وَإِنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ، حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمُّ الْآخَرِ وَابْنَتُهُ وَعَنْد أَبِي الْخَطَّابِ: هُوَ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْمُلَاعَنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ إِلَّا أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (ومَن تَلَوَّطَ بغُلامٍ، حَرُمَ على كلِّ واحدٍ منهما أُمُّ الآخَرِ وابْنَتُه) قاله بعضُ أصحابِنا، قال: ونَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الأوْزَاعِيِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في الفَرْجِ، فنَشَرَ الحُرْمَةَ، كوَطْءِ المرأةِ، ولأنَّها بنْتُ مَن وَطِئَه أو أُمُّه، فحَرُمَتا عليه، كما لو كانتِ المَوْطُوءَةُ أُنْثَى.
وقال أَبو الخَطَّابِ: يكونُ ذلك كالمُباشرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ، فيكون فيه الرِّوايَتان.
والصحيحُ أنَّ هذا لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ ،
فإنَّ هؤلاء غيرُ مَنْصُوصٍ عليهنَّ في التّحْرِيمِ، فيَدْخُلْن في عُمومِ قولِه تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. ولأنَّهُنَّ غيرُ مَنْصوصٍ عليهنَّ، ولا هنَّ في معنى المَنْصُوصِ عليه، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فيهِنَّ،
فإنَّ المَنْصُوصَ عليهنَّ في هذا حلائِلُ الأبناءِ ومَن نَكَحَهُن الآباءُ، وأمهاتُ النساءِ وبناتُهُنَّ، وليس هؤلاءِ منهنَّ، ولا في مَعْناهُنَّ؛ لأنَّ الوَطْءَ في المرأَةِ يكونُ سَبَبًا للبَضْعِيَّةِ، ويُوجِبُ المَهْرَ، ويَلْحَقُ به النَّسَبُ، وتَصِيرُ به المرأةُ فِرَاشًا، ويُثْبِتُ أحكامًا لا يُثْبِتُها اللِّواطُ، فلا يَجُوزُ إلْحاقُه بهنَّ؛ لعَدَمِ العِلَّةِ، وانْقِطاعِ الشَّبَهِ، ولذلك لو أرْضَعَ الرجلُ طِفْلًا، لم يَثْبُتْ به حُكْمُ التَّحْرِيمِ، فههُنا أوْلَى.
وإن قُدِّرَ بينَهما شَبَهٌ مِن وَجْهٍ ضَعِيفٍ، فلا يجوزُ تَخْصِيصُ عُمومِ الكتابِ به، واطِّرَاحُ النَّصِّ بمِثْلِه.
فصل: ويَحْرُمُ على الرجلِ نِكاحُ بِنْتِه مِن الزِّنَى، وأُخْتِه، وبِنْتِ ابْنِه، وبنتِ بِنْتِه، وبنتِ أخِيه وأُخْتِه مِن الزِّنَى، في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ في المشهورِ مِن مَذْهَبِه: يجوزُ ذَلِك ؛ لأنَّها أجْنَبيَّةٌ منه، لا تُنْسَبُ إليه شَرْعًا، ولا يَجْرِي التَّوارُثُ بينَهما، ولا تَعْتِقُ عليه إذا مَلَكَها، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، فلم تَحْرُمْ عليه، كسائِرِ الأجانبِ. ولَنا، قولُه تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}. وهذه بِنْتُه، فإنَّها أُنْثَى مَخْلُوقَةٌ مِن مائِه، وهذه حقيقةٌ لا تَخْتَلِفُ بالحِلِّ والحُرْمَةِ، و يَدُلُّ على ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في امرأةِ هِلَالِ بنِ أُمَيَّة : «انْظُرُوهُ» يَعْنِي وَلَدَها «فَإنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَي صِفَةِ كذا فَهُوَ لشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ».
