وَمَنْ شَرِبَهُ مُخْتَارًا عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ
الشروح عليها
مسألة: (ومَن شَرِبَه مُخْتَارًا عالِمًا أنَّ كَثِيرَه يُسْكِرُ، قَلِيلًا كان أو كَثِيرًا، فعليه الحَدُّ ثَمَانُون جَلْدَةً.
وعنه، أرْبَعُونَ) ولا نعلمُ بينَهم خِلافًا في عَصِيرِ العِنَبِ غيرِ المَطْبُوخِ، واخْتَلَفُوا في سائِرِها، فمذهبُ أحمدَ التَّسْوِيَةُ بينَ عصيرِ العنبِ وغيرِه من المُسْكِراتِ. وهو قولُ الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقَتادَةَ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ. وقالت طائِفَةٌ: لا يُحَدُّ، إلَّا أن يُسْكرَ؛ منهم [أبو وائلٍ] , والنَّخَعِىُّ، وكثيرٌ مِن أهلِ الكُوفَةِ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ: مَن شَرِبَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه حُدَّ،
ومَن شَرِبَه مُتَأوِّلًا ، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فأشْبَهَ النِّكاحَ بلا وَلِىٍّ. ولَنا، ما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-, أنَّه قال:«مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ». رَواه أبو داودَ، وغيرُه . وقد ثَبَت أنَّ كلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، فيَتَناوَلُ الحديثُ قليلَه وكثيرَه، ولأنَّه شَرابٌ فيه شِدَّة مُطْرِبَةٌ، فوَجَبَ الحَدُّ بقليله، كالخمرِ، والاخْتِلافُ فيها لا يَمْنَعُ وُجوبَ الحَدِّ فيها، بدليلِ ما لو اعْتَقَدَ تَحْرِيمَها. وبهذا فارَقَ النِّكاحَ بلا وَلِىٍّ وغيرَه من المُخْتَلَفِ فيه، وقد حَدَّ عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ، وأصحابَه، مع اعْتِقادِهم حِلَّ ما شَرِبُوه.
والفرقُ بينَ هذا وبينَ سائرِ المُخْتَلَفِ فيه من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ فِعْلَ المُخْتَلَفِ فيه ههُنا دَاعِيةٌ إلى فِعْلِ ما أُجْمِعَ على تَحْرِيمِه، وفِعْلَ سائر المُخْتَلَفِ فيه يَصْرِفُ عن جِنْسِه من المُجْمَعِ على تَحْرِيمِه. الثانى، أن السُّنَّةَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد اسْتفاضَتْ بتَحْرِيمِ المُخْتَلَفِ فيه، فلم يَبْقَ فيه لأحَدٍ عُذْرٌ في اعْتقادِ إباحَتِه،
بخِلافِ غيرِه من المُجْتَهَداتِ. قال أحمدُ بنُ القاسم: سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ، يقولُ: في تحريمِ المُسْكِرِ عشرونَ وَجْهًا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في بَعْضِها:«كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ». وفى بعضِها:«كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». فصل: وحَدُّه ثمانون، في إحْدى الرِّوايَتَيْن. وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ،
ومَن تَبِعَهم؛ لإجْماعِ الصَّحابةِ، فإنَّه رُوِى أنَّ عمرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ في حَدِّ الخمرِ، فقال عبدُ الرحمنِ: اجْعَلْه كأخَفِّ الحدودِ ثمانينَ. فضَرَبَ عمرُ ثمانين، وكَتَب به إلى خالدٍ، وأبى عُبَيْدَةَ بالشَّامِ . ورُوِىَ أنَّ عليًّا
قال في المَشُورَةِ: إنَّه إذا سَكِرَ هَذَى،
وإذا هَذَى افْتَرَى، فَحُدُّوه حَدَّ المُفْتَرِى. روَى ذلك الجُوزْجَانِىُّ، والدَّارَقُطْنِىُّ، وغيرُهما . والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ الحَدَّ أربعون. وهو اخْتيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَلَد الوليدَ ابنَ عُقْبَةَ أربعين، ثم قال: جَلَد النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبعين، وأبو بكرٍ أربعين، وعمرُ ثمانين، وكلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحَبُّ إلىَّ. رَواه مسلمٌ . وعن أنَسٍ، قال: أُتِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- برجلٍ قد شَرِب الخمرَ، فضَرَبَه بالنِّعالِ نحوًا مِن أربعين، ثم أُتِى به أبو بكرٍ، فصَنَعَ مثلَ ذلك، ثم أُتِى به عمرُ، فاسْتَشَارَ النَّاسَ في الحُدُودِ، فقال ابنُ عوفٍ: أقَلُّ الحدودِ ثمانون.
