وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ، لَمْ يَصِحَّ
الشروح عليها
مسألة: (فإن تَقَدَّمَ القَبُولُ الإِيجابَ، لم يَصِحَّ) سَواءٌ كان بلَفْظِ الماضِي، مثلَ أن يقولَ: تَزَوَّجْتُ ابْنَاتك . فيقولَ: زَوَّجْتُكَ. أو بلَفْظِ الطَّلَبِ، كقَوْلِه: زَوِّجْنِي ابْنَاتَكَ. فيَقُولُ: زَوَّجْتُكَها.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ: يَصِحُّ فيهما حميعًا؛ لأنَّه قد وُجِدَ الإِيجابُ والقَبُولُ، فصَحَّ، كما لو تَقَدَّمَ الإِيجابُ. ولَنا، أنَّ القَبُولَ إنَّما يكونُ للإِيجابِ، فمتى وُجِدَ قبلَه ، لم يَكُنْ قَبُولًا؛ لعَدَمِ مَعْناه، فلم يَصِحَّ، كما لو تَقَدَّمَ بلَفظِ الاسْتِفْهامِ، ولأنَّه لو تَأخَّرَ عن الإِيجابِ بلَفْظِ الطَّلَبِ، لم يَصِحَّ،
فإذا تَقَدَّمَ كان أولَى، كصِيغَةِ الاسْتِفْهامِ، ولأنَّه لو أتَى بالصِّيغَةِ المَشْرُوعَةِ مُتَقَدِّمَةً فقال: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ. فقال الوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي. لم يَصِحَّ، فلأن لا يَصِحَّ إذا أتَى بغيرِها أوْلَى.
فإن قالُوا: يَصِحُّ كالبَيعِ والخُلْعِ. قُلْنا: البَيعُ لا يُشْتَرَطُ فيه صِيغَةُ الإِيجابِ، بل يَصِحُّ بالمُعاطَاةِ، ولا يَتَعَيَّنُ فيه لَفْظٌ، بل يَصِحُّ بأيِّ لَفْظٍ كان إذا أدَّى المَعْنَى،
ولا يَلْزَمُ الخُلْعُ؛ لأنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُه على الشُّرُوطِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ إذا تَقَدَّمَ بلَفْظِ الطَّلبِ؛ لأنَّ في حديثِ المرأةِ التي وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقامَتْ طويلًا، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، زَوِّجْنِيهَا إن لم يَكُنْ لك بها حاجَةٌ. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ». وهو حديث صَحِيحٌ، رَواه البخارِي . ولم يُنْقَلْ أنَّه قال: قَبِلْتُ. ولا ما يُودِّي مَعْناه، والظاهرُ أنَّه لو وُجِدَ منه لَفْظٌ لَنُقِلَ.
وعلى قياسِ ذلك إذا تَقدَّمَ بلَفْظِ الماضِى.
فصل: إذا عَقَد النِّكاحَ هازِلًا أو تَلْجِئةً، صَحَّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ وَجِدُّهُنَّ جِدٌّ؛ الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، والرَّجْعَةُ». رَواه التِّرْمِذِيُّ . وعن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا، أوْ طَلَّقَ لَاعِبًا، أوْ أعْتَقَ لَاعِبًا، جَازَ» .
وقال عمرُ: أرْبَعٌ جائِزاتٌ إذا تُكلِّمَ بهِنَّ؛ الطَّلاقُ، والعَتَاقُ، والنِّكاحُ، والنَّذْرُ .
وقال عليٌّ: أرْبَعٌ لا لَعِبَ فِيهِنَّ، الطَّلاقُ، والعَتَاقُ، والنِّكاحُ، والنَّذْرُ.
٣٠٨٧ -
(وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ، لَمْ يَصِحَّ) سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي: كَتَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ، فَيَقُولُ: زَوَّجْتُكَ، أَوْ بِلَفْظِ الطَّلَبِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، فَيَقُولُ زَوَّجْتُكَهَا ; لِأَنَّ الْقَبُولَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ،
فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا ; لِعَدَمِ مَعْنَاهُ، وَكَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ فِيهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ هَذِهِ الصِّيغَةُ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ هَذَا اللَّفْظُ، بَلْ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ أَدَّى الْمَعْنَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُلْعِ وَالنِّكَاحِ، أَنَّ الْخُلْعَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ
وإنْ تقَدَّمَ القَبُولُ الإيجابَ، لم يصِحَّ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «البُلْغةِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُحَرَّرِ»،
وقال: رِوايَةً . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحِدةً. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وذكَر ابنُ عَقِيل وجماعَةٌ رِوايَةً بالصِّحَّةِ، منهم صاحِبُ «الفائقِ»، إذا تقدَّم بلَفْظِ الماضي أو الأمْرِ.
