وَإِنْ نَكَلَ صَرَفَهُمَا حَتَّى يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ
الشروح عليها
مسألة: (وإن نَكَل أيضًا صَرَفَهما) إذا نَكَل المُدَّعِي، سُئِل عن سببِ نُكُولِه؛ لأنَّه لا يَجِبُ بنُكُولِه لغيرِه حقٌّ،
بخِلافِ المُدَّعَى عليه، فإن قال: امْتَنَعْتُ لأنَّ لي بَيِّنَةً أُقِيمُها -أو- حِسابًا أنْظُرُ فيه. فهو على حقِّه مِن اليمينِ، ولا يُضَيَّقُ عليه في اليمينِ؛ لأنَّه لا يتَأخَّرُ بتَرْكِه إلَّا حقُّه،
بخلافِ المُدَّعَى عليه. وإن قال: لا أُريدُ أن أحْلِفَ. فهو ناكِلٌ (فإن عاد أحدُهما فبذَلَ اليمينَ، لم يَسْمَعْها في ذلك المجلسِ) لأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها (حتى يَحْتَكِما في مجلسٍ آخَرَ) فإذا اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى، أُعِيدَ الحكمُ بينَهما، كالأوَّلِ. ٤٨٨٢ -
(وَإِنْ نَكَلَ) مَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ. (صَرَفَهُمَا) وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ إِذَا نَكَلَ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ نُكُولِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِنُكُولِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ
بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ: امْتَنَعْتُ لِأَنَّ لِي بَيِّنَةً أُقِيمُهَا، أَوْ حِسَابًا أَنْظُرُ فِيهِ) فَهُوَ عَلَى حَقٍّ مِنَ الْيَمِينِ، وَلَا يُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَأَخَّرُ إِلَّا حَقُّهُ.
بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَبَذَلَ الْيَمِينَ لَمْ يَسْمَعْهَا فِي ذَلِكَ) الْمَجْلِسِ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهَا. (حَتَّى يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ) لِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهِ تَصِيرُ مُحَاكَمَةً ثَانِيَةً.
فَإِذَا اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى أُعِيدَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا كَالْأَوَّلِ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ بَذَلَهَا النَّاكِلُ قَبْلَ عَرْضِهَا عَلَى الْمُدَّعِي وَبَعْدَهُ بِرِضَاهُ سُمِعَتْ، وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ شَرْطُهُ: عَدَمُ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ،
وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْيَمِينِ. وَقُلْنَا: بِهِ لِكَوْنِ الْمُدَّعِي وَلِيًّا وَنَحْوَهُ، قُضِيَ بِالنُّكُولِ.
وَقِيلَ: يَحْلِفُ الْوَلِيُّ.
وَقِيلَ: إِنْ بَاشَرَ مَا ادَّعَاهُ.
وَقِيلَ: يُحَلِّفُ حَاكِمٌ. وَقَطَعَ الْمُؤَلِّفُ: يَحْلِفُ إِذَا عَقَلَ وَيَكْتُبُ لَهُ مَحْضَرًا بِنُكُولِهِ.
تَنْبِيهٌ: الَّذِي يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ الْمَالُ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ. وَهَلْ يُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الْوِكَالَةِ بِالْمَالِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ السَّامَرِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي دَعْوَى الْكَفَالَةِ: هَلْ يُقْضَى فِيهَا بِالنُّكُولِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا: الْحُكْمُ بِهِ. قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
[إِنْ قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ مَا لِي بَيِّنَةٌ]
وإِنْ نَكَلَ أَيضًا صَرَفَهُما، فإنْ عادَ أَحَدُهُما فبَذَلَ الْيَمِينَ، لم يَسْمَعْها في ذلك المَجْلِسِ، حَتَّى يَحْتَكِما في مَجْلِسٍ آخَرَ.
قال في «المُحَرَّرِ»: ومَن بذَلَ منهما اليَمِينَ بعدَ نُكُولِه، لم تُسْمَعْ منه إلَّا في مَجْلِسٍ آخَرَ، بشَرْطِ عدَمِ الحُكْمِ.
وكذا قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوي»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
قال في «الفُروعِ»: والأشْهَرُ، قبلَ الحُكْمِ بالنُّكُولِ.
وقيل: تُسْمَعُ ولو بعدَ الحُكْمِ. ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ. قال ابن نَصْرِ الله في «حَواشِي الفُروعِ»: وهو بعيد. ولم يذْكُرْه في «الرِّعايةِ». انتهى.