فضَرَبَه عمرُ. مُتَّفَقٌ عليه . وفعلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حُجَّةٌ لا يجوزُ تَرْكُه لفِعْلِ غيرِه، ولا يَنْعَقِدُ الإِجْماعُ على ما خالَفَ فعلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبى بكرٍ وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فتُحْمَلُ الزِّيادَةُ على أنَّها تَعْزِيرٌ، يجوزُ فِعْلُها إذا رَآها الإِمامُ.
فصل: وإنَّما يَلْزَمُ الحَدُّ مَن شَرِبَها مُخْتارًا لشُرْبِها،
فإن شَرِبَها مُكْرَهًا، فلا حَدَّ عليه، ولا إثْمَ، سَواءٌ أُكْرِهَ بالوَعِيدِ أو الضَّرْبِ، أو أُلْجِئَ إلى شُرْبِها بأن يُفْتَحَ فُوه، وتُصَبَّ فيه،
فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وكذلك مَن اضْطُرَّ إليها لدَفْعِ غُصَّةٍ بها، إذا لمِ يَجِدْ مائِعًا سِوَاها،
فإنَّ اللَّهَ تعالى قال في آيَةِ التَّحْرِيمِ:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}.
وكذلك إن شَرِبَها لعَطَشٍ شديدٍ، وكانت مَمْزُوجَة بما يَرْوِى من العَطَشِ، فإنَّها تُباحُ بذلك عندَ الضَّرُورَةِ، كما تُبَاحُ المَيْتَةُ في المَخْمَصَةِ.
فصل: فإن ثَرَدَ في الخمرِ، أو اصْطَبَغَ به، أو طَبَخ به لَحْمًا فأكَلَ من مَرَقِه، فعليه الحَدُّ؛ لأَنَّ عينَ الخمرِ مَوْجودة،
وكذلك إن لَتَّ به سَوِيقًا فأكَلَه.
فإن عَجَن به دَقِيقًا، فخَبَزَه وأكَلَه، لم يُحَدَّ؛ لأَنَّ النَّارَ أكَلَتْ أجْزاءَ الخمرِ، فلم يَبْقَ إلَّا أثَرُه،
وإنِ احْتَقَنَ بالخمرِ، لم يُحَدَّ؛ لأنَّه ليس بشُرْبٍ ولا أكْلٍ، ولأنَّه لم يَصِلْ إلى حَلْقِه، فأشْبَهَ ما لو دَاوَى به جُرْحَه،
فإنِ اسْتَعَطَ به، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى باطِنِه من حَلْقِه، ولذلك نَشَرَ الحُرْمَةَ في الرَّضاعِ دونَ الحُقْنَةِ. وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّ على مَن احْتَقَنَ به الحَدَّ؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى جَوْفِه. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: ويُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الحَدِّ على مَن شَرِبَها أن يَعْلَمَ أنَّ كثيرَها يُسْكِرُ،
فإن لم يَعْلَمْ، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه غيرُ عالم بالتَّحْرِيمِ، ولا قَصَد ارْتِكابَ المَعْصِيَةِ بها، فأشْبَهَ مَن زُفَّتْ إليه غيرُ امرأتِه. وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
فأمَّا مَن شَرِبَها غيرَ عالم بتَحْرِيمِها، فلا حَدَّ فيه أيضًا؛ لأَنَّ عمرَ وعثمانَ قالا: لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلِمَه . ولأنَّه غيرُ عالمٍ بالتَّحْريمِ، أشْبَهَ مَن لم يَعْلَمْ أنَّها خَمْرٌ.
ومتى ادَّعَى الجَهْلَ بتَحْرِيمِها، وكان ناشِئًا ببَلَدِ الإِسْلامِ بينَ المسلمين، لم تُقْبَلْ دَعْواهُ؛ لأَنَّ هذا لا يَكادُ يَخْفَى على مِثْلِه، فلم تُقْبَلْ دَعْوَاه فيه.