يعني الزَّانِيَ . ولأنَّها مخلوقةٌ مِن مائِه، فأشْبَهَتِ المخلوقةَ مِن وَطْءِ الشُّبْهَةِ، ولأنَّها بَضْعَةٌ منه، فلم تَحِلَّ له، كبنْتِه مِن النِّكاحِ، وتَخَلُّفُ بعضِ الأحْكامِ لا يَنْفِي كَوْنَها بِنْتًا، كما لو تَخَلَّفَ لرِقٍّ أو اخْتِلافِ دِينٍ. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ عِلْمِه بكَوْنِها منه، مثلَ أن يَطَأَ امرأةً في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه غيرُه، ثم يَحْفَظَها حتى تَضَعَ، أو يَشْتَرِكَ جماعةٌ في وَطْءِ امرأةٍ، فتَأْتِيَ بوَلَدٍ لا يُعْلَمُ هل هو منه أو مِن غيرِه؟
فإنَّها تَحْرُمُ على جميعِهِم لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّها بِنْتُ مَوْطُوءَتِهم.
والثاني، أنّا نَعْلَمُ أنَّها بِنتُ بَعْضِهم، فتَحْرُمُ على الجميعِ، كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّان ولم يُعْلَمِ السَّابِقُ منهما. وتَحْرُمُ على أولادِهِم؛ لأنَّها أختُ بعْضِهم غيرَ معلومٍ،
فإن ألحَقَتْها القافةُ بأحَدِهم، حَلَّتْ لأولادِ الباقِين. (القسمُ الرابعُ، المُلَاعِنَةُ، تَحْرُمُ على المُلاعِنِ على التَّأْبِيدِ)
أمَّا إذا لم يُكْذِبْ نفْسَه، فلا نَعْلَمُ أحدًا قال
بخِلافِ ذلك إلَّا قولًا شاذًّا،
فإن أكْذَبَ نَفْسَه، فالمَشْهُورُ في المذهبِ أنَّها بَاقِيَةٌ على التَّحْرِيمِ المُؤبَّدِ. وعن أحمدَ رِواية شاذَّة، أنَّها تَحِلُّ له، وتَعُودُ فِراشًا له، إذَا لم يَكنْ وُجِدَ منه ما يُبينُها ؛ لأنَّه رَجَع عن المَعْنَى المُحَرّمِ، فزَال التَّحْرِيمُ، ولذلك يُحَدُّ ويَلْحَقُه نَسَبُ الوَلَدِ، وهذه الرِّوايَةُ شَذَّ بها حَنْبَلٌ عن أصحابِه، وتفَرَّدَ بها، والعَمَلُ على الرِّوايةِ الأُولَى، وهذا يذْكَرُ في بابِ اللِّعَانِ مَبْسُوطًا، إن شاء اللهُ تعالى.
(وَإِنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ، حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمُّ الْآخَرِ وَابْنَتُهُ) أَيْ: يَحْرُمُ بِوَطْءِ الْغُلَامِ مَا يَحْرُمُ بِوَطْءِ الْمَرْأَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ، فَيَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إِلَى مَنْ ذُكِرَ كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ (وَعَنْد أَبِي الْخَطَّابِ: هُوَ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ) فَيَكُونُ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لشَهْوَةً ; لِكَوْنِهِ وَطَئا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (وَهُوَ الصَّحِيحُ) عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى تَحْرِيمٍ،
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى النِّسَاءِ ; لِأَنَّ وَطْأَهَا سَبَبٌ لِلْبُغْضَةِ، وَيُوجِبُ الْمَهْرَ، وَيَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، وَتَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ فِرَاشًا،
قَالَ ابْنُ الْبَنَّا وَابْنُ عَقِيلٍ: وَكَذَا دَوَاعِيهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ.
[الْمُلَاعَنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ] (الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْمُلَاعَنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ) إِذَا لَمْ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ ; لِقَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، رَوَاهُ الْجُوزْجَانِيُّ، وَنَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (إِلَّا أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تَحْرُمُ ; لِظَاهِرِ الْخَبَرِ ; وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ قَبْلَ الْجَلْدِ وَالتَّكْذِيبِ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِالتَّكْذِيبِ كَالرَّضَاعِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَحِلُّ، نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ أَنَّهَا الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَكْذَبَ صَارَتْ شُبْهَتُهُ بِحَالِهَا قَبْلَ الْمُلَاعَنَةِ، وَهِيَ حِينَئِذٍ حَلَالٌ،
وَعَنْهُ: بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُفَرِّقِ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا،
أَمَّا إِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَا وَجْهَ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِاللِّعَانِ،
وَإِنْ قِيلَ: لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِفُرْقَةِ الْحَاكِمِ، فَلَا تَحْرُمُ حَتَّى يَقُولَ: حَلَّتْ لَهُ،
وَظَاهِرُهُ إِذَا كَانَ اللِّعَانُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَلَا حَدَّ، قَوْلًا وَاحِدًا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا وَطِئَ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوِ ابْنَتَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ ; لِأَنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُحَرِّمُهَا، أَشْبَهَ الرَّضَاعَ.
[الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ] [الْمُحَرَّمَاتُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ] فَصْلٌ
وإنْ تَلَوَّطَ بغُلامٍ، حَرُمَ على كُل واحِدٍ منهما أُمُّ الآخَرِ وابْنَتُه. يعْنِي، أنَّه يحْرُمُ باللواطِ ما يحْرُمُ بوَطْءِ المَرْأَة. وهذا المذَهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»: [هذا قولُ أصحابِنا. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»] ، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وعندَ أبِي الخَطَّابِ، هو كالوَطْءِ دُون الفَرْجِ. يعْنِي، كالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ، على ما تقدَّم مِنَ الخِلافِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . .
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وهو الصَّحيحُ.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه جماعَةٌ.
وقال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: المَنْصُوصُ عنِ الإِمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ: في مَسْألةِ التَّلَوُّطِ؛ أنَّ الفاعِلَ لا يتَزَوجُ بِنْتَ المَفْعولِ فيه ولا أُمَّه. قال: وهو قِياسٌ جيِّدٌ.
قال: فأمَّا تزَوُّجُ المَفْعولِ فيه بأُمِّ الفاعِلِ، ففيه نظَرٌ، ولم يَنُصَّ عليه.
قال ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»: وقيل: لا ينْشُرُ الحُرْمَةَ أَلْبَتَّةَ. وهو أشْبَهُ. انتهى.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ دَواعِيَ اللِّواطِ ليستْ كاللِّواطِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. قدَّمه في «الفُروعِ». وذكَر ابنُ عَقِيلٍ، وابنُ البَنَّا، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّه كاللِّواطِ. وأطْلَقَهما في «الرِّعايَةِ».
فائدة: السِّحاقُ بينَ النِّساءِ لا ينْشُرُ الحُرْمَةَ. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ في «مُفْرَداتِه» الْقِسْمُ الرَّابِعُ، الْمُلَاعِنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ عَلَى التَّأْبِيدِ، إلا أَنْ يُكْذِبَ نَفْسَهُ، فَهَلْ تَحِلُّ له؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
محَلَّ وفاقٍ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحَمِه اللهُ: قِياسُ النُّصوصِ في اللِّواطِ، أنَّه يُخَرجُ على الرِّوايتَين في مُباشَرَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ لشَهْوَةٍ. القِسْمُ الرَّابعُ، المُلاعِنَةُ تحْرُمُ على المُلاعِنِ على التَّأْبِيدِ، إلا أنْ يُكْذِبَ نَفْسَه، فهل تحِلُّ؟ على رِوايتَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، إحْداهما، لا تحِلُّ، بل تحْرُمُ على التَّأْبِيدِ. وهو المذهبُ. نقَلَها الجماعَةُ عنِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ. وصحَّحَه في «التَّصْحيحِ»، و «الخُلاصَةِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه المُصَنِّفُ في هذا الكِتابِ، في بابِ اللِّعانِ. قال الشَّارِحُ: المَشْهورُ في المذهبِ، أنَّها باقِيَةٌ على التَّحْريمِ المُؤبَّدِ، والعَمَلُ عليها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ» في بابِ اللِّعانِ، وقدَّمه في «الفُروعِ» أيضًا. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، تُباحُ له. قاله ابنُ رَزِينٍ. وهو أظْهَرُ. قال الشَّارِحُ هنا وفي بابِ اللِّعانِ: وهذه الروايَةُ شَذَّ بها حَنْبَلٌ عن أصحابِه. قال أبو بَكْرٍ: لا نَعْلَمُ أحدًا رَواها غيرَه. قال المُصنِّفُ: يَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هذه الرِّوايَةُ على ما إذا لم يُفَرِّقِ الحاكِمُ بينَهما،
فأمَّا إنْ فرَّق بينَهما، فلا وَجْهَ لبَقاءِ النِّكاحِ بحالِه. انتهى.
