وَالْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالْخِيَرَةُ فِيهِ إِلَى الْوَلِيِّ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ،
الشروح عليها
بابُ العَفْو عن القِصاصِ أجْمَعَ أهلُ العلمِ على إجازةِ العَفْوِ عن القِصاصِ، وأنَّه أفْضَلُ. والأَصْلُ في ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛
أمّا الكتابُ، فقولُه تعالى -في سِيَاقِ قولِه:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} - {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}.
وقال تعالى:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}. الآية إلى قولِه:{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}. قيل في تَفْسيرِه: فهو كَفّارَة للجاني بعَفْو صاحبِ الحَقِّ عنه.
وقيل: فهو كَفّارَة للعافى بصَدَقَتِه.
وأمَّا السُّنَّةُ، فإنَّ أنَسَ بنَ مالكٍ، قال: ما رَأْيتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رُفِع إليه شئٌ فيه قِصاصٌ، إلَّا أَمَرَ فيه بالعَفْوِ. رَواه أبو داودَ . وفى حَدِيثه في قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ بنتِ النَّضْرِ حينَ كَسَرَتْ سِنَّ جارِيَةٍ، فأمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقِصاصِ، فعَفا القَوْم .
٤١١٣ - مسألة: (والواجِبُ بقَتْلِ العمدِ أحَدُ شَيْئَيْن؛ القِصاصُ أو الآيةُ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، والخِيَرَةُ في ذلك إلى الوَلِىِّ، إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء أخَذَ الدِّيَةَ، وإن شاء عَفا إلى غيرِ شئٍ، والعَفْوُ أفْضَلُ) لِما ذَكَرْنا. اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في مُوجَبِ العمدِ، فرُوِىَ عنه، أنَّ مُوجَبَه القِصاصُ عَيْنًا؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ عَمْدًا، فَهُوَ قَوَدٌ» . ولقولِه تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ}. والمَكْتُوبُ لا يُتَخَيَّرُ فيه، ولأنَّه مُتْلَفٌ يَجِبُ به البَدَلُ، فكان مُعَيَّنًا، كسائرِ أبْدالِ المُتْلَفَاتِ.
وبه قال النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ، قالوا: ليس للأوْلِياءِ إلَّا القَتْلُ، إلَّا أن يَصْطَلِحا على الدِّيَةِ برِضَا الجانى.
والمَشْهُورُ في المَذْهَبِ، أنَّ الواجِبَ أحَدُ شَيْئَيْن،
وأنَّ الخِيَرَةَ في ذلك إلى الوَلِىِّ، إن شاء اقْتَصَّ،
وإن شاء أخَذَ الدِّيَةَ، وإن شاء قَتَل البعضَ إذا كان القاتِلُون جماعةً؛ لأَنَّ كل مَن لهم قَتْلُه، فلهم العَفْوُ عنه، كالمُنْفَرِدِ، ولا يَسْقُطُ القِصاصُ عن البعضِ بعَفْوِ البعضِ؛ لأنَّهما شَخْصان، فلا يَسْقُطُ القِصاصُ من أحَدِهما بإسْقاطِه عن الآخَرِ، كما لو قَتَل كلُّ واحدٍ رجلًا.
ومتى اخْتارَ الأوْلِياءُ أخْذَ الدِّيَةِ مِن القاتلِ، أو مِن بعضِ القَتَلَةِ،
فإنَّ لهم هذا [منِ غيرِ] رِضَا الجانِى. وبهذا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابن المنْذِرِ. وهى رِواية عن مالكٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}. قال ابن عباسٍ: كان في بَنِى إسْرائِيلَ القصاصُ ولم تكنْ فيهم الدِّيةُ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}. الآية،
{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}. فالعَفْو أن يَقْبَلَ في العمدِ الدِّيَةَ {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}. يتَّبعُ الطَّالِب بمَعْروفٍ، ويُؤدِّى إليه المَطْلُوب بإحْسانٍ {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}. ممّا كتِب على مَن قبلَكم رَواه البُخارِى . وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قام رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال:«مَنْ قتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إمَّا أن يُودَى، وإمَّا أن يُقَادَ». مُتَّفَقٌ عليه . وروَى أبو شُرَيْحٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ثُمَّ أنْتُم يَا خُزَاعَة، قَدْ قَتَلْتم هَذَا القَتِيلَ، وأنَا وَاللَّه عِاقِلُهُ، فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ إن أَحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ».
