وَعَنْهُ: لَهَا تَزْوِيجُ أَمَتِهَا وَمُعْتَقَتِهَا فَيَخْرُجُ مِنْهُ صِحَّةُ تَزْوِيجِ نَفْسِهَا بِإِذْنِ وَلَيِّهَا، وَتَزْوِيجُ غَيْرِهَا بِالْوِكَالَةِ وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا
الشروح عليها
مسألة: (وعن أحمدَ) أنَّ (لها تَزْويجَ أمَتِها ومُعْتَقَتِها) وهذا يَدُلُّ على أنَّه تَصِحُّ عِبارَتُها في النِّكاحِ (فيُخرَّجُ منه) أنَّ لها (تَزْويجَ نَفْسِها بإذْنِ وَلِيِّها، وغيرِها بالوَكالةِ) وهو مذهبُ محمدِ بن الحسنِ. ويَنْبَغِي أن يكونَ قوْلًا لابنِ سِيرينَ ومَن معه؛ لأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ». يَدُلُّ بمَفْهُومِه على صِحَّتِه بإذْنِه. ولأنَّها إنَّما مُنِعَت الاسْتِقْلال بالنِّكاحِ لِقُصُورِ عَقْلِها، فلا يُؤْمَنُ انْخِداعُها ووُقُوعُه منها على وَجْهِ المَفْسَدَةِ، وهذا مَأْمُونٌ فيما إذا أذِنَ فيه وَلِيُّها (والمذهبُ الأوَّلُ) لعمومِ قولِه: «لَا نِكَاحَ إلَّا بوَلِيٍّ».
وهذا يُقَدَّمُ على دليلِ الخِطابِ، والتَّخْصِيصُ ههُنا خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ،
فإنَّ الغالِبَ أنَّها لا تُزَوِّجُ نَفْسَها إلَّا بغيرِ إذْنِ وَلِيِّها، والعِلَّةُ في مَنْعِها صِيانَتُها عن مُباشَرَةِ ما يُشْعِرُ بوَقاحَتِها ورُعُونَتِها ومَيلِها إلى الرِّجالِ، وذلك يُنافِي حال أهلِ الصِّيانَةِ والمُرُوءَةِ.
فصل: فإن حَكَمَ بصِحَّةِ هذا العَقْدِ حاكِمٌ، أو كان المُتَوَلِّي لعَقْدِه حاكِمًا، لم يَجُزْ نَقْضُه،
وكذلك سائِرُ الأنْكِحَةِ الفاسدةِ. وخَرَّجَ القاضي وَجْهًا في هذا خاصَّةً أنَّه يُنْقَضُ. وهو قولُ الإِصْطَخْرِيِّ مِن أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه خالفَ نَصًّا. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّها مَسألةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، ويَسُوغُ فيها الاجْتِهادُ، فلم يَجُزْ نَقْضُ الحُكْمِ به، كما لو حَكَمَ بالشُّفْعَةِ للجارِ، وهذا النَّصُّ مُتَأَوَّلٌ،
وفي صِحتِه كلامٌ، وقد عارَضَتْه ظواهِرُ. ٣١٠١ - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ المرأةِ الحُرَّةِ أبُوها) إنَّما قَيَّدَ المرأةَ بالحريَّةِ ؛ لأنَّ الأمَةَ لا ولايةَ لأبِيها عليها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. وأوْلَى النَّاسِ بتَزْويجِها أبُوها؛ لأنَّه لا ولايَةَ لأحَدٍ معه. وبهذا قال الشافعيُّ. وهو المَشْهُورُ عن أبي حنيفةَ.
وقال مالكٌ، والعَنْبَرِيُّ، وأبو يوسفَ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: الابنُ أَوْلَى. وهي رِوايَةٌ عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّه أوْلَى منه بالمِيرَاثِ، وأقْوَى تَعْصِيبًا؛ لأنَّه يُسْقِطُ تَعْصِيبَ جَدِّه. ولَنا، أنَّ الوَلَدَ مَوْهُوبٌ لأبِيه، قال اللهُ تعالى:{وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى}.
