وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ دَارًا هو داخِلُهَا، فأقَامَ فيها، حَنِث عندَ القاضي. ولم يَحْنَثْ عندَ أبي الخَطَّابِ) ووَجْهُ قولِ القاضي، أنَّ اسْتِدامَةَ المُقامِ في مِلْكِ الغيرِ كابْتِدائِه في التَّحْريمِ. قال أحمدُ في رجلٍ حَلَف على امرأتِه: لا دَخَلْتُ أنا وأنْتِ هذه الدارَ. وهما جميعًا فيها، قال: أخافُ أن يكونَ قد حَنِث.
والثاني، لا يَحْنَثُ. اخْتارَه أبو الخطَّابِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الدُّخولَ لا يُسْتَعْمَلُ في الاسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: دَخَلْتُها مُنْذُ شَهْرٍ. ولا يقالُ: دَخَلْتُها شَهْرًا. فجَرَى مَجْرَى التَّزْويجِ، ولأنَّ الدُّخولَ الانْفِصالُ من خارِجٍ إلى داخِلٍ، ولا يُوجَدُ في الإِقامَةِ. وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين. ويَحْتَمِلُ أنَّ مَن أحْنَثَه إنَّما كان لأنَّ ظاهِرَ حالِ الحالِفِ أنَّه يَقْصِدُ هِجْرانَ الدَّارِ ومُبايَنَتَها، والإِقامَةُ فيها تُخالِفُ ذلك، فجَرَى مَجْرَى الحالِفِ على تَرْكِ السُّكْنَى بها.
فصل: وإن حَلَف لا يُضاجِعُ امْرَأتَه على فِراشٍ، وهما مُتَضاجِعان، فاسْتَدامَ ذلك، حَنِث؛ لأنَّ المُضاجَعَةَ تَقَعُ على الاسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: اضْطَجَع على الفِراشِ لَيلَةً.
وإن كان هو مُضْطَجِعًا على الفِراشِ وَحْدَه، فاضْطَجَعت عندَه عليه، نَظَرْتَ؛
فإن قامَ لوَقْتِه، لم يَحْنَثْ،
وإنِ اسْتَدامَ، حَنِث؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن حَلَف لا يَصُومُ وهو صائِمٌ، فأتَمَّ يَوْمَه، فقال القاضي: لا يَحْنَثُ. [ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْنَثَ]؛ لأنَّ الصَّوْمَ يَقَعُ على الاسْتِدامَةِ، يقالُ: صامَ يَوْمًا.
ولو شَرَع في صَوْمِ يومِ العِيدِ، [فظَنَّ أنَّه مِن رمضانَ فبان يومَ العيدِ] حَرُمَتْ عليه اسْتِدامَتُه.
وإن حَلَف لا يُسافِرُ وهو مُسافِرٌ، فأخَذَ في العَوْدٍ أو أقامَ، لم يَحْنَثْ،
وإن مَضَى في سَفَرِه، حَنِثَ؛ لأنَّ الاسْتِدامَةَ سَفرٌ، ولهذا يقالُ: سافَرْت شَهْرًا. ٤٧٧٧ -
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي) لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ غَيْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمَقَامِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَابْتِدَائِهِ فِي التَّحْرِيمِ (وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) لِأَنَّ الدُّخُولَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِدَامَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: دَخَلْتُهَا مُنْذُ شَهْرٍ، وَلَا يُقَالُ: دَخَلْتُهَا شَهْرًا، فَجَرَى مَجْرَى التَّزْوِيجِ، وَلِأَنَّ الِانْفِصَالَ مِنْ خَارِجٍ إِلَى دَاخِلٍ، وَلَا يُوجَدُ فِي الْإِقَامَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَخَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَنِثَ، قَالَ السَّامِرِيُّ: فَحَمَلَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنَ الْكَوْنِ فِي دَاخِلِهَا، وَإِلَّا فَلَا يَحْنَثُ، حَتَّى يَبْتَدِئَ دُخُولَهَا،
وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ فُرْقَةَ أَهْلِهَا، أَوْ عَدَمَ الْكَوْنِ فِيهَا، أَوِ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ وَإِلَّا إِذَا دَخَلَ،
وإنْ حلَف لا يَدْخُلُ دارًا، ونَوَى اليَوْمَ، لم يَحْنَثْ بالدُّخُولِ في غيرِه. [ويُقْبَلُ قولُه في الحُكْمِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ»] .