رَواه أبو داودَ، وغيرُه . ولأَنَّ القَتْلَ المَضْمُونَ إذا سَقَط فيه القِصاصُ مِن غيرِ إبْراء، ثَبَت المالُ، كما لو عَفا بعْضُ الوَرَثَةِ، ويُخالِفُ سائِرَ المُتْلفاتِ؛ لأَنَّ بَدَلَها يَجِبُ مِن جِنْسِها، وهَهُنا يَجِبُ في الخَطَأ وعَمْدِ الخَطَأ مِن غيرِ الجِنْسِ،
فإذا رَضِىَ في العمدِ ببَدَلِ الخَطَأَ، كان له ذلك؛ لأنَّه أسْقَطَ بعضَ حَقِّه، ولأَنَّ القاتِلَ أمْكَنَه إحْياءُ نفسِه ببَذْلِ الدِّيَةِ، فلَزِمَه. ويَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه بما إذا كان رَأْسُ الشّاجِّ أصْغَرَ، أو يَدُ القاطِعِ أنْقَصَ ، فإنَّهم سَلَّموا فيهما.
وأمَّا الخَبَرُ الذى ذَكَرُوه، فالمُرادُ به وُجُوبُ القَوَدِ، ونحن نقولُ به. وللشَّافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
فإذا قُلْنا: مُوجَبُه القِصاصُ. فله العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، والعَفْوُ مُطْلَقًا،
فإذا عَفا مُطْلَقًا، لم يَجبْ شئٌ. وهذا ظاهرُ مَذهَبِ الشَّافعىِّ.
وقال بعضهم: تَجِبُ الدِّيَة؛ لئلَّا يُطَلَّ الدَّم. وليس بشئٍ؛ لأنَّه لو عَفا عن الدِّيَةِ بعدَ وجوبِها، صَحَّ عَفْوه.
ومتى عَفا عن القِصاصِ مُطْلَقًا إلى غيرِ مالٍ، لم يَجِبْ شئٌ، إذا قلْنا: الواجِبُ القِصاصُ عَيْنًا.
فإن عَفا عن الدِّيَةِ، لم يَصِحَّ عَفْوُه؛ لأنَّها لم تَجِبْ.
وإن قلْنا: الواجِبُ أحَدُ شَيْئينِ لا بعينِه. فعَفا عن القِصاصِ مُطْلَقًا، أو إلى الدِّيَةِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ الواجِبَ غيرُ مُعَيَّنٍ،
فإذا تَرَك أحَدَهما تَعَيَّنَ الآخَرُ
بَابُ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ] [الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ] بَابٌ الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ، وَهُوَ أَفْضَلُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} وَالْعَفْوُ الْمَحْوُ وَالتَّجَاوُزُ، وَالْهَاءُ فِي " لَهُ " وَ " أَخِيهِ "" مِنْ "، وَهُوَ الْقَاتِلُ، وَيَكُونُ الْقَتِيلُ، أَوِ الْوَلِيُّ عَلَى هَذَا أَخًا لِلْقَاتِلِ مِنْ حَيْثُ الدِّينِ وَالصُّحْبَةِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ. وَنَكَّرَ " شَيْئًا " لِلْإِيذَانِ بِأَنَّهُ إِذَا عَفَا لَهُ عَنْ بَعْضِ الدَّمِ، أَوْ عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ، فَيَكُونُ الْعَفْوُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ " ذَلِكَ " أَيِ: الْمَذْكُورُ مِنَ الْعَفْوِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ كَانَ حَتْمًا عَلَى الْيَهُودِ وَحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الْعَفْوُ وَالدِّيَةُ، وَكَانَتِ الدِّيَةُ حَتْمًا عَلَى النَّصَارَى، وَحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ، فَخُيِّرَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ وَالْعَفْوِ تَخْفِيفًا وَرَحْمَةً، «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُرْفَعُ إِلَيْهِ أَمْرٌ فِيهِ الْقِصَاصُ إِلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ» .
