وَإِنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن قَرَأ بقِراءَةٍ تَخْرُجُ عن مُصْحَفِ عثمانَ، لم تَصِحُّ صَلاتُه. وعنه، تَصِحُّ) لا يُسْتَحَبُّ له أن يَقْرَأَ بغيرِ ما في مُصْحَفِ عثمانَ. ونُقِل عن أحمدَ، أنَّه كان يَخْتارُ قِراءَةَ نافِعٍ مِن طَرِيقِ إسماعيلَ بنِ جَعْفَرٍ،
فإن لم يَكُنْ فقِراءَةُ عاصِمٍ مِن طَرِيقِ أَبى بكرِ بنِ عَيّاشٍ. وأثْنَى على قِراءَة أَبى عَمْرٍو، ولم يَكْرَهْ قراءةَ أحَدٍ مِن العَشَرَةِ، إلَّا قِراءَةَ حَمْزَةَ والكَسائِيِّ؛ لِما فيها مِن الكَسْرِ، والإِدْغامِ، والتَّكَلُّفِ، وزِيادَةِ المَدِّ. وقد رُوِي عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال:«نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ». وعن ابنِ عباسٍ، قال: نَزَل القُرْآنُ بالتَّفْخِيمِ والتَّثْقِيلِ، نَحْوَ الجُمُعَةِ، وأشْباهِ ذلك. ولأنَّها تَتَضَمَّنُ الإِدْغامَ الفاحِشَ، وفيه إذْهابُ حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللهِ تعالى، يَنْقُصُ بإدْغامِ كلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ.
ورُوِيَتْ كَراهَتُها، والتَّشْدِيدُ فيها عن جَماعَةٍ مِن السَّلَفِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، وابنُ مَهْدِيٍّ، ويزِيدُ بنُ هارُونَ ، وسُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، فرُوِيَ عنه، أنَّه قال: لو صَلَّيْتُ خلفَ إنْسانٍ يَقْرَأُ قِراءَةَ حَمْزَةَ لأعَدْتُ صَلَاتى.
وقال أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ: قِراءَةُ حَمْزَةَ بِدْعَةٌ.
وقال ابنُ إدْرِيسَ : ما أسْتَجْرِئُ أنْ أقولَ لمَن يَقْرَأُ بقِراءَةِ حَمْزَةَ: إنَّه صاحِبُ سُنَّةٍ.
وقال بِشْرُ بنُ الحارِثِ : يُعِيدُ إذا صَلَّى خلفَ إمامٍ يَقْرَأُ بها. ورُوِيَ عن أحمدَ التَّسْهِيلُ في ذلك. قال الأثْرَمُ: قلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إمامٌ يُصَلِّي بقِراءَةِ حَمْزَةَ، أُصَلِّي خَلْفَه؟ قال: لا تبْلُغْ [به هذا] كلَّه، ولكنَّها لا تُعْجبُنِي.
فصل: فإن قَرَأ بقِراءَةٍ تَخْرُجُ عن مُصْحَفِ عثمانَ،
(وَإِنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ) كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَهُوَ التَّوَاتُرُ، وَلَا تَوَاتُرَ فِيهَا، بَلْ أَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنْ قَرَأ بقِرَاءَةٍ تَخرجُ عن مصحفِ عثمانَ، لم تَصحَّ صَلاتُه. وتَحْرُمُ؛ لعدَمِ تَواتُرِه. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الإِفَاداتِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، وغيرهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقدَّمه في «الهِدايَةِ» و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن».
وعنه، يُكْرَه. وتصِحُّ إذا صَحَّ سَنَدُه؛ لصَلاةِ الصَّحابَةِ بعْضِهم خلفَ بعْضٍ. واخْتارَها ابن الجَوْزِيِّ، والشَّيْخُ تقِيُّ الدِّينِ.
وقال: هي أنَصُّ الرِّوايتَيْن. وقال: وقوْلُ أئمَّةِ السَّلَفِ وغيرِهم: مصْحَفُ عُثمانَ أحَدُ الحُروفِ السَّبْعَةِ. وقدَّمه في «الفائقِ»، و «ابنِ تَميمٍ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ» و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ». واخْتارَ المَجْدُ أنَّه لا يُجْزئُ عن رُكْنِ القراءةِ، ولا تَبْطُلُ الصَّلاةُ به. واخْتارَه في «الحاوِي الكَبِيرِ».
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، صِحَّةُ الصَّلاةِ بما في مُصْحَفِ عُثْمانَ، سواءٌ كان مِنَ العَشَرَةِ أو مِن غيرِها. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ المنْصوصُ عنه، وقطَع به الأكثرُ.
وعنه، لا يصِحُّ ما لم يتَواتَرْ. حكَاها في «الرِّعايَةِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: اخْتارَ الإِمامُ أحمدُ قراءةَ نافعٍ مِن روايةِ إسْمَاعِيلَ بنِ جَعْفَرٍ.