وَإنْ دُعِيَ إِلَى غَداءٍ، فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى، اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ إِذَا قَصَدَهُ،
وَإن حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَش، يَقْصِدُ قَطْعَ الْمِنَّةِ، حَنِث بِأَكْلِ خُبْزِهِ، وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ الْمِنَّةُ.
وعنه، لا يُقْبَلُ في الحُكْمِ، ويُدَيَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى.
وإنْ حلَف لا يَدْخُلُ دارًا وهو داخِلُها، فأَقامَ فيها، حَنِثَ عِنْدَ القاضِي. وهو المذهبُ. نصَّ عليه.
قال في «الفُروعِ»: حَنِثَ في الأصحِّ. وصحَّحه في «النَّظْمِ». وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ». وقدَّمه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الرِّعايتَين»، و «الحاوي». ولم يَحْنَثْ عندَ أبي الخَطَّابِ. وأَطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيتًا، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيهِ، فَأَقَامَ مَعَهُ، فَعَلى الْوَجْهَينِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا، أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ في الْحَالِ، حَنِثَ، إِلَّا أنْ يُقِيمَ لِنَقْل مَتَاعِهِ، أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ فَيُقِيمَ إِلَى أنْ يُمْكِنَهُ.
وإنْ حلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، وأمْكَنَه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، أو حلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا فخَدَمَه وهو ساكِتٌ، فقال القاضِي: يَحْنَثُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو المذهبُ نصَّ عليه. وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الوَجيزِ». وجزَم به الأدَميُّ في «مُنْتَخَبِه»، و «الخُلاصةِ»، وغيرُهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَحْنَثَ. وهما وَجْهان مُطْلَقان في «المُذْهَبِ». وأطْلَقهما في الأولَى في «الهِدايَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرهم. وقدَّم في «المُحَرَّرِ»، أنَّه يَحْنَثُ في الثَّانِيَةِ.
وقال الشَّارِحُ: إنْ كان الخادِمُ عَبْدَه، حَنِثَ،
وإن كان عَبْدَ غيرِه، لم يَحْنَثْ. وجزَم به النَّاظِمُ.
تنبيه: مَفْهومُ كلامِه؛ أنَّه إذا لم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، أنَّه لا يَحْنَثُ. وهو صحيحٌ؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وهو المُكْرَهُ]، وهو المذهبُ. وعليه الأصحابُ.
وعنه، أنَّه يَحْنَثُ، وهو وَجْهٌ في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». فعلى المذهبِ، يَحْنَث بالاسْتِدامَةِ. على الصَّحيحِ.
وقيل: لا يَحْنَثُ. وتقدَّم بعضُ أحْكامِ المُكْرَهِ في آخِرِ بابِ تعْليقِ الطلاقِ بالشُّروطِ. فعلى الوَجْهِ الثَّاني في المَسْألةِ الأُولَى -وهو احْتِمالُ المُصَنِّف- لو اسْتَدامَ، ففي حِنْثِه وَجْهان. وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَررِ»، و «النَّظْمِ»،
وَإنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أو لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
وإنْ مَاتَ الْحَالِفُ، لَمْ يَحْنَثْ.
و «الزَّرْكَشِيِّ»؛ أحدُهما، يَحْنَثُ. قدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وهو ظاهرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ»، وهو الصَّوابُ. والثَّاني، لا يَحْنَثُ.
قال : (وإن حلف لا يدخل داراً هو داخلها فأقام فيها حنث عند القاضي، ولم يحنث عند أبي الخطاب. وإن حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلانٌ عليه فأقام معه فعلى الوجهين) .
أما كون من حلف لا يدخل داراً هو داخلها فأقام فيها يحنث على قول القاضي؛ فلأن استدامة الإقامة في الدار حرام كابتداء الدخول.
وأما كونه لا يحنث على قول أبي الخطاب؛ فلأن الدخول لا يُستعمل في الاستدامة، ولهذا يقال: دخلتها منذ شهر، ولا يقال: دخلتها شهراً فجرى مجرى التزويج.
ولأن الانفصال من خارج إلى داخل لا يوجد في الإقامة.
وأما كون من حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلانٌ عليه فأقام معه على الوجهين؛ فلأن الإقامة هنا كالإقامة في المسألة التي قبلها. فوجب أن يخرّج فيها ما خرّج فيها نقلاً ودليلاً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.