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لَهُ فَجَازَ تَرْكُهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. (وَالْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)
هَذَا قَوْلُ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} أَوْجَبَ الِاتِّبَاعَ بِمُجَرَّدِ الْعَفْوِ،
وَلَوْ وَجَبَ بِالْعَمْدِ الْقِصَاصُ عَيْنًا لَمْ تَجِبِ الدِّيَةُ عِنْدَ الْعَفْوِ الْمُطْلَقِ (وَالْخِيَرَةُ فِيهِ إِلَى الْوَلِيِّ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا إِلَى غَيْرِ شَيْءٍ) وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ الْبَعْضَ إِذَا كَانَ الْقَاتِلُونَ جَمَاعَةً، وَلَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنِ الْبَعْضِ بِالْعَفْوِ عَنِ الْبَعْضِ، فَمَتَى اخْتَارَ الْأَوْلِيَاءُ الدِّيَةَ مِنَ الْقَاتِلِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْقَتَلَةِ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْجَانِي لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} الْآيَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَفْدِيَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:«مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ - وَالْخَبْلُ الْجِرَاحُ - فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ، أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ، أَوْ يَعْفُوَ، فَإِنْ أَرَادَ رَابِعَةً فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا كَالْهَدْيِ، وَالطَّعَامِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ
بَابُ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ بابُ العَفْوِ عنِ القِصاصِ وَالْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ أحَدُ شَيْئَيْنِ؛ الْقِصَاصُ أوِ الدِّيَةُ، فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَالْخِيَرَةُ فِيهِ إِلَى الْوَلِىِّ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ،
وَإِنْ شَاءَ أخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا إِلَى غَيْرِ شَىْءٍ، وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ. والواجِبُ بقَتْلِ العَمْدِ أحَدُ شَيْئَيْن؛ القِصاصُ أَوِ الدِّيَةُ، فى ظاهِرِ المذهبِ -هذا المذهبُ المَشْهورُ، المَعْمولُ به فى المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، أن الواجبَ القِصاصُ عَينًا. فعلى المذهبِ- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِيَرَةُ فيه إلى الوَلىِّ؛ فإن شاءَ اقْتَصَّ،
وإنْ شاءَ أخَذ الدِّيَةَ، وإنْ شاءَ عفَا إلى غيرِ شئٍ، والعَفْوُ أفْضَلُ. بلا نِزاعٍ فى الجملةِ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: اسْتِيفاءُ الإنْسانِ حقَّه مِنَ الدَّمِ عَدْلٌ، والعَفْوُ إحْسانٌ، والإحْسانُ هنا أفْضَلُ، لكِنَّ هذا الإِحْسانَ لا يكونُ إحْسانًا إلَّا بعدَ العَدْلِ، وهو أن لا يحْصُلَ بالعَفْوِ ضرَرٌ،
فإذا حصَل به ضرَرٌ كان ظُلْمًا مِنَ العافِى،
إمَّا لنَفْسِه وإما لغيرِه، فلا يُشْرَعُ.
قلتُ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا عَيْنُ الصَّوابِ. ويأتِى بعضُ ذلك فى آخِرِ المُحارِبين.
وقال فى «القاعِدَةِ الرَّابعَةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ»: قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّين: مُطالبَةُ المَقْتولِ بالقِصاصِ تُوجِبُ تَحَتُّمَه، فلا يُمَكَّنُ الوَرَثَةُ بعدَ ذلك مِنَ العَفْوِ.
فَإِنِ اخْتَارَ الْقِصَاصَ، فَلَهُ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ، وعلى المذهبِ، إنِ اخْتارَ القِصاصَ، فله العَفْوُ على الدِّيَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأَنَّ القِصاصَ أعْلَى، فكانَ له الانْتِقالُ إلى الأدْنَى، ويكونُ بَدلًا عن القِصاصِ، وليستْ هذه الدِّيَةُ هى التى وَجَبَتْ بالقَتْلِ. وعلى هذا أكثرُ الأصحابِ. قال فى «الفُروعِ»: فله ذلك فى الأصحِّ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِى»، وغيرِهم.
وهو قوْلُ القاضى، وابنِ عَقِيلٍ، وغيرِهما.
وقيل: وَإِنِ اخْتَارَ الدِّيَةَ سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ يَمْلِكْ طَلَبَهُ.
ليس له ذلك؛ لأنَّه أسْقَطَها باخْتِيارِه القِصاصَ، فلم يَعُدْ إليها. وهو احْتِمالٌ فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم. وهو وَجْهٌ فى «التَّرْغيبِ». [وعلى المذهبِ أيضًا، إن اخْتارَ الدِّيَةَ سقَط القِصاصُ، ولم يَمْلِكْ طلَبَه. كما قال المُصَنِّفُ]. وعلى المذهبِ أيضًا، لوِ اخْتارَ القِصاصَ كانَ له الصُّلْحُ على أكثرَ مِنَ الدِّيَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لِمَا تقدَّم، وعليه جماهيرُ الأصحاب.
وقيل: ليس له ذلك. واخْتارَه فى «الانْتِصارِ». وبعضُ المُتَأخِّرِين مِنَ الأَصحابِ. وتقدّم ذلك فى كلامِ المُصَنِّفِ، فى بابِ الصُّلْحِ،
حيثُ قال: ويصِحُّ الصُّلْحُ وَعَنْهُ، أَنَّ الْوَاجِبَ الْقِصَاصُ عَينًا، وَلَهُ الْعَفْوُ الَى الدِّيَةِ وَإِنْ سَخِطَ الْجَانِى.