وقال زَكَرِيَّا:{رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً}.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبيكَ». وإثْباتُ ولايَةِ المَوْهُوبِ له على الهِبَةِ أوْلَى مِن العَكْسِ، ولأنَّ الأبَ أكْمَلُ نَظرًا، وأشَدُّ شَفَقَةً، فوَجَبَ تَقْدِيمُه في الولايَةِ، كتَقْدِيمِه على الجَدِّ، ولأنَّ الأبَ يَقُومُ على وَلَدِه في صِغَرِه وسَفَهِه وجُنُونِه، فَيَلِيه في سائِرِ ما تَثْبُتُ الولايَةُ عليه فيه،
بخِلافِ الابنَ، ولذلك اخْتَصَّ بولايةِ المالِ، وجازَ له أن يَشْتَرِيَ لها مِن مالِه، وله مِن مالِها، إذا كانت صغيرةً،
بخِلافِ غيرِه، ولأنَّ الولايَةَ احْتِكامٌ، وإحْكامُ الأصْلِ على فَرْعِه أَوْلَى مِن العَكْسِ، وفارَقَ المِيراثَ، فإنَّه لا يُعْتبَرُ له النَّظرُ، ولهذا يَرِثُ الصَّبِيُّ والمجْنُونُ، وليس فيه احْتِكامٌ ولا ولايةٌ على المَوْرُوثِ،
بخِلافِ مما نحنُ فيه. ٣١٠٢ -
(وَعَنْهُ: لَهَا تَزْوِيجُ أَمَتِهَا) ; لِأَنَّهَا ملكُهَا، وَوِلَايَتُهَا عَلَيْهَا لَهَا، فَكَانَ لَهَا تَزْوِيجُهَا كَالسَّيِّدِ (وَمُعْتَقَتِهَا) ; لِأَنَّ الْوِلَايَةَ كَانَتْ لَهَا عَلَيْهَا، فَوَجَبَ اسْتِصْحَابُهَا ; وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالْمِلْكِ، (فَيَخْرُجُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ هَذَا الْقَوْلِ (صِحَّةُ تَزْوِيجِ نَفْسِهَا بِإِذْنِ وَلَيِّهَا، وَتَزْوِيجُ غَيْرِهَا بِالْوِكَالَةِ) ; لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ أَهْلًا لِمُبَاشَرَةِ تَزْوِيجِ أَمَتِهَا وَمُعْتَقَتِهَا، فَلِأَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِمُبَاشَرَةِ وَتَزْوِيجِ نَفْسِهَا وَغَيْرِهَا بِالْوِكَالَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عَائِشَةَ تَوَلَّتْ نِكَاحَ بِنْتِ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ;
وَلِأَنَّهَا شَخْصٌ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ بِنَفْسِهِ، فَيَتَوَلَّى عَقْدَ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ كَالْغُلَامِ،
وَعَنْهُ: تُزَوِّجُ نَفْسَهَا مُطْلَقًا، وَخَصَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِحَالِ الْعُذْرِ كَمَا إِذَا عُدِمَ الْوَلِيُّ أَوِ السُّلْطَانُ، وَاخْتُلِفَ فِي مَأْخَذِهَا، فَابْنُ عَقِيلٍ أَخَذَهَا مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي دِهْقَانِ الْقَرْيَةِ يُزَوِّجُ مَنِ الْأَوْلَى لَهَا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَاكِمِهَا، وَغَلَّطَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَخَذَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى مِمَّا أَخَذَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِالْآيَةِ،
وَبِقَوْلِهِ: فَإِنْ طَلَّقَهَا، فَأَبَاحَ فِعْلَهَا فِي نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْوَلِيِّ ; وَبِدَلِيلِ خِطْبَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُمَّ سَلَمَةَ،
فَإِنَّ أَهْلَ التَّارِيخِ قَالُوا: إِنَّهُ كَانَ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ،
وَمِثْلُهُ لَا تَصِحُّ وِلَايَتُهُ، وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ حَدِيثِ:«لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ،
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ: مَا أَرَاهُ صَحِيحًا ; لِأَنَّ عَائِشَةَ فَعَلَتْ بِخِلَافِهِ،
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ
بِخِلَافِ ذَلِكَ، قَالَهُ أَحْمَدُ، (وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ) ; لِمَا ذَكَرْنَا، وَصَوْنًا لَهَا عَنْ مُبَاشَرَةِ مَا يَشْعُرُ بِوَقَاحَتِهَا وَرُعُونَتِهَا وَمَيْلِهَا إِلَى الرِّجَالِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُبَاشِرَ النِّكَاحَ تَحْصِيلًا لِذَلِكَ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ تَقَدَّمَ، وَهُوَ نِكَاحُ الْبَائِنَةِ فِي أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَتَزْوِيجِهِ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ، كَمَا لَا تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ فِي حَقِّهِ، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عَنْ إِمَامِنَا تَصْحِيحُهُ، وَالْحَمْلُ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ، فَرِوَايَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَهُوَ ثِقَةٌ كَبِيرٌ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَّا الْبُخَارِيُّ ; لِأَحَادِيثَ انْفَرَدَ بِهَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُرَدُّ بِهِ الْحَدِيثُ، وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ» . . . إِلَى آخِرِهِ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَصِيرِ إِلَى الْبُطْلَانِ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ مِنَ الْقَوْلِ لَا يَجُوزُ تَأْكِيدُهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ. فَعَلَى هَذَا إِذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَكَفُضُولِيٍّ،
فَإِنْ أَبَى فَسَخَهُ حَاكِمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: إِذَا حَكَمَ بِصِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ حَاكِمٌ، أَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لَهُ حَاكِمًا، لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ،
وَقِيلَ يُنْقَضُ هُنَا، وَاخْتَارَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ،
فَإِنْ وَطِئَ فِيهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّهِ،
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ مَنْصُوصٍ عَلَى بُطْلَانِهِ.
[أَحَقُّ النَّاسِ بِالْوِلَايَةِ] (وَأَحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى} ; لِأَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ،
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} ،
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَإِثْبَاتُ وِلَايَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ ; لِأَنَّ الْأَبَ أَكْمَلُ نَظَرًا، وَأَشَدُّ شَفَقَةً،
بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مِنْ مَالِهِ وَلَهُ مِنْ مَالِهَا،
وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَيْهِ كَالْمِيرَاثِ، وَأَخَذَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " مِنْ نَقْلِ حَنْبَلٍ: الْعُصْبَةُ: مَنْ أَحْرَزَ الْمَالَ
فيُخَرَّجُ منه صِحَّةُ تَزْويجِ نَفْسِها بإذْنِ وَلِيِّها، وتَزْويجِ غيرِها بالوَكالةِ. يعْنِي، على رِوايَةِ أنَّ لها تَزْويجَ أَمَتِها ومُعْتَقَتِها. وخرَّجه أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، والمَجْدُ في «المُحَرَّرِ»، وغيرُهم. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الله: هذا التَّخْريجُ غَلَطٌ. قال الزَّرْكَشِيُّ، وصاحبُ «تَجْريدِ العِنايَةِ» عن هذا التخريجِ: ليسَ بشيءٍ. وفرَّق القاضي وعامَّةُ الأصحابِ -على رِوايَةِ تَزْويج أمَتِها ومُعْتَقَتِها- بينَ تَزْويجِ أمَتِها، وتَزْويجِ نَفْسِها وغيرِها؛ بأنَّ التَّزْويجَ على المِلْكِ لا يحْتاجُ إلى أهْلِيَّةِ الولايَةِ، بدَليلِ تزْويجِ الفاسِقِ مَمْلُوكَتَه.