وإن كان حديثَ عهدٍ بالإِسْلامِ، أو ناشِئًا بباديةٍ بعيدةٍ عن البُلدان قُبلَ منه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما قالَه. ٤٤٦٢ -
(وَمَنْ شَرِبَهُ) وَهُوَ مُكَلَّفٌ (مُخْتَارًا عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ)
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ،
وَكَذَا إِذَا ادَّعَى الْجَهَالَةَ بِإِسْكَارِ غَيْرِ الْخَمْرِ، أَوْ تحريمه أو بِوُجُودِ الْحَدِّ بِهِ،
وَمَثَلُهُ يَجْهَلُهُ، صُدِّقَ وَلَمْ يُحَدَّ،
وَكَذَا إِذَا شَرِبَهَا مُكْرَهًا لِحِلِّهِ لَهُ،
وَعَنْهُ: لَا تَحِلُّ لَهُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ،
وَفِي حَدِّهِ رِوَايَتَانِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى حِلِّهِ لَهُ وَعَدَمِهِ، وَالصَّبْرُ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَكَذَا كُلُّ مَا جَازَ فِعْلُهُ لِلْمُكْرَهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُرَخِّصُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يُكْرَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ (قَلِيلًا كَانَ) مَا شَرِبَهُ (أَوْ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا جَلَدُوا شَارِبَهَا، وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ خَمْرٌ، فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَلِأَنَّهُ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مَطْرِبَةٌ، فَوَجَبَ الْحَدُّ بِهِ كَالْكَثِيرِ، وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَوْ احْتَقَنَ بِهَا فِي الْمَنْصُوصِ، كَمَا لَوْ اسْتَعَطَ أَوْ عَجَنَ بِهِ دَقِيقًا فَأَكَلَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: أَوْ تَمَضْمَضَ حُدَّ، وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا، وَهُوَ غَرِيبٌ،
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: إِنْ وَصَلَ جَوْفَهُ حُدَّ،
وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: يَثْبُتُ بِعَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا، وَلَا يَسْتَفْسِرُهُمَا الْحَاكِمُ عَمَّا شَرِبَ، لِأَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ يُوجِبُ الْحَدَّ، فَدَلَّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرَهُ الْحَاكِمُ مُوجِبًا اسْتَفْسَرَهُمَا
ومَن شَرِبَه مُخْتَارًا عَالِمًا أنَّ كَثِيرَه يُسْكِرُ، قَلَيلًا كان أو كَثِيرًا، فعليه فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً. وَعَنْهُ، أَرْبَعُونَ إِنْ كَاْنَ حُرًّا. الحَدُّ ثَمَانُون جَلْدَةً. هذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به الخِرَقِىُّ، وابنُ عَقِيلٍ فى «التَّذْكِرَةِ»، والشِّيرازِىُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرُهم. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفُروعِ»، و «إِدْراكِ الغايةِ»، و «نِهايةِ ابنِ رَزِينٍ»، و «تَجْريدِ العنايةِ»، وغيرِهم.
وعنه، أرْبَعُون. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، والمُصنِّفُ، والشَّارِحُ. وجزَم به فى «العُمْدَةِ»، و «التَّسْهيلِ». وأَطلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهادِى»، و «الكافِى»، و «المَذْهَبِ الأحمدِ». وجوَّز الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ، الثَّمانِينَ للمَصْلَحَةِ،
وقال: هى الرِّوايَةُ الثَّانيةُ. فالزِّيادَةُ عندَه على الأرْبَعِين إلى الثَّمانِين ليستْ واجِبَةً على الإِطْلاقِ، ولا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُحَرَّمَةً على الإِطْلاقِ، بل يُرْجَعُ فيها إلى اجْتِهادِ الإِمامِ، كما جوَّزْنا له الاجْتِهادَ فى صِفَةِ الضَّرْبِ فيه بالجَرِيدِ، والنِّعالِ، وأطْرافِ الثِّيابِ،
بخِلافِ بقِيَّةِ الحُدودِ. انتهى.
قال الزَّرْكَشِىُّ: قلتُ: وهذا القولُ هو الذى يقُومُ عليه الدَّليلُ. وعندَ الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ، أيضًا، يُقْتَلُ شارِبُ الخَمْرِ فى الرَّابِعَةِ عندَ الحاجَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى قَتْلِه، إذا لم يَنْتَهِ النَّاسُ بدُونِه. انتهى. وتقدَّم فى كتابِ الحُدودِ، أنَّه لا يُحَدُّ حتى يصْحُوَ.