وعنه، تُباحُ بنِكاحٍ جَديدٍ، أو مِلْكِ يَمِينٍ، إنْ كانتْ أَمَةً. ويأَتي هذا في اللعانِ أيضًا مُسْتَوْفًى، فليُراجَعْ. [فعلى المذهبِ، لو وقَع اللِّعانُ بعدَ البَينُونَةِ، أو في نِكاحٍ فاسِدٍ، فهل يُفِيدُ التَّحْرِيمَ المُوبَّدَ، أم لا؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. ذكَرُوه في اللِّعانِ؛ أحدُهما، تحْرُمُ أيضًا على التَّأْبِيدِ. وهو الصَّحيحُ. قدَّمه في «الكافِي». والوَجْهُ الثَّاني، لا يَتأَبَّدُ التَّحْريمُ في المَسْألتَينِ.
قدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»] .
فائدة: ذكَر الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، في كتابِ التَّحْليلِ، أنَّ الرَّجُلَ إذا قتَل رَجُلًا ليَتزَوَّجَ امْرَأَته، أنَّها لا تحِلُّ له أبدًا. وسُئِلَ عن رَجُلٍ خَبَّثَ فَصْل: الضَّرْبُ الثَّانِي، الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ، وَهُنَّ نَوْعَانٍ؛ أَحدُهُمَا، المُحَرَّمَاتُ لأجْلِ الْجَمْعِ، فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَينَ الأُخْتَينَ، امْرأةً على زَوْجِها حتى طَلُقَتْ ثم تزَوَّجَها؟ أجابَ: يُعاقَبُ مثْلُ هذا عُقوبَةً بَلِيغَةً، والنِّكاحُ باطِلٌ في أحَدِ قَوْلَي العُلَماءِ في مذهبِ الإِمامِ أحمدَ والإِمامِ مالِكٍ وغيرِهما، رَحِمَهم اللهُ،
ويجِبُ التَّفْرِيقُ فيه.
فوائد؛ إحْداها ، إذا فسَخ الحاكِمُ نِكاحَه لعُنَّتِه، أو عَيبٍ فيه يُوجِبُ الفَسْخَ، لم تَحْرُمْ على التَّأْبِيدِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، ذكَرَه في بابِ العُيوبِ.
وعنه، تَحْرُمُ على التَّأْبِيدِ، كاللِّعانِ.
الثَّانيةُ، قوْلُه: فيحْرُمُ الجَمْعُ بينَ الأُخْتَين وبين المَرْأةِ وعَمَّتِها، أو خالتِها. وَبَينَ الْمَرأةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالتِهَا، بلا نِزاعٍ، وسواءٌ كانت العَمَّةُ والخالةُ حَقِيقَةً أو مجَازًا، كعَمَّاتِ آبائِها وخالاتِهم، وعَمَّاتِ أُمَّهاتِها وخالاتِهِنَّ،
وإنْ علَتْ دَرَجَتُهُنَّ، ولو رَضِيَتا، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ. وخالفَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدَّينِ، رَحِمَه الله، في الرَّضاعِ، فلم يُحَرمِ الجَمْعَ مع الرَّضاعِ. فعلى المذهبِ، كلُّ شَخْصَين لا يجوزُ لأحَدِهما أنْ يتَزَوَّجَ الآخَرَ، لو كان أحدُهما ذكَرًا، والآخَرُ أُنثَى، لأجْلِ القَرابَةِ، لا يجوزُ الجمعُ بينَهما. قاله الأصحابُ. قال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: خالُ أبِيها بمَنْزِلَةِ خالِها.
وكذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يحْرُمُ عليه الجَمْعُ بينَ عَمَّةٍ وخالةٍ؛ بأنْ ينْكِحَ امْرَأةً وينْكِحَ ابنُه أُمَّها، فيُولَدَ لكُلِّ واحدٍ منهما بِنْتٌ.
ويحْرُمُ أيضًا الجمْع بينَ خالتَين؛ بأنْ ينْكِحَ كلُّ واحدٍ منهما ابنَةَ الآخَرِ، فيُولَدَ لكلِّ واحدٍ منهما بِنْتٌ.
ويحْرُمُ أيضًا الجمْعُ بينَ عَمَّتَين، بأنْ ينْكِحَ كل واحدٍ منهما أُمَّ الآخَرِ، فيُولَدَ لكلِّ واحدٍ منهما بِنْتٌ. الثَّالثةُ، لا يُكْرَهُ الجَمْعُ بَين بِنْتَيْ عَمَّيه أو عَمَّتَيه، أو ابْنَتَيْ خاليه أو خالتَيه، أو بِنْتِ عَمِّه وبِنْتِ عَمَّتِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبَ. جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ» وغيرِه. كما لا يُكْرَهُ جَمْعُه بينَ مَن كانتْ زَوْجَةَ رَجُلٍ وبِنْتِه مِن غيرِها.
وعنه، يُكْرَهُ. جزَم به في «الكافِي»، فيكون هذا المذهبَ. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». وحرَّمه في «الرَّوْضَةِ»؛ قال: لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولكنْ يُكْرَهُ قِياسًا. يعْنِي، على الأُخْتَين. قاله في «الفُروعِ». الرَّابعةُ، لو تزَوَّجَ أُخْتَ زَيدٍ مِن أبِيه، وأُخْتَه مِن أُمِّه في عَقْدٍ واحدٍ، صحَّ. ذكرَه في «الرِّعايَةِ» وغيرِه.
فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ، لَمْ يَصِحَّ، الخامسةُ، لو كان لكُلِّ رَجُلٍ بِنْتٌ، ووَطِئا أَمَةً، فَأُلْحِقَ وَلَدُها بهما، فتَزَوَّجَ رَجُلٌ بالأَمَةِ وبالبِنْتَين، فقد تزَوَّجَ أُمَّ رَجُلٍ وأُخْتَيه. ذكَرَه ابنُ عُقِيلٍ، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ».
قلتُ: فيُعايىَ بها، وقد نظَمَها بعضُهم لُغْزًا.
وهل له الشِّبَعُ؟ على رِوايتَين. وأَطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إحْداهما، ليسَ له ذلك، ولا يحِلُّ له إلَّا ما يَسُدُّ رَمَقَه. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ عامَّةِ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . .
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، له الأَكْلُ حتى يشْبَعَ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ.
وقيل: له الشِّبَعُ إنْ دامَ خوْفُه. وهو قَويٌّ. وفرَّق المُصَنِّفُ، وتبِعَه جماعةٌ، بينَ ما إذا كانتِ الضَّرورةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُسْتَمِرَّةً، فيجوزُ له الشِّبَعُ، وبينَ ما إذا لم تكُنْ مسْتَمِرَّةً، فلا يجوزُ.