تنبيه: فعلى المذهبِ، يُزَوِّجُ أمَتَها بإذْنِها مَن يُزَوِّجُها. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، يُزَوِّجُها أيُّ رَجُلٍ أذِنَتْ له. [هذا إذا كانتْ رَشِيدَةً،
فأمَّا المَحْجورُ عليها، فيُزَوِّجُ أَمَتَها وَلِيُّها في مالِها خاصَّةً. قاله في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، وغيرُهم، وقطَعُوا به] . وعلى المذهبِ، إذا زوَّجَها وَلِيُّها بإذْنِها فلا بُدَّ مِن نُطْقِها بالإِذْنِ؛ ثَيِّبًا كانتْ أو بِكْرًا. وعلى المذهبِ أيضًا، لو زُوِّجَتْ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّها، فهو نِكاحُ الفُضُولِيِّ، وفيه طَرِيقان؛ أحدُهما، فيه الخِلافُ الذي في تَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ، على ما تقدَّم في كِتابِ البَيعِ. وتقدَّم أنَّ الصَّحيحَ مِن المذهب البُطْلانُ. وهذه طَرِيقةُ القاضي والأكْثَرِين.
وهي الصَّحيحَةُ مِن المذهبِ. والطَّريقُ الثَّاني، القَطْعُ ببُطْلانِه. وهي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طريقةُ أبِي بَكْرٍ، وابنِ أبِي مُوسى. ونصَّ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه الله، على التَّفْريقِ بينَ البَيعِ والنِّكاحِ، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ. فعلى القَوْلِ بفَسادِ النِّكاحِ، وهو المذهبُ، لا يحِل الوَطْءُ فيه وعليه فِراقُها،
فإنْ أبَى، فسَخَه الحاكِمُ، فإنْ وَطِئَ، فلا حَدَّ عليه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله. وقدَّمه في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه.
وعنه، عليه الحَدُّ. وحُكِيَ عنِ ابنِ حامِدٍ. وأطْلَقهما في «الفائقِ».
فائدة: لو حكَم بصِحَّتِه حاكِمٌ، لم يُنْقَضْ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ». وصحَّحه المَجْدُ في «شَرْحِه».
وقيل: يُنْقَضُ. خرَّجه القاضي. وهو قولُ الإِصْطَخْرِيِّ مِن الشَّافِعِيَّةِ. وأطْلَقهما في «الفائقِ»، و «الفُروعِ»، فقال: وهل ثبَت بنَصٍّ فيَنتقِضَ حُكْمُ مَن حكَم بصِحَّتِه؟ فيه وَجْهان.
وفي «الوَسيلَةِ» رِوايَتان.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ،
في قوْلِه: وعنه، لها تَزْويجُ أَمَتِها ومُعْتَقَتِها. أن المُعْتَقَةَ كالأمَةِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وَأحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا، قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهو أصحُّ. واخْتارَه ابنُ أبِي الحَجَرِ مِن أصحابِنا، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ.
وعنه، لا تَلِي نِكاحَ المُعْتَقَةِ. وأطْلَقهما في «الفُروعِ». فعلى الأُولَى، إنْ طَلبَتْ وأذِنَتْ، زوَّجَتْها،
فلو عضَلَتْ، زَوَّجَ وَليُّها. لكِنْ في إذْنِ السُّلْطانِ وَجْهان في «التَّرْغِيبِ». واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ».
قلتُ: قاعِدَةُ المذهبِ تَقْتَضِي عدَمَ إِذْنِه. وعلى الثَّانيةِ، يُزَوِّجُها بدونِ إذْنِها أقْرَبُ عَصَبَتِها، ثم السُّلْطانُ، ويُجْبِرُها مَن يُجْبِرُ سيِّدَتَها.
