وَإِذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ، وَقَالَ: أَعْتَقْتُكَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَزُولَ، وَيَمْلِكَهُ مَنْ أَخَذَهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن أرْسَلَ صَيدًا، وقال: أعْتَقْتُكَ. لم يَزُلْ مِلْكُه عنه. ويَحْتَمِلُ أن يَزُولَ) وهو لِمَن أخَذَه. ظاهِرُ المذهبِ أنَّه لا يزُولُ مِلْكُه عنه بالإِرْسالِ والإِعْتاقِ. قاله أصْحابُنا. كما لو أرْسَلَ البَعِيرَ والبقرَةَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يزولَ المِلْكُ؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، والإِرْسالُ يَرُدُّه إلى أصْلِه. ويُفارِقُ بهِيمَةَ الأنْعامِ مِن وجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ الأصْلَ ههُنا الإِباحَةُ، وبهيمَةُ الأنْعامِ بخلافِه. الثاني، أنَّ الإِرْسال ههُنا يُفيدُ، وهو رَدُّ الصَّيدِ إلى الخلاص. مِن أيدِي الآدَمِيِّين وحبْسِهم، ولهذا رُوِيَ عن أبي الدَّرْداءِ أنَّه اشْتَرَى عُصْفُورًا مِن صَبِيٍّ فأرْسَلَه، ولأنَّه يَجِبُ إرْسالُ الصَّيدِ على المُحْرِمِ إذا أحْرَمَ،
بخلافِ بهيمَةِ الأنْعامِ، فإنَّ إرْساله تَضْيِيعٌ له، ورُبَّما هلَكَ إذا لم يكُنْ له مَن يَقُومُ به.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (الرابعُ التَّسْمِيَةُ عندَ إرْسالِ السَّهْمِ أو الجارِحَةِ،
فإن تَرَكَها، لم يُبَحْ، سواءٌ تَرَكَها عَمْدًا أو سَهْوًا، في ظاهرِ المذْهَبِ.
وعنه، إن نَسِيَها على السَّهْمِ أُبِيحَ،
وإن نَسِيَها على الجارِحَةِ لم يُبَحْ) ظاهِرُ المذهب أنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ لإِباحَةِ الصَّيدِ، وأنَّها لا تسْقُطُ بالسَّهْو. وهو قولُ الشَّعْبِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وداودَ. ورَوَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّ التَّسْمِيَةَ تسْقُطُ بالنِّسْيانِ. قال الخَلَّالُ: سَها حَنْبَلٌ في نَقْلِه. وممَّن أباحَ مَتْروكَ التَّسْمِيَةِ في النِّسْيانِ دونَ العَمْدِ أبو حنيفةَ، ومالِكٌ؛ لقوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عن الخَطَأ والنِّسْيَانِ». ولأنَّ إرْسال الجارِحَةِ جَرَى مَجْرَى التَّذْكِيَةِ، فعُفِيَ عن النِّسْيانِ فيه، كالذَّكاةِ.
وعن أحمدَ، أنَّ التَّسْمِيَةَ تُشْتَرَطُ على إرْسالِ الكَلْبِ في العَمْدِ والنِّسْيانِ
بخلافِ السَّهْمِ، فإنَّ السَّهْمَ آلةٌ حقيقَةً ، وليس له اخْتِيارٌ، فهو بمَنزِلَةِ السِّكِّينِ،
بخلافِ الحيوانِ، فإنَّه يفْعَلُ باخْتِيارِه.
وقال الشافِعِيُّ: يُباحُ مَتْروكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا وسَهْوًا؛ لأنَّ البَراءَ روَى، أنَّ النبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«الْمُسْلِمُ يَذْبَحُ على اسْمِ اللهِ، سَمَّى أو لم يُسَمِّ». وعن أبي هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قيلَ له: أرأيتَ الرَّجُلَ منَّا يَذْبَحُ ويَنْسَى أن يُسَمِّيَ اللهَ؟ فقال:«اسْمُ اللهِ في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ». وقد رُوِيَ عن أحمدَ مثلُ ذلك. ولَنا، قولُه تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ}.
وقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وذَكَرْتَ [اسْمَ اللهِ عَلَيهِ]، فَكُلْ».
قلتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فأجدُ معه كَلْبًا آخَرَ؟ قال:«لا تَأْكُلْ، فإنَّكَ إنَّما سَمَّيتَ على كَلْبِكَ، ولم تُسَمِّ على الآخَرِ». مُتَّفَقٌ عليه .
وفي لفْظٍ: «إذا خَالطَ كِلَابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيهَا، فأمْسَكْنَ وقَتَلْنَ، فلا تَأْكُلْ».
