وَإِنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضُرَّتِهَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَاطِلٌ
الشروح عليها
مسألة: (فإن شَرَط أن لا يُخْرِجَها مِن دارِها أو بَلَدِها، أو لا يَتَزَوَّجَ عليها، أو لا يَتَسَرَّى، فهو صحيحٌ لازِمٌ إن وَفَّى به، وإلَّا فلها الفَسْخُ) يُرْوَى ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ، وسعدِ بنِ أبي وَقّاص، ومعاويةَ، وعمرِو بنِ العاصِ، رَضِيَ الله عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، وجابرُ بنُ زيدٍ، وطاوُسٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ. وأبطَلَ هذه الشُّرُوطَ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، وهشامُ بنُ عُرْوَةَ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْريُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأي.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: يَفْسُدُ المَهْرُ، ولها مَهْرُ المِثْلِ. واحْتَجُّوا بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ». وهذا ليس في كتابِ اللهِ؛ لأن الشَّرْعَ لا يَقْتَضِيه. وبقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا أحَلَّ حَرَامًا، أو حَرَّمَ حَلَالًا». وهذا يُحَرِّمُ الحَلال، وهو التزويجُ والتَّسَرِّي والسَّفَرُ، ولأنَّ هذا شَرْطٌ ليس مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ ولا مُقْتَضاه، ولم يُبْنَ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايةِ، فكان فاسِدًا، كما لو شَرَطَتْ أن لا تُسَلِّمَ نَفْسَها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أحَقَّ ما وَفَّيتُمْ بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ». رَواه سعيدٌ .
وفي لَفْظٍ:«إنَّ أحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ تُوفُوا بِهَا، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ». مُتَّفَقٌ عليه . وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ». ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينَا مِن الصحابةِ، ولا يُعْرَفُ لهمِ مُخالفٌ في عَصْرِهم، فكان إجماعًا. وروَى الأثرَمُ بإسْنادِه، أنَّ رجلًا تزَوَّجَ امرأةً، وشَرَط لها دارَها، ثم أراد نَقْلَها، فخاصَمُوه إلى عمرَ، فقال: لها شَرْطُها. فقال الرجل: إذًا يُطَلِّقْنَنا. فقال عمرُ: مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ . ولأنَّه شَرْطٌ لها فيه مَنْفَعَةٌ ومَقْصُودٌ لا يَمْنَعُ المَقْصُودَ مِن النِّكاحِ، فكان لازِمًا، كما لو اشْتَرَطَتْ زِيادَةً في المَهْرِ أو غيرَ نَقْدِ البَلَدِ.
وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيسَ فِي كِتَابِ اللهِ فهُوَ بَاطِلٌ». أي ليس في حُكْمِ اللهِ وشَرْعِه، وهذا مَشْرُوعٌ، قد ذَكَرنا ما دَلَّ على مَشْرُوعِيَّته، وعلى مَن نَفَى ذلك الدليلُ. وقولُهم: إنَّ هذا يُحَرِّمُ الحَلال. قُلْنا: لا يُحَرمُ حلالًا، وإنَّما يُثْبِتُ للمَرْأةِ خِيارَ الفَسْخِ إن لم يَفِ لها به. وقولُهم: ليس مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ. مَمْنُوعٌ، فإنَّه مِن مَصْلَحَةِ المَرْأةِ، وما كان مِن مصلحةِ العاقِدِ كان مِن مصلحةِ عَقْدِه، كاشْتِرَاطِ الرَّهْنِ والضَّمِينِ [في البَيعِ]، ثم يَبْطُلُ بالزِّيادَةِ على مَهْرِ المِثْلِ.
