وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا
الشروح عليها
مسألة: (ومَن قَذَف أُمَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُتِلَ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا) يَعْنِى أنَّ حَدَّه القَتْلُ، ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُه. نَصَّ عليه أحمدُ. وحَكَى أبو الخَطَّاب رِوايةً أُخْرَى، أنَّ تَوْبَتَه تُقْبَلُ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، مُسْلِمًا كان أَو كافِرًا؛ لأَنَّ هذا منه رِدَّةٌ، والمُرْتَدُّ يُسْتَتابُ، وتَصِحُّ تَوْبَتُه. ولَنا، أنَّ هذا حَدُّ قَذْفٍ، فلا يَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، كقَذْفِ غيرِ أُمِّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه لو قُبِلَتْ تَوْبَتُه، وسَقَط حَدُّه، لَكانَ أخَفَّ حُكْمًا مِن قَذْفِ آحادِ النَّاسِ؛
لأَنَّ قَذْفَ غيرِه لا يَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، ولا بُدَّ مِن إقامَتِه. واخْتَلَفتِ الرِّوايَةُ فيما إذا كان القاذِفُ كافِرًا فأسْلَمَ، فرُوِىَ أنَّه لا يَسْقُطُ بإسلامِه؛ لأنَّه حَدُّ قَذْفٍ، فلم يَسْقُطْ بالإِسْلامِ، كقَذْفِ غيرِها. ورُوِىَ أنَّه يَسْقُطُ؛ لأنَّه لو سَبَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى في كُفْرِه، ثم أسْلَمَ، سَقَطَ عنه القَتْلُ، فسَبُّ نَبيِّه أوْلَى، ولأَنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ ما قبلَه. والخِلافُ في سُقُوطِ القَتْلِ عنه،
فأمًّا تَوْبَتُه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى فمَقبُولَةٌ،
فإنَّ اللَّهَ تعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِن الذُّنُوب كلِّها. والحُكْمُ في قَذْفِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كالحُكْمِ في قَذْفِ أُمِّه؛ لأَنَّ قَذْفَ أُمِّه إنَّما أوْجَبَ القتلَ؛ لكوْنِه قَذْفًا للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقَدْحًا في نَسَبِه.
فصل: وقَذْفُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقذفُ أُمِّه رِدَّةٌ عن الإِسْلامِ، وخروجٌ عن المِلَّةِ،
وكذلك سَبُّه بغيرِ القذفِ، إلَّا أنَّ سَبَّه بغيرِ القَذْفِ يَسْقُطُ بالإِسْلامِ، لأَنَّ سبَّ اللَّهِ سبحانه وتعالى يَسْقُطُ بالإِسْلامِ، فسَبُّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى، وقد جاءَ في الأثَرِ، أنَّ اللَّهَ تعالى يقول: «شَتَمَنِى ابنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِى، أمَّا شَتْمُهُ إيَّاىَ فَقَوْلُه: إِنِّى اتَّخَذْتُ وَلَدًا. وَأَنَا الأحَدُ الصَّمَدُ، [لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ]» . ولا خِلافَ في أنَّ إسلامَ النَّصْرَانِىِّ القائِلِ لهذا القولِ يَصِحُّ.
٤٤٥٦ -
(وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا) يَعْنِي: أَنَّ حَدَّهُ الْقَتْلُ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْقَدْحِ فِي النُّبُوَّةِ الْمُوجِبِ لِلْكُفْرِ،
وَعَنْهُ: إِنْ تَابَ لَمْ يُقْتَلْ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ رِدَّةٌ، وَالْمُرْتَدُّ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا حَدُّ قَذْفٍ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَقَذْفِ غَيْرِ أُمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَسَقَطَ حَدُّهُ لَكَانَ أَخَفَّ حُكْمًا مِنْ قَذْفِ آحَادِ النَّاسِ،
قَالَ فِي الْمَنْثُورِ: وَهَذَا كَافِرٌ قُتِلَ مِنْ سَبِّهِ، فَيُعَايَا بِهَا،
فَلَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ فَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ كَقَذْفِ غَيْرِهَا،
وَعَنْهُ: بَلَى، لِأَنَّهُ لَوْ سَبَّ اللَّهَ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي سُقُوطِ الْقَتْلِ،
فَأَمَّا فِي مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَقْبُولَةٌ، وَقَذْفُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَقَذْفِ أُمِّهِ، وَيَسْقُطُ سَبُّهُ بِالْإِسْلَامِ كَسَبِّ اللَّهِ تَعَالَى.
فَرْعٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَذْفُ نِسَائِهِ كَقَدْحِهِ فِي دِينِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَقْتُلْهُمْ، لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا قَبْلَ عِلْمِهِ بَرَاءَتَهَا، وَأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لِإِمْكَانِ الْمُفَارَقَةِ، فَتَخْرُجُ بِهَا مِنْهُنَّ، وَتَحِلُّ لِغَيْرِهِ،
وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: فِي غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، وَسَأَلَهُ حَرْبٌ: رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ كَذَا
وَكَذَا إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ؟ فَعَظَّمَهُ جِدًّا،
وَقَالَ عَنِ الْحَدِّ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ، وَذَهَبَ إِلَى حَدٍّ وَاحِدٍ.
[قَذْفُ الْجَمَاعَةِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ]
ومَن قذَف أُمَّ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُتِلَ، مُسْلِمًا كانَ أَو كافِرًا. هذا المذهبُ مُطْلَقًا. ويكْفُرُ المُسْلِمُ بذلك. وعليه الأصحابُ.
وعنه، إنْ تابَ لم يُقْتَلْ.
وعنه، لا يُقْتَلُ الكافِرُ إذا أسْلَمَ. وهى مُخَرَّجةٌ مِن نصِّه فى التَّفْرِقَةِ بينَ السَّاحِرِ المُسْلِمِ والسَّاحِرِ الذِّمِّىِّ، على ما يأتِى. قال فى «المَنْثُورِ»: وهذا كافِرٌ قُتِلَ مِن سَبِّه، فيُعايَى بها. وأَطْلَقَهما فى «الرِّعَايةِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، قذْفُه، عليه أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، كقَذْفِ أُمِّه، ويسْقُطُ سبُّه بالإِسْلامِ، كسَبِّ اللَّهِ تعالَى. وفيه خِلافٌ فى المُرْتَدِّ. قالَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ: وكذا مَن سبَّ نِساءَه؛ لقَدْحِه [فى دِينه]، وإنَّما لم يقْتُلْهم لأنهم تكلَّمُوا قبلَ عِلْمِه ببرَاءَتها ، وأنَّها مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عَنْهُنَّ؛ لإمْكانِ المُفارَقَةِ، فتَخْرُجُ بالمُفارَقَةِ مِن أُمَّهاتِ المُؤمِنِينَ، وتحِلُّ لغيرِه فى وَجْهٍ.
وقيل: لا. وقيل: فى غيرِ مدْخُولٍ بها.
الثَّانيةُ، اخْتارَ ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه» كُفْرَ مَن سبَّ أُمَّ نَبِىٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أيضًا غيرِ نَبِيِّنا، صلَواتُ اللَّه وسلامُه عليهم أجْمَعِين، كأمِّ نَبِيِّنا سواءً عندَه.
قلتُ: وهو عَيْنُ الصَّوابِ الذى لا شكَّ فيه، ولعَلَّه مُرادُهم، وتعْلِيلُهم يدُلُّ عليه، ولم يذْكُرُوا ما يُنافِيه.
وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ إِذَا طَالَبوا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
وَعَنْهُ، إِنْ طَالَبوا مُتَفَرِّقِينَ، حُدَّ لكل وَاحِدٍ حدًّا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.