فَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ. أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا
الشروح عليها
مسألة: (وإن قال الحاكمُ المعزولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ في ولايَتِي لفُلانٍ على فُلانٍ بِحَقٍّ. قُبِل قولُه) وبه قال إسْحاقُ
(فإذا قال: لي بَيِّنَةٌ) حاضِرَةٌ. (أمَرَه بإحْضارِها) ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ. وذَكَر في كتابِ «المُغْنِي» أنَّ المُدَّعِيَ إذا قال: لي بينةٌ. لم يَقُلْ له الحاكمُ: أحْضِرْها. لأنَّ ذلك حَقٌّ له، فله أنْ يَفْعَلَ ما يَرَى.
فإذا أحْضَرَها لم يَسْألْها الحاكمُ عمّا عندَها حتى يَسْألَه المُدَّعِي ذلك؛ لأنَّه حَقٌّ له، فلا يتَصَرَّفُ فيه مِن غيرِ إذْنِه،
فإذا سألَه المُدَّعِي سُؤَالها، قال: مَن كانت عندَه شَهادةٌ فَلْيَذْكُرْ، إنْ شاء. ولا يقولُ لهما: اشْهَدا. لأنَّه أمْرٌ. وكان شُرَيحٌ يقولُ للشّاهِدَين: ما أنا دَعَوْتُكما، ولا أنْها كُما أنْ تَرْجِعا، وما يَقْضِي على هذا المسلمِ غيرُكما، وإنِّي بكما أقْضِي اليومَ، وبكما أتَّقِي يومَ القيامةِ .
٤٨٧٥ - مسألة: فإذَا سَمِع الحاكِمُ الشَّهادَةَ، وكانت صَحِيحَةً
(فَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ. أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا) لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى تَخْلِيصِ الْحَقِّ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ: يَقُولُ لَهُ: أَحْضِرْهَا إِنْ شِئْتَ.
وَفِي الْمُغْنِي: أَنَّ الْمُدَّعِيَ إِذَا قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ. لَمْ يَقُلْ لَهُ الْحَاكِمُ: أَحْضِرْهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَى.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: فَيُحْمَلُ أَمْرُهُ بِالْإِحْضَارِ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِ ; لِأَنَّ حَمْلَ الْأَمْرِ عَلَى حَقِيقَتِهِ يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي.
وإنْ قَال الحاكِمُ المعْزُولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ في ولايَتِي لفُلانٍ بحَقٍّ. قُبِلَ. عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ. قُبِلَ قَوْلُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ.
هذا المذهبُ، سواءٌ ذكَر مُسْتَنَدَه، أوْ لا. جزَم به القاضي في «جامِعِه»، وأبو الخَطَّابِ في «خِلافَيه» الكبيرِ والصَّغيرِ، وابنُ عَقِيلٍ في «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهم. واخْتارَه الخِرَقِيُّ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال في «تَجْريِدِ العِنايةِ»: وكذا يُقْبَلُ بعدَ عَزْلِه، في الأَظْهَرِ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. [وقيَّده في «الفُروعِ» بالعَدْلِ. وهو أَوْلَى. وأَطْلَقَ أكثرُهم] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يُقْبَلَ. وهو لأبي الخَطَّابِ. قال المُصَنِّفُ: وقولُ القاضي في فُروعِ هذه المَسْأَلَةِ يقْتَضِي أنْ لا يُقْبَلَ قوْلُه هنا. فعلى هذا الاحْتِمالِ، هو كالشَّاهِدِ.
قال في «المُحَرَّرِ»: ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُقْبَلَ إلَّا على وَجْهِ الشَّهادَةِ إذا كان عن إقْرارٍ.
وقال في «الرِّعايةِ»: ويَحْتَمِلُ ردُّه، إلَّا إذا اسْتَشْهَدَ مع عَدْلٍ آخَرَ عندَ حاكمٍ غيرِه، أنَّ حاكِمًا حكَمَ به، أو أنَّه حُكْمُ حاكمٍ جائزِ الحُكْمِ، ولم يذْكُرْ نفْسَه. ثم حكَى احْتِمال «المُحَرَّرِ» قوْلًا. انتهى.
وقيل: ليسَ هو كشَاهِدٍ. وجزَم به في «الرَّوْضَةِ»، فلابُدَّ مِن شاهِدَين سِواه. ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، إذا أخْبَرَ الحاكِمُ في حالِ ولايَتِه أنَّه حكَمَ لفُلانٍ بكذا، في آخِرِ البابِ الآتِي بعدَ هذا؛
وهو قوْلُه: وإنِ ادَّعَى إنْسانٌ أنَّ الحاكِمَ حكَمَ له، فصَدَّقَه، قُبِلَ قولُ الحاكمِ. فعلى المذهبِ، مِن شَرْطِ قَبُولِ قَوْلِه أنْ لا يُتَّهَمَ. ذكَرَه أبو الخَطَّابِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرُه. نقَله الزَّرْكَشِيُّ.