قلتُ: الأَوْلَى، على هذه الرِّوايَةِ، أن لا تُجْبَرَ المُعْتَقَةُ الكَبِيرَةُ.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: المُعْتَقَةُ في المرَضِ، هل يُزَوِّجُها قَرِيبُها؛ فيه وَجْهان.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وقيل: يَمْلِكُ إجْبارَها مَنْ يَمْلِكُ إجْبارَ سيِّدَتِها التي أعْتَقَتْها. قال: وهو بعيدٌ. وهو كما
قال في الكَبِيرَةِ. [وظاهِرُ كلامِه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، أنَّه ليس له ولايةُ إجْبارٍ في تَزْويجِ المُعْتَقَةِ مُطْلَقًا] . وأحَقُّ النَّاسِ بنِكاحِ المَرْأَةِ الحُرَّةِ أبُوها، ثم أبُوه وإنْ عَلا، ثم ابنُها، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم ابنُه وإنْ سَفَلَ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، يُقَدَّمُ الابنُ وابنُه على ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلا، الأبِ والجَدِّ. ذكَرَه ابنُ المَنِّيِّ في «تَعْلِيقِه». وأخَذَه أبو الخَطاب في «انْتِصارِه» مِن قوْلِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: العَصَبَةُ فيه مَن أحْرَزَ المال. وخرجه الشّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله، مِن رِوايَةِ تقْديمِ الأخِ على الجَدِّ؛ لاشْتِراكِهما في المَعْنَى.
وعنه، يُقَدم الابنُ على الجَدِّ. اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، ثُمَّ ابْنُهَا، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نزَلَ، والشِّيرازِيُّ.
قال في «الفُروعِ»: وعنه، عليها تقْديمُ الأخِ على الجَدِّ.
وعنه، سَواءٌ. وذكَر الزَّرْكَشِيُّ رِوايَةً ثالثةً بتَقْديمِ الجَدِّ على الأخِ، على هذه الرِّوايَةِ، وأطْلَقهُنَّ. وخرج الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وَجْهًا بتَساوي الأبِ والابنِ، والجَدِّ وابنِ الابنِ. وخرَّجه بعضُهم مِن رِوايَةِ اسْتِواءِ الأخِ والجَدِّ. ثُمَّ أَخُوهَا لِأَبَوَيهَا، ثُمَّ لِأَبِيهَا.
قال: (وأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها ثم أبوه وإن علا. ثم ابنها وإن نزل. ثم أخوها لأبويها ثم لأبيها. وعنه: يقدم الابن على الجد، والتسوية بين الجد والأخ، وبين الأخ للأبوين والأخ للأب. ثم بنو الإخوة وإن سفلوا. ثم العم ثم ابنه. ثم الأقرب فالأقرب من العصبات على ترتيب الميراث. ثم المولى المنعم ثم عصباته من بعده الأقرب فالأقرب. ثم السلطان) .
أما كون أحق الناس بنكاح المرأة الحرة أباها؛ فلأنه أكمل من غيره نظراً وأتمُّ شفقة، ويختص بولاية المال،
ويجوز أن يشتري لها من ماله، وله من مالها إذا كانت صغيرة.
ولأن الله تعالى جعل الولد موهوباً لابنه قال الله تعالى:{ووهبنا له يحيى}،
وقال إبراهيم:{الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسمعيل وإسحاق}،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«أنتَ ومالُكَ لأبيك».
ولأن غير الأب: إما يدلي به؛ كالجد والإخوة.
وإما فرع بالنسبة إليه؛ كالابن.
ومن أدلى بشخص لا يثبت له معه حق. والأصل راجح على الفرع.
فإن قيل: الابن أولى بالميراث. فيجب أن يكون أولى بالنكاح.
قيل: الميراث اقتضى ذلك. وكمال شفقة الأب معارض له.