عنِ القِصاصِ بدِياتٍ وبكُلِّ ما يثْبُتُ مَهْرًا، واسْتَوْفَيْنا الكلامَ هناك، فلْيُعاوَدْ.
باب العفو عن القصاص] العفو عن القصاص جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس: أما الكتاب فقوله تعالى: {كُتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عُفي له من أخيه شيءٌ فاتباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان}، وقوله تعالى بعد قوله:{-وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين- فمن تصدق به فهو كفارة له}.
وأما السنة؛ فقال أنس بن مالك رضي الله عنه:«ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم رُفعَ إليه شيءٌ فيه قصاصٌ إلا أمرَ فيه بالعفو». رواه أبو داود.
وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على جوازه.
وأما القياس؛ فلأن القصاص حق له. فجاز له تركه؛ كسائر الحقوق.
قال: (والواجب بقتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدية في ظاهر المذهب. والخيرة فيه إلى الولي فإن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفى إلى غير شيء. والعفو أفضل. فإن اختار القصاص فله العفو على الدية، وإن اختار الدية سقط القصاص ولم يملك طلبه. وعنه: أن الواجب القصاص عيناً وله العفو إلى الدية وإن سخط الجاني) .
أما كون الواجب بقتل العمد أحد شيئين القصاص، أو الدية في ظاهر المذهب؛ فلأن الله تعالى قال:{فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان}. أوجب الاتباع بمجرد العفو،
ولو وجب بالعمد القصاص عيناً لم تجب الدية عند العفو المطلق.
وأما كون الواجب القصاص عيناً في روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«منْ قُتِلَ عمداً فهوَ قَوَد».
ولأنه بدل متلف. فكان معيناً؛ كسائر المتلفات.
وأما كون الأول في ظاهر المذهب؛ فلما تقدم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:«كانَ في بني إسرائيلَ القصاصُ ولم تكنْ فيهمُ الديّةُ فأنزل اللهُ هذه الآية: {كُتب عليكم القصاص في القتلى ... الآية} [البقرة: ١٧٨] ».
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«منْ قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إما أن يُودَى، وإما يقاد» متفق عليه.
وروي عنه أنه قال:«ثم أنتمْ يا خُزاعةَ قد قَتلتُمْ هذا القتيلَ وإنا واللهِ عاقلتُه. فمن قَتَلَ بعدَهُ قَتيلاً فأهلُه بين خِيَرَتيْنِ: إن أحبُّوا قَتَلُوا وإن أحبُّوا أخذوا الديّة». رواه أبو داود.
ولأن الدية أحد بدلي النفس.
فإذا وجبت كانت بدلاً عنها لا عن بدلها؛ كالقصاص.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم:«فهوَ قَوَد» فالمراد به وجوب القود، وذلك مما لا نزاع فيه.
وأما قياس القتل على سائر المتلفات فلا يصح لأن الفرق بينه وبينها ظاهر، وذلك [أن القتل يخالف سائر المتلفات] لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه، والقتل بخلافه.
وأما كون الخيرة في الواجب بقتل العمد إلى الولي إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية على الرواية الأولى ؛ فلما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من قُتلَ له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إما يُودَى، أو يقاد»، وقوله:«فمنْ قَتَل بعدهُ قَتيلاً فأهله بين خِيَرَتَيْنِ: إن أحبوا قَتلُوا، وإن أحبوا أخذوا الدية».
وأما كونه إن شاء عفى إلى غير شيء؛ فلما تقدم أول الباب.
وأما كون العفو أفضل؛ فلما تقدم من قوله تعالى:{فمن تصدق به فهو كفارةٌ له}.
ولأن الله تعالى قال:{وأن تعفوا أقرب للتقوى}، وقال:{فمن عفا وأصلح فأجره على الله}.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر به .
وأما كون من اختار القصاص له العفو إلى الدية؛
فلأن فيه مصلحة له وللجاني: أما له فلما في العفو عن القصاص من الفضيلة.
وأما للجاني فلما فيه من سقوط القصاص عنه.
وأما كون من اختار الدية سقط القصاص؛ فلأن من وجب له أحد شيئين يتعين حقه باختيار أحدهما،
ويلزم من تعيينه سقوط الآخر.
وأما كونه لا يملك طلب القصاص بعد ذلك؛ فلأن القصاص إذا سقط لا يعود.
وأما كون المجني عليه ووليه له العفو إلى الدية وإن سخط الجاني على الرواية الثانية وهي أن الواجب القصاص عيناً؛ فلأن الدية أقل منه. فكان له أن ينتقل إليها؛ لأنها أقل من حقه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.