وقال المُصَنفُ، والشَّارِحُ: إذا نَكَلَ المُدَّعِي، سُئِلَ عن سبَبِ نُكولِه؛
فإنْ قال: امْتَنَعْتُ لأنَّ لي بَينةً أقِيمُها. أو: حِسَابًا أنْظُرُ فيه. فهو على حقه مِن اليَمِينِ، ولا يُضَيَّقُ عليه في اليَمِينِ؛
بخِلافِ المُدَّعَى عليه، وإنْ قال: لا أرِيدُ أنْ أحْلِفَ. فهو ناكِل.
وقيل: يُمْهَلُ ثلاثَةَ أيام في المالِ. ذكَره في «الرعايةِ».
فوائد؛ متى تعَذَّرَ ردُّ اليَمِينِ، فهل يُقْضَى بنُكُولِه، أو يَحْلِفُ وَلِيٌّ، أو إنْ باشَرَ ما ادَّعاه، أو لا يَحْلِفُ حاكِم؟ فيه أوْجُة. وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ». قطَع في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، بأنَّ الأبَ، والوَصِيَّ، والأمِينَ، لا يحْلِفُون.
وقال في «الحاوي الصَّغِيرِ»: وكل مالٍ لا تُرَدُّ فيه اليَمِينُ، يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، كالإمامِ إذا ادَّعَى لبَيتِ المالِ، أو وَكيلِ الفُقَراءِ، ونحو ذلك. انتهى. وقَدَّمه في «الرعايةِ الصُّغْرى»،
وقال: وكذا الأبُ، ووَصِيُّه، وأمِينُ الحاكِمِ، إذا ادَّعَوا حقا لصَغِير، أو مَجْنُونٍ، وناظِرُ الوَقْفِ، وقَيمُ المَسْجِدِ.
وقال في «الكُبْرى»: قُضِيَ بالنُّكُولِ، في الأصح.
وقيل: على الأصح. وقيل: يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ، أو يَحْلِفَ.
وقيل: بل يَحْلِفُ المُدَّعِي منهم، ويأخُذُ ما ادَّعاه.
وقيل: إنْ كانَ قد باشَرَ ما ادَّعاه، حَلَفَ عليه، وإلَّا فلا.
قلتُ: لا يَحْلِفُ إمام ولا حاكِم. انتهى. وقطَع المُصَنِّفُ، أنَّة يحْلِفُ إذا عَقَلَ وبَلَغَ، ويكْتُبُ الحاكِمُ مَحْضَرًا بنُكُولِه.
فإنْ قُلْنا: يحْلِفُ. حَلَفَ لنَفْيِه، إنِ ادَّعَى عليه وُجوبَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَسْليمِه مِن مُوَلِّيه، فإنْ أبَى، حَلَفَ المُدَّعِي وأخَذَه، إنْ جُعِلَ النُّكُولُ مع يَمِين المُدَّعِي كَبَينةٍ، لا كإقْرارِ خَصْمِه، على ما تقدَّم.
وقال في «التَّرْغيبِ»: لا خِلافَ بينَنا، أنَّ ما لا يُمْكِنُ ردُّها يُقْضَى بنُكُولِه؛ بأنْ يكونَ صاحِبُ الدَّعْوى غيرَ مُعَيَّن، كالفُقَراءِ، أو يكونَ الإِمامَ، بأن يدَّعِيَ لبَيتِ المالِ دَينًا، ونحوَ ذلك.
وقال في «الرِّعايةِ»، في صُورَةِ الحاكِمِ: يُحْبَسُ حتى يُقِر أو يحْلِفَ.
وقيل: يُحْكَمُ عليه. وقيل: أو يحْلِفُ الحاكِمُ.
وقال في «الانْتِصارِ»: نَزَّلَ أصحابُنا نُكولَه منْزِلَةً بينَ مَنْزِلَتَين، فقالوا: لا يُقْضَى به في قَوَدٍ وحد. وحَكَمُوا به في حق مَرِيض، وعَبْدٍ وصَبِي مأذُونٍ لهما.
وقال في «التَّرْغيبِ» في القسامَةِ: مَن قُضِيَ عليه بنُكُولِه بالديةِ، ففي مالِه؛ لأنَّه كإقْرارٍ. وفيها قال أبو بَكْر في «الجامِعِ»: لأنَّ النُّكولَ إقْرار. واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ المُدَّعِيَ يحْلِفُ ابْتِداءً مع اللَّوْثِ،
وأنَّ الدَّعْوَى في التُّهْمَةِ كبسَرِقَةٍ، يُعاقَبُ المُدَّعَى عليه الفاجِرُ، وأنَّه لا يجوزُ إطْلاقُه، ويُحْبَسُ المَسْتُورُ، ليَبِينَ أمْرُه ولو ثلاثًا، على وَجْهَين. نقَل حَنْبَل، حتى يبينَ أمْرُه. ونصَّ الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، ومُحَقِّقُو أصحابِه على حَبْسِه.