وإذا ثَبَت أنَّه شَرْطٌ لازِمٌ فلم يَفِ به، فلها الفَسْخُ، ولهذا قال عمرُ للذي قَضَى عليه بلُزُومِ الشَّرْطِ -حينَ قال: إذًا يُطَلِّقْنَنا-: مَقاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ. ولم يَلْتَفِتْ إلى قولِه. ولأنَّه شَرْطٌ لازِم في عَقْدٍ، فيَثْبُتُ حَقُّ الفَسْخِ بتَرْكِ الوَفاءِ به، كالرَّهْنِ في البَيعِ. ٣١٧٥ - مسألة: (وإن شَرَط لَها طَلاقَ ضَرَّتِها، فقال أبو الخطابِ: هو صَحِيحٌ) لأنَّه شَرْطٌ لا يُنافِي العَقْدَ، ولها فيه
فائِدَةٌ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَتْ عليه أن لا يَتَزَوَّجَ عليها. قال شيخُنا : ولم أرَ هذا لغيرِه (ويَحْتَمِلُ أنَّه باطِلٌ) وهو الصَّحِيح، لِما روَى أبو هريرةَ، قال: نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تَشْتَرطَ المرأةُ طَلاقَ أُخْتِها.
(وَإِنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضُرَّتِهَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ) وَهُوَ رِوَايَةٌ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ لَهَا فِيهِ نَفْعًا وَفَائِدَةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَتْ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَاطِلٌ) هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ (لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْأَشْهَرُ مِثْلُهُ بَيْعُ أَمَتِهِ،
قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلَ " وَغَيْرِهَا: إِذَا شَرَطَتْ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِهَا إِذَا أَرَادَتِ انْتِقَالًا، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ اشْتِرَاطُ تَصَرُّفِ الزَّوْجِ بِحُكْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ أَنْ تَسْتَدْعِيَهُ إِلَى النِّكَاحِ وَقْتَ حَاجَتِهَا وَإِرَادَتِهَا، وَهُنَا شَرَطَتِ التَّسْلِيمَ عَلَى نَفْسِهَا فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ، فَاقْتَصَرَتْ بِالشَّرْطِ فِي تَصَرُّفِهِ فِيهَا عَلَى بَعْضِ مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِإطْلَاقِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ تَصَرُّفَهُ عَلَى مَكَانٍ وَعَدَدٍ، فَلَا يَخُصُّ الشَّرْعُ الزَّوْجَةَ بِالتَّصَرُّفِ فِي الزَّوْجِ،
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ لَا يَبْعُدُ صِحَّتُهُ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَرْطِهَا طَلَاقُ ضُرَّتِهَا.
أَصْلٌ: ذَكَرَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ فِي " الْهَدْيِ " فِي قِصَّةِ بَنِي هَاشِمِ بْنِ الْمُغِيرَةِ لَمَّا اسْتَأْذَنُوا أَنْ يُزَوِّجُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُ تَضَمَّنَ هَذَا مَسْأَلَةَ الشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ يُؤْذِي فَاطِمَةَ، وَيُرِيبُهَا، وَيُؤْذِيهِ وَيُرِيبُهُ، وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا زَوَّجَهُ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ،
وَفِي ذِكْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صِهْرَهُ الْآخَرَ بِأَنَّهُ حَدَّثَهُ فَصَدَقَهُ، وَوَعَدَهُ فَوَفَى لَهُ - تَعْرِيضٌ لِعَلِيٍّ، وَأَنَّهُ قَدْ جَرَى مِنْهُ وَعْدٌ لَهُ بِذَلِكَ، فَحَثَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَشْرُوطَ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا،
وَأَنَّ عَدَمَهُ يَمْلِكُ بِهِ الْفَسْخَ، فَقَوْمٌ لَا يُخْرِجُونَ نِسَاءَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، أَوِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتٍ لَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَى نِسَائِهِمْ ضُرَّةً، وَيَمْنَعُونَ الْأَزْوَاجَ مِنْهُ، أَوْ تُعْلَمُ عَادَةً أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُمَكِّنُ مِنْ إِدْخَالِ الضُّرَّةِ عَلَيْهَا - كَانَ ذَلِكَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَهَذَا مُطَّرِدٌ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَحْمَدَ: أَنَّ الشَّرْطَ الْعُرْفِيَّ كَاللَّفْظِيِّ، وَبِهَذَا أَوْجَبُوا الْأُجْرَةَ عَلَى مَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ، الْمَسْأَلَةُ الْمَشْهُورَةُ.
