وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَسَّلَ فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرَ الْإِقَامَةِ
الشروح عليها
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَتَرَسَلَ في الأذانِ، ويحدُرَ الإقامَةَ) التَّرسُّلُ: التَّمَهُّلُ والتَّأنِّي. مِن قَوْلِهم: جاء فُلانٌ على رِسْلِه. والحَدرُ: ضِدُّ ذلك، وهو الإسراعُ. وهو بن آدابِ الأذانِ ومُسْتَحباتِه. وهذا مَذْهبُ ابنِ عُمَرَ، وبه قال الثوْريُّ والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَور، وأبو حنيفةَ، وصاحِباه، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نعلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لبِلالٍ:«إذَا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وإذَا أقمتَ فَاحْدُر». رَواه الترمِذيُّ ،
وقال: إسْناده مَجْهُول. وروَى أبو عُبَيدٍ، بإسْنادِه، عن عُمَرَ، رَضِي الله عنه، أنَّه قال للْمُؤدنِ: إذَا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ،
وإذا أقَمتَ فاحْذِم . وأصلُ الحَذْمِ في المَشْي: الإسْراعُ. ولأنّه يَحصُلُ به الفَرق بينَ الأذانِ والإقامَةِ، فاسْتُحِبَّ، كالإفْرادِ، ولأن الأذانَ إعلامُ الغائِبِين، فالتَّثبُّتُ فيه أبلَغُ في الإعلام، والإقامَة إعلام الحاضِرِين، فلا حاجَة إليه فيها. وذَكَر أبو عبد الله بن بَطَّةَ، أنَّه في الأذانِ والإقامَةِ لا يَصِلُ الكلامَ بعضَه ببعض مُعرِبًا، بل جَزْمًا. وحَكاهُ ابنُ الأنْبارِي عن أهلِ اللُّغَةِ، ورُوي عن إبراهيمَ النَّخَعِي، أنَّه قال: شيئان مَجْزُومان كانوا لا يُعرِبونَهما؛ الأذان والإقامَة.
وهذا إشارَة إلى جَميعِهم.
٢٦٨ -
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَسَّلَ) أَيْ: يَتَمَهَّلَ، وَيَتَأَنَّى مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاءَ فُلَانٌ عَلَى رِسْلِهِ (فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرَ) أَيْ: يُسْرِعَ (الْإِقَامَةِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ:«يَا بِلَالُ إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ صَاحِبِ السِّقَاءِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " وَعَنْ عُمَرَ مَعْنَاهُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَلِأَنَّهُ إِعْلَامُ الْغَائِبِينَ، فَالتَّثَبُّتُ فِيهِ أَبْلَغُ، وَالْإِقَامَةَ إِعْلَامُ الْحَاضِرِينَ فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِيهَا،
وَيُسَنُّ أَذَانُهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَى كُلِّ جُمْلَةٍ، قَالَ جَمَاعَةٌ: هُمَا مَجْزُومَانِ، وَحُكِيَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ.
[الْأَذَانُ قَائِمًا مُتَطَهِّرًا]
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (ويستحب أن يَتَرَسَّلَ في الأذان. ويحدر الإقامة (٢) . ويؤذن قائماً متطهراً على موضع عال مستقبل القبلة.
فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر. ويجعل أصبعيه في أذنيه. ويتولاهما معاً. ويقيم في موضع أذانه إلا أن يشق عليه).
أما كون المؤذن يستحب أن يَتَرَسّل في الأذان -وهو التمهل والتأني. من قولهم جاء فلان على رِسْله- وأن يحدر الإقامة وهو الإسراع؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر». رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث غريب.
وأما كونه يستحب أن يؤذن قائماً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: قم فأذن».
ولأنه أبلغ في الإسماع.
وأما كونه يستحب أن يؤذن متطهراً؛ فلأن أبا هريرة قال:«لا يؤذن إلا متوضئ». وروي مرفوعاً. أخرجه الترمذي.
وأما كونه يستحب أن يؤذن على موضع عال؛ فلأنه أبلغ في الإعلام.
وأما كونه يستحب أن يؤذن مستقبل القبلة فاقتداء بمؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنه دعاء إلى جهة القبلة فاقتضى أن يكون من سنته التوجه إليها.
وأما كونه يستحب أن يلتفت إذا بلغ الحيعلة يميناً وشمالاً ولا يستدبر القبلة؛ فلما روى أبو جحيفة قال:«أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة له حمراء من أدم. فأذن بلال فجعلت أتتبع فاه يقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح» متفق عليه.
وفي لفظ:«ولم يستدر» رواه أبو داود.
وأما كونه يستحب أن يجعل أصبعيه في أذنيه؛ فلأن في حديث أبي جحيفة:«وأصبعاه في أذنيه» رواه الترمذي.
وأما كونه يستحب أن يتولى الأذان والإقامة معاً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن أخا صداء أذّن ومن أذّن فهو يقيم» من المسند.
ولأنهما فصلان من الذكر يندبان للصلاة فاستحب أن يتولاهما واحد كالخطبتين.
وأما كونه يستحب أن يقيم في موضع أذانه إذا لم يشق عليه؛ فلأن الإقامة مشروعة للإعلام فشرعت في موضع الأذان ليكون أبلغ.
ولأنه فصل باق من الذكر يتقدم عليه فصل من جنسه فكان محلهما واحد كالخطبتين.
فإن قيل: المراد بالإقامة في موضع الأذان عدم التأخر عنه مطلقاً أم لا.
قيل: التأخر عنه باليسير غير البعيد لا يخل بالسنة لأن في حديث عبدالله بن زيد «فاستأخر غير بعيد».
وأما كونه لا يستحب ذلك إذا شق عليه مثل أن يكون في منارة أو شبهها؛ فلأن فيه تفويتاً للركعة الأولى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.