وقال: إن تَحْلِيفَ كل مُدَّعًى عليه، وإرْساله مَجَّانًا، ليسَ مذهبَ الإمامِ. واحْتَجَّ في مَبهانٍ آخَرَ بأنَّ قَوْمًا اتَّهَمُوا ناسًا في سَرِقَةٍ، فَرَفَعُوهم إلى النُّعْمانِ بنِ بَشِير، رَضِيَ اللهُ عنهما، فحَبَسَهم أيامًا، ثم أطْلَقهم، فقالوا له: خَلَّيتَ سَبيلَهم بغيرِ ضَرْبٍ لي لا امْتِحانٍ؟ فقال: إنْ شِئْتُم ضَرَبْتُهم،
فإنْ ظَهَرَ مالُكم، وإلا ضَرَبْتُكُم مِثْلَه. فقالوا: هذا حُكْمُكَ؟ فقال: حُكْمُ الله ورسُولِه .
قال في وَإنْ قَال المُدَّعِي: لِي بَيَنةٌ. بَعدَ قَوْلِهِ: مَا لِي بَيَنةٌ. لَمْ تُسْمَعْ. ذَكَرَهُ الخِرَقِيّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُسْمَعَ.
«الفُروعِ»: وظاهِرُه أنَّه قال به،
وقال به شيخُنا الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وقال في «الأحْكامِ السُّلطانِيَّةِ»: يَحْبِسُه وَالٍ. قال: وظاهِرُ كلامِ الإِمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، وقاض أيضًا، وأنه يَشْهَدُ له:{وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ}. حَمَلْنا على الحَبْسِ؛ لقُوَّةِ التُّهْمَةِ. وذكَر الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، الأوَّلُ قولُ أمصرِ العُلَماءِ. واخْتارَ تعْزِيرَ مدعٍ بسَرِقَةٍ ونحوها على مَن يعْلَمُ براءَتَه، واخْتارَ أنَّ خَبَرَ مَنِ [له رَئِيٌّ جِنِّيٌّ] بأن فلانًا سَرَقَ كذا، كخَبَرِ إنْسِيٍّ مَجْهُولٍ، فيُفِيدُ تُهْمَةً، كما تقدَّم.
وقال في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: يضْرِبُه الوَالِي مع قُوَّةِ التُّهْمَةِ تعْزِيرًا،
فإنْ ضُرِبَ ليُقِرَّ، لم يصِح،
وإنْ ضُرِبَ ليَصْدُقَ عن حالِه، فأقَرَّ تحتَ الضرْبِ، قُطِعَ ضَرْبُه، وأعِيدَ إقْرارُه، ليُؤخَذَ به،
ويُكْرَهُ الاكتِفاءُ بالأوَّلِ. قال في «الفُروعِ»: كذا قال. قال الشَّيخ تَقِيُّ الذينِ، رَحِمَه الله: إذا كانَ مَعْروفًا بالفُجورِ المُناسِبِ للتُهْمَةِ، فقالتْ طائفَة: يضْرِبُه الوَالِي والقاضِي. وقالت طائفَة: يضْرِبُه الوَالِي عندَ القاضِي. وذكَر ذلك طوائِفُ مِن أصحابِ مالِكٍ، والشافِعِيِّ، وأحمدَ، رَحِمَهُم اللهُ.
قال: (فإن عاد أحدهما فبذل اليمين لم يسمعها في ذلك المجلس حتى يحتكما في مجلسٍ آخر. وإن قال المدعي: لي بينة بعد قوله: ما لي بينة لم تسمع. ذكره الخرقي. ويحتمل أن تسمع) .
أما كون الحاكم لا يسمع اليمين إذا بُذلت بعد النكول في المجلس المذكور؛ فلأن اليمين فعله وهو قادر عليها فامتناعه منها يجب أن يكون مسقطاً لها.
وأما كونه يسمعها في مجلسٍ آخر؛ فلأن الدعوى فيه تصير محاكمة أخرى.
وأما كونه لا يسمع البينة بعد قوله: ما لي بينة على ما ذكره الخرقي؛ فلأن سماع البينة يحقق كذبه. فيعود الأمر على خلاف المقصود.
وأما كونه يحتمل أن يسمعها؛ فلأنه يحتمل أنه نفى أن تكون له البينة بناء على أنه ما علم ذلك،
ولو صرح بذلك سُمعت؛ لما يأتي فكذلك هاهنا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.