فوائد؛ إحْداها، هل له أنْ يتَزَوَّدَ منه؟ مَبْنِيٌّ على الرِّوايتَين في جَوازِ شِبَعِه. قاله في «التَّرْغِيبِ». وجوَّز جماعَةٌ التَّزَوُّدَ منه مُطْلَقًا.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، وليسَ في ذلك ضَرَرٌ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: أصحُّ الرِّوايتَين، يجوزُ له التَّزَوُّدُ. ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، والفَضلُ بنُ زِيادٍ، يتَزَوَّدُ إنْ خافَ الحاجَةَ. جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ». واخْتارَه أبو بَكْرٍ. وهو الصَّوابُ أيضًا.
الثَّانيةُ، يجبُ تقْديمُ السُّؤالِ على أكْلِ المُحَرَّمِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ نُقَله أبو الحارِثِ.
وقال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: إنَّه لا يجِبُ فَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ، وَمَيتَةً، أَوْ صَيدًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَال أَصْحَابُنَا: يَأْكُلُ الْمَيتَةَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحِلَّ لَهُ الطَّعَامُ وَالصَّيدُ، إِذَا لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ الْمَيتَةَ.
ولا يأْثَمُ، وأنَّه ظاهِرُ المذهبِ.
الثَّالثةُ، ليسَ للمُضْطَرِّ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ الأَكْلُ مِن المَيتَةِ؛ كقاطِعِ الطَّريقِ والآبِقِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال صاحبُ «التَّلْخيصِ»: له ذلك. وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، وجماعةٍ.
الرَّابعَةُ، حكمُ المُحَرَّماتِ حكمُ المَيتَةِ فيما تقدَّم.
قال: (وإن تلوط بغلام حرم على كل واحد منهما أمُّ الآخر وابنته، وعند أبي الخطاب هو كالوطء دون الفرج. وهو الصحيح) .
أما كون كل واحد ممن ذُكر يحرم عليه أمُّ الآخر وابنته على المذهب؛ فلأن اللواط وطء في الفرج. فنشر الحرمة إلى من ذكر؛ كوطء المرأة.
وأما كون التلوط عند أبي الخطاب كالوطء دون الفرج؛ فلأنه لا يتعلق به أحكام وطء المرأة من الإحلال ونحوه. فكذا التحريم.
وأما كون قول أبي الخطاب هو الصحيح؛ فلأن من ذكر غير منصوص على تحريمهن. فيدخلن في عموم قوله تعالى:{وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم}.
ولا يصح قياسهن على النساء؛ لأن الوطء في المرأة يكون سبباً للبضعية، ويوجب المهر، ويلحق به النسب، وتصير المرأة به فراشاً، وتثبت أحكاماً لا يثبتها اللواط. فلا يجوز إلحاقه به؛ لعدم العلة وانقطاع الشبه. ولذلك لو أرضع الرجل طفلاً لم يثبت به أحكام التحريم. فهاهنا أولى.
قال: (القسم الرابع: الملاعنة تحرم على الملاعن على التأبيد؛ إلا أن يُكَذِّب نفسه فهل تحل؟ على روايتين) .
أما كون القسم الرابع من المحرمات: الملاعنة؛ فلأنه يلي القسم الثالث.
وأما كون الملاعنة من المحرمات؛ فلما روى سهل بن سعد قال:«مضت السنةُ في المتلاعنين أن يفرّق بينهما لا يجتمعا أبداً». رواه الجوزجاني بإسناده.
وروي مثل هذا عن عمر بن الخطاب.
وأما كونها تحرم على المتلاعن على التأبيد إذا لم يكذب نفسه؛ فلما ذكر من الحديث قبل.
وأما كونها تحرم عليه إذا أكذب نفسه على روايةٍ؛ فلعموم ما ذكر.
ولأنه تحريم لا يرتفع قبل الجلد والتكذيب. فلم يرتفع بالتكذيب؛ كالرضاع.
وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلأنه لما أكذب نفسه صارت شبيهة بحالها قبل الملاعنة وهي حينئذ حلال. فكذلك فيما يشبهه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.