وعنه، قِراءَةُ أهْلِ المدينةِ سَواءٌ، قال: إنَّها ليس فيها مَدٌّ ولا هَمْزٌ، كأبِي جَعْفَرٍ يزيدَ بنِ القَعْقَاعِ، وشَيْبَةَ، ومُسْلِم. وقَرَأَ نافِعٌ (عليهم) ثمَّ قراءةَ عاصِمٍ. نقلَه الجماعةُ؛ لأنَّه قرَأَ على أبِي عبدِ الرَّحْمَنِ السّلمِيِّ. وقرَأَ أبو عبْدِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
الرَّحْمنِ على عُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وزَيْدٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وابن مَسْعُودٍ. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ أنَّه اخْتارَها مِن روايَةِ أَبى بَكْرِ بنِ عَيَّاشٍ عنه؛ لأنَّه أضْبَطُ منه، مع عِلْمٍ وعَمَلٍ وزُهْدٍ. وعن أحمدَ، أنَّه اخْتارَ قِراءَة أهْلِ الحِجَازِ. قال: وهذا يَعُمُّ أهْلَ المدينةِ ومَكَّةَ.
وقال له المَيْمُونِيُّ: أيَّ القِراءَاتِ تخْتارُ لى فَأَقْرَأُ بها؛ قال: قِراءَةُ أَبى ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَرْكَعُ مُكَبِّرًا، فَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا.
عَمْرِو بنِ العَلاءِ، لُغَةُ قُرَيْشٍ والفُصَحاءِ مِنَ الصَّحابَةِ. انتهى.
وفي هذا كِفايَةٌ. قوله: ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ ويَرْكَعُ، مُكَبِّرًا. فيَكونُ رفْعُ يَدَيْه مع ابْتِداءِ الرُّكوعِ عندَ فَراغِه مِنَ القراءةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الجمهورُ.
وعنه، يرْفَعُ مكَبِّرًا بعدَ سَكْتَةٍ يسيرَةٍ.
فائدة: قال المَجْدُ في «شَرْحِه»، وصاحِبُ «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الحاوِي الكَبِيرِ»، وغيرُهم: يَنْبَغِي أنْ يكونَ تكْبِيرُ الخفْضِ والرَّفْع والنُّهُوضِ ابْتِداؤُه مع ابْتِداءِ الانْتِقالِ، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه،
فإنْ كمَّلَه في جُزْءٍ منه أجْزَأَه؛ لأنَّه لم يخْرُجْ به عن مَحَلِّه، بلا نِزاعٍ.
وإنْ شرَع فيه قبلَه، أو كمَّلَه بعدَه، فوقَع بعْضُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خارجًا عنه، فهو كتَرْكِه؛ لأنَّه لم يُكَمِّلْه في محَلِّه، فأَشْبَهَ مَن تَمَّمَ قِرَاءَتَه راكِعًا، أو أخذ في التَّشَهُّدِ قبلَ قُعودِه. وقالوا: هذا قِياسُ المذهبِ. وجزَم به في «المُذْهَبِ»، كما لا يأتِي بتَكْبيرَةِ رُكوعٍ أو سُجودٍ فيه. ذكَره القاضي وغيرُه وِفاقًا. ويَحْتَمِلُ أنْ يُعْفَى عن ذلك؛ لأنَّ التَّحَرُّزَ منه يَعْسُرُ، والسَّهْوَ به يكْثُرُ، ففي الإبْطالِ به أو السُّجودِ له مَشَقَّةٌ. قال ابنُ تَميمٍ: فيه وَجْهان؛ أظْهَرُهما، الصِّحَّةُ. وتابَعَه ابنُ مُفْلِحٍ في «الحَواشِي».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ». ذكَره في واجِباتِ الصَّلاةِ. وحُكْمُ التَّسْبيحِ والتَّحْميدِ حُكْمُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّكْبيرِ. ذكرَه في «الفُروعِ» وغيرِه. وتقدَّم أوَّلَ البابِ؛ لو أتَى ببَعْضِ تكْبيَرةِ الإِحْرامَ راكِعًا. وَيَجْعَلُ رأْسَهُ حِيَالَ ظَهْرِهِ، لَا يَرْفَعُهُ وَلَا يَخْفِضُهُ، وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَقَدْرُ الْإِجْزَاءِ الِانْحِنَاءُ بِحَيّثُ يُمْكنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ،
قال: (وإن قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان لم تصح صلاته. وعنه تصح) .
أما كون صلاة من قرأ بما ذكر لا تصح على المذهب؛ فلأنه مأمور بقراءة القرآن في الصلاة. والقرآن ما ثبت بطريق مقطوع به وهو التواتر. وقراءةٌ ليست في مصحف عثمان -كقراءة ابن مسعود- ليست متواترة. بل أجمعت الصحابة على خلاف ذلك.
وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فلأنها قراءة مأثورة. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد» رواه البخاري . وكان سعيد بن جبير يصلي بقراءة عبدالله.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.