فَرْعٌ: مَتَى بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَلَا حَقَّ لَهَا فِي الشَّرْطِ،
نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: وَإِنْ أَعْطَتْهُ مَالًا، وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا - يَرُدُّ عَلَيْهَا الْمَالَ إِذَا تَزَوَّجَ، وَأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهَا مَالًا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَتَزَوَّجَتْ - يُرَدُّ الْمَالُ إِلَى وَرَثَتِهِ.
[الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ] [مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ] [نِكَاحُ الشِّغَارِ] فَصْلٌ
وإنْ شرَط لها طَلاقَ ضَرَّتِها، فقال أبو الخَطَّابِ: هو صَحيحٌ. وجزَم به في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخلاصَةِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، و «المُنَوِّرِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، وغيرِهمِ.
قال في «الرعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: إذا شرَط لها طَلاق ضَرَّتِها، وقُلْنا: يصِحُّ في رِوايَةٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّه باطِلٌ؛ لِما ذكَر المُصَنِّفُ مِنَ الحَديثِ. قال المُصَنِّفُ: وهو الصَّحيحُ.
وقال: لم أرَ ما قاله أبو الخَطَّابِ لغيرِه.
قلتُ: قد حَكاه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ» رِوايَةً عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ،
وقال: ذكَرَه جماعَة. وصحَّح ما صحَّحَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُصَنِّفُ في «النَّظْمِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين». وظاهِرُ «الفُروعِ» إطْلاقُ الخِلافِ؛
فإنَّه قال: ويصِح شَرْطُ طَلاقِ ضَرَّتِها في رِوايَةٍ وذكَرَه جماعَة.
وقيل: باطِلٌ.
فوائد؛ الأولَى، حُكْمُ شَرْطِ بَيعِ أمَتِه، حُكْمُ شَرْطِ طَلاقِ ضَرَّتِها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
قال في «الفُروعِ»: والأشْهَرُ، ومثْلُه بَيعُ أمَتِه. الثَّانيةُ، حيثُ قُلْنا بصِحَّةِ شَرْطِ سُكْنَى الدَّارِ أو البَلَدِ، ونحو ذلك، لم يجِبِ الوَفاءُ به على الزَّوْجِ. صرَّح به الأصحابُ، لكِنْ يُسْتَحَب الوَفَاءُ به. وهو ظاهِرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . .
عبدِ اللهِ. ومال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله، إلى وُجوبِ الوَفَاءِ بهذه الشُّروطِ، ويُجْبِرُه الحاكِمُ على ذلك. وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِي. وصرَّح أبو بَكْرٍ في «التنبِيهِ»، أنَّه لا يجوزُ للزَّوْجِ مُخالفَةُ ما شُرِطَ عَليه. ونصَّ في رِوايَةِ حَرْبٍ , في مَن تزَوَّجَ امْرأة، وشرَط لها أنْ لا يُخْرِجَها مِن قَرْيَتها، ثم بَدا له أنْ يُخرِجَها، قال: ليس له أنْ يُخْرِجَها. وقد ذكَر الزَّرْكَشِيُّ في «شَرْحِ المُحَرَّرِ»، فيما إذا شرَطَت دارَها أو بَلَدَها، وَجْهًا بأنَّه يُجْبَرُ على المُقامِ معها.
وذكَر أيضًا، أنَّه لا يتَزَوَّجُ ولا يتَسَرَّى إلَّا بإذْنِها في وَجْهٍ، إذا شرَطَتْه. إذا عَلِمت ذلك، فلها الفَسْخُ بالنُّقْلَةِ، والتَّزْويجِ، والتَّسَرِّي، كما قال المُصَنِّف،
فأمَّا إنْ أرادَ نقْلَها، وطلَب منها ذلك، فقال القاضي في «الجامِعِ»: لها الفَسْخُ بالعَزْمِ على الإِخْراجِ. وضعَّفَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ،
وقال: العَزْمُ المُجَرَّدُ لا يُوجِبُ الفَسْخَ؛ إذْ لا ضرَرَ فيه. وهو صحيح، ما لم يقْتَرِنْ بالهَمِّ طلَبُ نُقْلَةٍ. الثَّالثةُ، لو شَرَطَتْ أنْ لا تُسَلِّمَ نفْسَها إلَّا بعدَ مُدَّةٍ معَيَنةٍ، لم يصِحَّ. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ في «المُفْرَداتِ»، وأبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ».