قال النَّاظِم:
وإنْ يَتَقَدَّمْ لم نُصَحِّحْه بَتَّةً ...
ولو صحَّحُوا تقْدِيمَه لم أُبَعِّدِ
وقال في «الرِّعايَةِ» مِن عندِه: لو قال: زَوِّجْنِي. فقال: زوَّجْتُك. أو قال له وَإنْ تَرَاخَى عَنْهُ، صَحَّ، مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يقطعهُ فَإِنْ تفَرَّقَا قَبْلَهُ، بَطَلَ الإيجَابُ.
وَعَنْهُ، لَا يَبْطُلُ.
الوَليّ: تزَوَّجْتَ. فقال: تزَوجْتُ. صحَّ.
وقال المُصَنِّفُ: ويَحْتَمِلُ أنْ يصِحَّ، إذا تقدَّم بلَفْظِ الطلَبِ.
تنبيه: قوْلُه: وإنْ تَراخَى عنه، صَحَّ، ما داما في المَجْلِسِ، ولم يتشاغَلا بما يقْطعه. يعْنِي، في العُرْفِ.
قال: (وإن تقدم القبول الإيجاب لم يصح. وإن تراخى عنه صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه. فإن تفرقا قبله (١) بطل الإيجاب.
وعنه: لا يبطل).
أما كون القبول إذا تقدم الإيجاب في باب النكاح لا يصح بلا خلاف في المذهب سواء كان بلفظ الماضي كقولك: تزوجتُ ابنتك فيقول: زوجتك، أو بلفظ الطلب كقولك: زوجني ابنتك فيقول: زوجتك، أو بلفظ الاستفهام كقولك: أتزوجني ابنتك؟ فيقول: زوجتك؛ فلأن القبول إنما يكون للإيجاب. فمتى وجد قبله لم يكن قبولاً لعدم معناه.
ولأنه لو تقدم بلفظ الاستفهام لم يصح في موضع وفاقاً. فكذلك إذا تقدم بلفظ الماضي أو الطلب.
فإن قيل: ما الفرق بين النكاح والبيع على إحدى الروايتين؟
قيل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه لا يشترط للبيع صيغة الإيجاب والقبول. بل يصح بالمعاطاة.
وثانيهما: أنه لا يتعين فيه اللفظ. بل يصح بأيّ لفظ كان مما يؤدي المعنى.
فإن قيل: فما الفرق بين النكاح والخلع؟
قيل: الفرق بينهما ظاهر لأن الخلع يصح بتعليقه على الشروط.
بخلاف النكاح.
وأما كون القبول إذا تراخى عن الإيجاب يصح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه؛ فلأن حكم المجلس حكم حالة العقد. بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه، وبثبوت الخيار في عقود المعاوضات المحضة.
واشترط المصنف في صحة القبول في المجلس: أن لا يتشاغلا بما يقطعه لأن مع التشاغل يعدّ كالمعرض عن الإيجاب. فلم يصح القبول بعده؛ كما لو رده.
وأما كون الإيجاب يبطل إذا تفرق الولي والزوج قبل القبول على المذهب؛ فلأن التفرق قبل القبول إعراض عن الإيجاب. أشبه ما لو رده.
وأما كونه لا يبطل على روايةٍ فبالقياس على القبول في المجلس.
فإن قيل: ما صورة القبول بعد التفرق؟
قيل: ما روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قيل له: إن رجلاً مضى إلى قوم. فقالوا له: زوّج فلاناً. قال: زوّجته على ألف. فرجعوا إلى الزوج فأخبروه. فقال: قد قبلت. هل يكون هذا نكاحاً؟ قال: نعم.
قال القاضي: هذا محمول على أنه وكل من قبل العقد في المجلس.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.