تنبيه: مفْهومُ قولِه: مخْتارًا. أنَّ غيرَ المُخْتارِ لشُربِها لا يُحَدُّ؛ وهو المُكْرَهُ. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ منهم. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وصحَّحه النَّاظِمُ وغيرُه. وقدَّمه الزَّرْكَشِىُّ وغيرُه.
وعنه، عليه الحَدُّ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ فى «التَّنْبِيهِ». وأَطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّغِيرِ». وظاهرُ كلامِه فى «الفُروعِ»، أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ إذا قُلْنا:[يَحْرُمُ شُرْبُهَا].
فوائد؛ الأُولَى، إذا أُكْرِهَ على شُرْبِها، حلَّ شُرْبُها. على الصَّحيحِ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ». وعنه، لا يحِلُّ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ. ذكَرَهما القاضى فى «التَّعْليقِ»،
وقال: كما لا يُباحُ لمُضْطَرٍّ.
الثَّانيةُ، الصَّبْرُ على الأذَى أفْضَلُ مِن شُرْبها. نصَّ عليه.
وكذا كلُّ ما جازَ فِعْلُه للمُكْرَهِ. ذكَرَه القاضى وغيرُه.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ: رخَّصَ أكثرُ العُلَماءِ فيما يُكْرَهُ عليه مِنَ المُحَرَّماتِ لحقِّ اللَّهِ، كأَكْلِ المَيْتَةِ، وشُرْبِ الخَمْرِ. وهو ظاهرُ مذهبِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ.
الثَّالثةُ، قولُه: عالِمًا. بلا نِزاع. لكِنْ لو ادَّعَى أنَّه جاهِلٌ بالتَّحْريمِ، مع نُشوئِه بينَ المُسْلِمِين، لم يُقْبَلْ، وإلَّا قُبِلَ. ولا تُقْبَلُ دَعْوَى الجَهْلِ بالحَدِّ. قالَه ابنُ حَمْدانَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّابِعَةُ، لو سَكِرَ فى شهرِ رمَضانَ، جُلِدَ ثَمانِين حدًّا، وعِشْرِينَ تعْزِيرًا. نقَلَه صالِحٌ. ونقَل حَنْبَلٌ، يُغَلَّظُ عليه، كمَن قَتَل فى الحَرَمِ. واخْتارَه بعضُ الأصحابِ. ذكَرَه الزَّرْكَشِىُّ. قال فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»: إذا سَكِرَ فى رَمضانَ، غُلِّظَ حدُّه. واخْتارَ أبو بَكْرٍ، يُعَزَّرُ بعشَرَةٍ فأَقَلَّ.
وقال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»: عُزِّرَ بعِشْرِين لفِطْرِه.
الخامسةُ، يُحَدُّ مَن احْتَقَنَ بها. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، نصَّ عليه، كما لو استَعطَ بها، أو عَجَنَ بها دَقِيقًا فأكَلَه.
وقيل: لا يُحَدُّ مَنِ احْتَقَنَ بها. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، واخْتارَاه. واخْتارَ أيضًا، أنَّه لا يُحَدُّ إذا عجَن به دقيقًا وأكَلَه.
وقال فى «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والعِشْرِين»: لو خلَط خَمْرًا بماءٍ، واسْتُهْلِكَ فيه، ثم شَرِبَه، لم يُحَدَّ على المَشْهورِ؛ وسواءٌ قيلَ بنَجاسَةِ الماءِ، أَوْ لا. وفى «التَّنْبِيهِ» لأبى بَكْرٍ، مَن لَتَّ بالخَمْرِ سَوِيقًا، أو صَبَّها فى لَبَنٍ أو ماءٍ جارٍ، ثم شَرِبَها، فعليه الحدُّ. ولم يُفَرقْ بينَ الاسْتِهْلاكِ وعدَمِه. انتهى.
وأمَّا إذا خَبَزَ العَجِينَ، فإنَّه لا يُحَدُّ بأَكْلِ الخُبْزِ؛ لأَنَّ النَّارَ أكَلَتْ أجْزاءَ الخَمْرِ. قالَه الزَّرْكَشِىُّ وغيرُه. ونقَل حَنْبَلٌ، يُحَدُّ إنْ تَمَضْمَضَ به.