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: قِياسُ المذهبِ صِحَّتُه، كاشْتِراطِ تأخيرِ التَّسْليمِ في البَيعِ والإِجارَةِ، وكما لو اشْترَطَتْ أنْ لا يُخْرِجَها مِن دارِها. الرَّابعَةُ، ذكَر أبو بَكْر في «التَّنبيهِ» مِنَ الشُّروطِ اللَّازِمَةِ، إذا شرَط أنْ لا يُفَرِّق بينَها وبينَ أبوَيها، أو أوْلادِها، أوَ ابنِها الصغيرِ أنْ تُرْضِعَه.
وكذا ذكَر ابنُ أبِي مُوسى، أنَّها إذا شرَطَتْ أنَّ لها وَلَدًا تُرْضِعُه، فلها شرْطُها. وقطَع به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، وغيرِهم.
[قال في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والسَّبْعِين»: ولو شرَطَت عليه] فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي، فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أحَدُهَا، مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أشْيَاءَ؛ أحَدُهَا، نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَهُوَ أنْ يُزَوِّجَهَ وَلِيَّتَه عَلَى أنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّته وَلَا مَهْرَ بَينَهُمَا، [نَفَقَةَ وَلَدِها وكُسْوَتَه، صحَّ، وكان مِنَ المَهْرِ.
قال ابنُ نَصرِ الله فِي «حَواشِيه»: وظاهِرُه لا يُشْتَرَطُ مع ذلك تَعْيِينُ مُدَّةٍ، كنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وكُسْوَتِها، فإنَّه ذكَرَها بعدَها. انتهى.
قلتُ: ليس الأمْرُ كذلك، والفَرْقُ بينَ المَسْألتَين واضِحٌ] . الخامسةُ، هذه الشُّروطُ الصَّحِيحَةُ، إنَّما تَلْزَمُ في النِّكاحِ الذي شُرِطَتْ فيه،
فأمَّا إنْ بانَتْ منه ثم تزَوَّجَها ثانيًا، لم تَعُدْ هذه الشُّروطُ في هذا العَقْدِ الثَّاني، بل يَبْطُلُ حُكْمُها إذا لم يذْكُرْها فيه. ذكَرَه المَجْدُ في «شَرْحِه». وجزَم به في «الفُروعِ». قال ابنُ رَجَبٍ: ويتخَرَّجُ عوْدُها في النِّكاحِ الثَّاني، إذا لم يكُن اسْتَوْفَى عدَدَ الطَّلاقِ، لَزِمَ فيه [كلُّ ما] كان مُلْتَزِمًا بالعَقْدِ الأوَّلِ. السَّادسةُ، خِيارُ الشَرْطِ على التَّراخِي، لا يسْقُطُ إلَّا بما يدُلُّ على الرِّضا، مِن قَوْلٍ أو تَمْكِين منها مع العِلْمِ.
قطَع به الأصحابُ، منهم صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، وغيرِهم. ذكَرُوه في بابِ العُيوبِ في النكاحِ.
قال: (وإن شرط لها طلاق ضرتها فقال أبو الخطاب: هو صحيح. ويحتمل أنه باطل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أُختِها لتكْتَفِئَ ما في صَحْفَتَها، ولْتَنْكِحْ، فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها» (١».
أما كون شرط ذلك صحيحاً على ما قال أبو الخطاب؛ فلأن لها في ذلك نفعاً. أشبه ما لو شرطت دارها.
وأما كونه يحتمل أنه باطل؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من الحديث. وهذا الاحتمال هو اختيار المصنف وقدمه في المغني.
وقال عن قول أبي الخطاب: لم أره لغيره. وذكر ما يدل على فساده من الحديث المذكور، وما روى أبو هريرة قال:«نَهى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن تَشترطَ المرأةُ طلاقَ أُختِها» (٢). رواهما البخاري.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.