تنبيه: قال القاضي مَجْدُ الدِّينِ: قَبُولُ قوْلِه مُقَيَّدٌ بما إذا لم يشْتَمِلْ على إبْطالِ حُكْمِ حاكمٍ آخَرَ،
فلو حَكَمَ حَنَفِيٌّ برُجوعِ واقِفٍ على نفْسِه، فأَخْبَرَ حاكِمٌ حَنْبَلِيٌّ أنَّه كان حَكَمَ قبلَ حُكْمِ الحَنَفِيِّ بصِحَّةِ الوَقْفِ المَذْكورِ، لم يُقْبَلْ. نقَله القاضي مُحِبُّ الدِّينِ في «حَواشِي الفُروعِ»،
وقال: هذا تقْيِيدٌ حسَنٌ يَنْبَغِي اعْتِمادُه.
وقال القاضي مُحِبُّ الدِّينِ: ومُقْتَضَى إطْلاقِ الفُقَهاءِ قَبُولُ قوْلِه،
ولو كانَتِ العادَةُ تَسْجِيلَ أحْكامِه وضَبْطَها بشُهودٍ،
ولو قيَّد ذلك بما إذا لم يكُنْ عادَةً، كان مُتَّجِهًا؛ لوُقوعِ الرِّيبَةِ، لمُخالفَتِه للعادَةِ. انتهى.
قلتُ: ليسَ الأمْرُ كذلك، بل يُرْجَعُ إلى صِفَةِ الحاكمِ. ويدُلُّ عليه ما قاله أبو الخَطَّابِ وغيرُه، على ما تقدَّم.
فوائد؛ الأُولَى، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ تعالى: كِتابُه في غيرِ عَمَلِه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو بعدَ عَزْلِه، كخَبَرِه. ويأْتِي ذلك أيضًا.
الثَّانيةُ، نَظِيرُ مسْألَةِ إخْبارِ الحاكمِ في حالِ الولايَةِ والعَزْلِ، أمِيرُ الجِهادِ وأمِينُ الصَّدَقَةِ وناظِرُ الوَقْفِ. قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ، واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ».
قال في «الانْتِصارِ»: كلُّ مَن صحَّ منه إنْشاءُ أمْرٍ، صحَّ إقْرارُه به.
الثَّالثةُ، لو أخْبَرَه حاكِمٌ آخَرُ بحُكْمٍ أو ثُبوتٍ في عَمَلِهما، عَمِلَ به في غَيبَةِ المُخْبِرِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «الرِّعايةِ»: عَمِلَ به مع غَيبَةِ المُخْبِرِ عن المَجْلِسِ.
الرَّابعةُ، يُقْبَلُ خَبَرُ الحاكمِ لحاكمٍ آخَرَ في غيرِ عَمَلِهما،
وفي عَمَلِ أحَدِهما. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتارَه ابنُ حَمْدانَ، وصحَّحه في «النَّظْمِ». قال الزَّرْكَشِيُّ: وإليه مَيلُ أبي محمدٍ. وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وابنُ رَزِينٍ، والزَّرْكَشِيُّ. وعندَ القاضي لا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُقْبَلُ في ذلك كلِّه إلَّا أنْ يُخْبِرَ في عَمَلِه حاكِمًا في غيرِ عَمَلِه، فيَعْمَلَ به إذا بلَغ عَمَلَه وجازَ حُكْمُه بعِلْمِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين». وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «التَّرْغيبِ».
ثمَّ قال: وإنْ كانَا في ولايةِ المُخْبِرِ، فوَجْهان. وفيه أيضًا، إذا قال: سَمِعْتَ البَيِّنَةَ فاحْكُمْ. لا
فائدَةَ له مع حَياةِ البَيِّنَةِ، بل عندَ العَجْزِ عنها. فعلى قولِ القاضي ومَن تابَعَه، يفَرَّقُ بينَ هذه المَسْألَةِ وبينَ ما إذا قال الحاكِمُ المَعْزولُ: كنتُ حَكَمْتُ في ولايَتِي لفُلانٍ بكذا. أنَّه يُقْبَلُ هناك، ولا يُقْبَلُ هنا. فقال الزَّرْكَشِيُّ: وكأَنَّ الفَرْقَ ما يحْصُلُ مِن الضَّرَرِ وَإِنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ غَيرِ بَرْزَةٍ، لَمْ يُحْضِرْهَا، وَأَمَرَهَا بِالتَّوْكِيلِ،
وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيهَا اليَمِينُ، أَرْسَلَ إِلَيهَا مَنْ يُحْلِفُهَا.
بتَرْكِ قَبُولِ قولِ المَعْزُولِ، بخِلافِ هذا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.