وفي حديثِ أبي ثَعْلَبَةَ:«ومَا صِدْتَ بقَوْسِكَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عليه، فكُلْ». وهذه نصوصٌ صَحِيحَةٌ، فلا يُعَرَّجُ على ما خالفَها. وقولُه:«عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ». يَقْتَضِي نَفْيَ الإِثْمِ، لا جَعْلَ الشَّرْطِ [المعْدُومِ كالموجُودِ]، بدليلِ ما لو نَسِيَ شَرْطَ الصَّلاةِ. والفَرْقُ بينَ الصَّيدِ والذَّبِيحَةِ، أنَّ الذَّبْحَ وَقَعَ في مَحَلِّه، فجازَ أن يُتَسامَحَ فيه،
بخلافِ الصَّيدِ. وأحَادِيثُ أصْحابِ الشافعيِّ، لم يذْكُرْها أصْحابُ السُّنَنِ المشْهُورَةِ،
وإن صَحّتْ فهي في الذَّبِيحَةِ،
ولا يصحُّ قياسُ الصَّيدِ على الذَّبِيحَةِ؛ لِمَا ذكَرْنا، مع ما في الصَّيدِ مِن النُّصوصِ الخاصَّةِ. واللهُ أعلمُ. فصل: إذا سَمَّى الصائِدُ على صَيدٍ فأصابَ غيرَه، حَلَّ،
وإن سَمَّى على سَهْمٍ، ثم ألْقاه وأخَذَ غيرَه، فرَمَى به، لم يُبَحْ ما صادَ به؛ لأنَّه لمَّا لم يُمْكِنِ اعْتِبارُ التَّسْمِيَةِ على صَيدٍ بعَينِه، اعْتُبِرَتْ على الآلةِ التي يَصِيدُ بها،
بخلافِ الذَّبِيحَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُباحَ، قياسًا على ما لو سمَّى على سِكِّينٍ ثم ألْقاها وأخَذَ غيرَها، وسُقُوطُ اعْتِبارِ تعْيِينِ الصَّيدِ لمَشَقَّتِه، لا يَقْتَضِي اعْتِبارَ تَعْيينِ الآلةِ، فلا يُعْتَبَرُ.
(وَإِذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ، وَقَالَ: أَعْتَقْتُكَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَكَانْفِلَاتِهِ، أَوْ نَدَّ أَيَّامًا، ثُمَّ صَادَهُ آخَرُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْإِرْسَالَ وَالْاعْتِقَاقَ لَا يُوجِبُ زَوَالَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ أَعْتَقْتُكَ فِي حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ، لِأَنَّهُ فِعْلُ الْجَاهِلِيَّةِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَزُولَ، وَيَمْلِكَهُ مَنْ أَخَذَهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَالْإِرْسَالُ يَرُدُّهُ إِلَى أَصْلِهِ
بِخِلَافِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلِأَنَّ الْإِرْسَالَ هُنَا بَعِيدٌ، وَهُوَ: رَدُّ الصَّيْدِ إِلَى الْخَلَاصِ مِنْ أَيْدِي الْآدَمِيِّينَ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ اشْتَرَى عُصْفُورًا مِنْ صَبِيٍّ، فَأَطْلَقَهُ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إِرْسَالُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا أَحْرَمَ،
بِخِلَافِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْعِتْقُ إِحْدَاثُ قُوَّةٍ تُصَادِفُ الرِّقَّ، وَهُوَ ضَعْفٌ شَرْعِيٌّ يَقُومُ بِالْمَحَلِّ، فَيَمْنَعُهُ عَنْ دَفْعِ يَدِ الِاسْتِيلَاءِ عَنْهُ، وَالرِّقُّ غَيْرُ الْمَالِيَّةِ.
[
وإِذا أرْسَلَ صَيدًا، وقال: أَعْتَقْتُكَ. لم يَزُلْ مِلْكُه عنه. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ظاهِرُ المذهبِ، فَصْلٌ: الرَّابعُ، التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ أَو الْجَارِحَةِ،
فَإِنْ لا يزُولُ مِلْكُه عنه. قاله أصحابُنا. وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و [«مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم] . وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
ويَحْتمِلُ أنْ يزولَ مِلْكُه عنه. وإليهِ مَيلُ الشَّارِحِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: ولا يجوزُ: أَعْتَقْتُكَ. في حَيوانٍ مأْكُولٍ؛ لأنَّه فِعْلُ الجاهلِيَّةِ. فعلى المذهبِ، لو اصْطادَ صَيدًا، فوَجَدَ عليه علامَةً؛ مثْلَ قِلادَةٍ في عُنُقِه، أو وجدَ في أُذُنِه قَطْعًا، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّ الذي صادَه أوَّلًا مَلَكَه.
وكذلك إنْ وجدَ طائِرًا مقْصُوصَ الجَناحِ، ويكونُ لُقَطَةً.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.