقِيه رَقِيقٌ.
فإن لم يكُنْ في يَدِه مالٌ، ولم يفِ بالجِنايةِ إلَّا قِيمَتُه كلُّها، بِيعَ كُلُّه فيها، وبَطَلَتْ كِتابَتُه.
فصل: وإن بَدَأ بدَفْعَ المالِ إلى سيدِه، وكان وَلِيُّ الجِنَايةِ سألَ الحاكمَ فحَجَرَ على المُكاتَبِ، ثَبَتَ الحَجْرُ عليه، وكان النَّظرُ فيه إلى الحاكمِ، فلا يَصِحُّ دَفْعُه إلى سيدِه، ويَرْتَجِعُه الحاكمُ، ويُسَلِّمُه إلى وَلِيِّ الجنايةِ،
فإن وَفَّى، وإلَّا كان الحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا مِن قبلي.
وإن لم يكُنِ الحاكمٌ حَجَرَ عليه صَحَّ دَفْعُه إلى السيدِ؛ لأنَّه يَقضِي حَقًّا عليه، فجاز، كما لو قَضَى بعضَ غُرَمائِه قبلَ الحَجْرِ عليه.
فإن كان ما دَفَعَه إليه جميعَ مالِ الكتابةِ عَتَقَ. ٣٠١٨ -
(وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ فَعَلَيْهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ) أَيْ: إِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ، تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ،
وَقَالَ قَوْمٌ: جِنَايَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ،
وَقَالَ آخَرُونَ: يَرْجِعُ بِهَا سَيِّدُهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ، يَبْدَأُ بِأَدَاءِ الْجِنَايَةِ (مُقَدَّمًا عَلَى الْكِتَابَةِ) سَوَاءٌ حَلَّ نَجْمٌ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ جِنَايَتَهُ تُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمِلْكِ إِذَا كَانَ قِنًّا، فَعَلَى حَقِّهِ فِي الْمُكَاتَبِ أَوْلَى (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَحَاصَّانِ) لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَتَسَاوَيَا،
وَكَذَا إِنْ أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ
وإنْ جنَى على سَيِّدِه، أو أجْنَبِيٍّ، فعليه فِداءُ نَفْسِه -أي بقِيمَتِه- مُقَدَّمًا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الكِتابَةِ. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال الشَّارِحُ: هذا المَعْمولُ به في المذهبِ. قال المُصَنِّفُ: اتَّفَقَ أصحابُنا على ذلك. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَررِ»، و «الفُروعِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو قتَلَه السَّيِّدُ، لَزِمَه الفِداءُ،
وكذا إنْ أعْتَقَه، ويسْقُطُ في الأصحِّ، إنْ كانتِ الجِنايَةُ على سيِّدِه. قاله في «الترْغيب»، واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم.
وقال أبو بكر: يَتَحاصَّان. فعلى هذا، يَقْسِمُ الحاكِمُ وَإنْ عَتَقَ، فَعَلَيه فِدَاءُ نَفْسِهِ،
وَإنْ عَجَزَ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ، إِنْ كَانت الْجِنَايَةُ علَيهِ.
وَإنْ كَانت عَلَى أَجْنَبِي، فَفَدَاهُ سَيِّدُهُ، وَإلَّا فُسِخَتِ الْكِتَابَا, وَبِيعَ في الجِنَايَةِ.
المال بينَهما على قَدْرِ حَقِّهما. وعلى المذهبِ، لو أدَّى مُبادِرًا, وليس مَحْجُورًا عليه، عتَقَ، واسْتَقَرَّ الفِداءُ،
وإنْ كان بعدَ الحَجْرِ، لم يصِحَّ، ووجَب رُجوعُه إلى وَلِيِّ الجِنايَةِ.
فصل [إذا جنى المكاتب] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن جنى على سيده أو أجنبي فعليه فداء نفسه مقدماً على الكتابة. وقال أبو بكر: يتحاصّان) .
أما كون المكاتب إذا جنى: عليه فداء نفسه؛ فلأنه هو الجاني،
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يجني جانٍ إلا على نفسِه».
ولأنه كالحر في باب المعاملات. فكذلك في الجنايات.
وأما كون ذلك مقدماً على الكتابة على المذهب؛ فلأن أرش الجناية مستقر، والكتابة غير مستقرة.
وأما كون الجناية والكتابة يتحاصان على قول أبي بكر؛ فلأنهما اشتركا في الاستحقاق.
والأول المعمول به في المذهب؛ لما ذكر من الترجيح.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.