فإن قيل: لم قيدت الولاية بكون المرأة حرة؟
قيل: لأن ولي الأمة سيدها. وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد أبيها أباه وإن علا وهو الجد؛ فلأن له إيلاداً وتعصيباً. أشبه الأب.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد الجد ابنها؛ فلأنه أولى بالميراث من غيره. فكذا في النكاح. ترك ذلك في الأب؛ لكمال شفقته،
وفي الجد؛ لأن له إيلاداً وتعصيباً. فيبقى فيما عداهما على مقتضاه.
وفي كونه أحق بذلك من غيره
تنبيه على ثبوت ولايته. وصرح به المصنف في المغني.
ووجهه: ما روت أم سلمة «أنها لما انقضت عدتُها أرسلَ إليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يخطُبُها. فقالت: يا رسول الله! ليسَ أحدٌ من أوليائي شاهد. قال: ليسَ من أوليائكِ شاهدٌ ولا غائبٌ يكرَهُ ذلك. فقالت لابنها: قمْ يا عمر! فزوّجْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم». رواه النسائي.
ولأنه عدلٌ من عصبتها. أشبه أخاها.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد ابنها ابنه وإن نزل؛ فلما ذكر في أبيها.
وأما كون أحق الناس بعد ابنها وإن نزل أخاها لأبويها ثم لأبيها؛ فلما ذكر أيضاً.
وأما كون الابن يقدم على الجد على روايةٍ؛ فلأنه أولى بالميراث منه.
وأما كون الجد والأخ سواء على روايةٍ؛ فلأنهما يستويان في الميراث. فيستويان في ولاية النكاح.
وأما كون الأخ من الأبوين والأخ من الأب سواء على روايةٍ؛ فلأنهما استويا في الجهة التي تستفاد منها الولاية وهي العصوبة التي من جهة الأب. فاستويا في ولاية النكاح؛ كما لو كانا من أب.
وأما قرابته من الأم فلا يرجح بها هنا؛ لأنها لا مدخل لها في النكاح.
فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين؟
قيل: صحح صاحب الخلاصة التسوية.
وقال المصنف في المغني: هو المنصوص.
ووجهه ما ذكر.
وظاهر كلامه رحمه الله تعالى هنا ترجيح الأخ للأبوين. وصرح به في المغني. ونقض عدم الترجيح بما لا مدخل له في الميراث بالولاء من حيث إنه يقدم الأخ للأبوين على الأخ للأب. مع أن النساء لا مدخل لهن في الولاء.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد الأخ الإخوة وإن سفلوا ثم العم ثم ابنه ثم الأقرب فالأقرب من العصبات على ترتيب الميراث؛ فلأنهم كذلك في الميراث. فكذلك في الولاية؛ لأن الولاية مبناها على النظر والشفقة وذلك يعتبر بمظنته وهي القرابة. فمتى كان الإنسان أحق بالميراث فهو أحق بالولاية.
ولا يُلزم عليه الأب لما تقدم من معاوضة كمال شفقته لذلك.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد العصبات المولى المنعم ثم عصباته من بعده الأقرب فالأقرب؛ فلأنهم أولى الناس بميراثه.
وفي قول المصنف رحمه الله تعالى: بعد المولى المنعم ثم عصباته الأقرب فالأقرب؛
تنبيه على كون ابن المولى المنعم أحق من أبيه
بخلاف النسب. وهو صحيح. صرح به المصنف وغيره.
ووجهه: أن مقتضى الدليل تقديم الابن على الأب لتقديمه عليه في الميراث. تُرك العمل به في السبب لرجحان الأب عليه بكمال الشفقة المعتمدة على القرابة، وذلك منتفٍ هاهنا لعدم القرابة المرجحة.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد المولى المنعم وعصباته السلطان؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له». وعن أم حبيبة «أن النجاشي زوّجَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت عنده». رواه أبو داود.
ولأن السلطان له ولاية عامة. بدليل أنه يلي المال ويحفظ الضوال. فكانت له الولاية في النكاح؛ كالأب.
والمراد بالسلطان هنا: الإمام أو الحاكم أو من فوّض أحدهما إليه ذلك.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.