وكذا روَاه بَكْرُ بنُ محمدٍ، عن أبِيه ، فى الرَّجُلِ يَسْتَعطُ بالخَمْرِ، أو يحْتَقِنُ به، أو يتَمَضْمَضُ به، أَرَى، عليه الحدُّ. ذكَرَه القاضى فى «التَّعْليقِ». قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو مَحْمولٌ على أنَّ المَضْمَضَةَ وصلَتْ إلى حَلْقِه. وذكَر ما نقَله حَنْبَلٍ فى «الرِّعَايةِ» قوْلًا، ثم قال: وَالرَّقِيقُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا الذِّمِّىَّ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ بِشُرْبِهِ، فى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وهو بعيدٌ. وقال فى «المُسْتَوْعِبِ»: إنْ وصَلَ جَوْفَه، حُدَّ.
قال: (ومن شربه مختاراً عالماً أن كثيره يسكر. قليلاً كان أو كثيراً: فعليه الحد ثمانون جلدة إن كان حراً. وعنه: أربعون، والرقيق على النصف من ذلك، إلا الذمي فإنه لا يحد بشربه في الصحيح من المذهب) .
أما كون من شرب الخمر عليه الحد في الجملة؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من شربَ الخمرَ فاجلدُوه». رواه أبو داود.
وقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعلياً جلدوا شاربها.
وأما كونه عليه الحد قليلاً كان ذلك أو كثيراً؛ فلأن القليل خمر فدخل في عموم قوله عليه السلام:«من شربَ الخمرَ فاجلدُوه». رواه أبو داود.
ولأنه شراب فيه شدة مُطربة. فوجب الحد بشرب قليله؛ كالكثير.
وأما كونه يشترط لكون الحد عليه أن يشربه مختاراً؛ فلأن من شربه مكرهاً لا حدَّ عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه».
وأما كونه يشترط لذلك أن يشربه عالماً أن كثير ذلك يسكر؛ فلأن من شربه غير عالم بذلك لا حد عليه؛ لأنه غير قاصد إلى ارتكاب المعصية. أشبه من وطئ امرأة وظنها زوجته.
وعن عمر رضي الله عنه:«لا حدَّ إلا على من علِمَه».
وليس المراد من علمَ التحريم؛ «لأن عمر رضي الله عنه حدّ قدامة بن مظعون» وهو يعتقد حلها. فتعين أن يراد بالعلم علم أن كثير ذلك يُسكر.
وأما كون حد الخمر ثمانين جلدة على روايةٍ إن كان الشارب حراً؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه استشارَ الناس في حد الخمر. فقال عبدالرحمن: اجعله كأخفِّ الحدود. فضرب عمرُ ثمانين».
وروي:«أن عليًا قال في المشورة: إذا سكِرَ هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري». وروى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما.
وأما كونه أربعين على روايةٍ إن كان كذلك؛ فـ «لأن علياً رضي الله عنه جلدَ الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال: جلدَ النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سنةٌ، وهذا أحبُ إليّ». رواه مسلم.
وعن أنس قال:«أُتي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم برجلٍ قد شربَ الخمر فضربه بالنعال نحوًا من أربعين، ثم أُتي به أبو بكر فصنع مثل ذلك، ثم أُتي به عمر فاستشار الناس في الحد فقال ابن عوف: أقلُّ الحدودِ ثمانونَ. فضربه عمر» متفق عليه.
فإن قيل: فعل عمر كان بمحضر من الصحابة فيكون إجماعاً.
قيل: فعل النبي صلى الله عليه وسلم أولى من فعل غيره. ويحمل فعل عمر على أنه رأى الزيادة على وجه التعزير. ودعوى الإجماع لا تصح؛ لأنه كيف ينعقد الإجماع على شيء قد خالف فيه أبو بكر وعلي رضي الله عنهما.
وأما كون حد الرقيق على النصف من الحر؛ فلأنه على النصف في الزنى. فلأن يكون على النصف من شرب الخمر بطريق الأولى.
وأما كون الذمي لا يحد بشربه في الصحيح من المذهب؛ فلأنه لا يعتقد تحريمه. بخلاف الزنى وشبهه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.