وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ
الشروح عليها
(فإن أحْلَفَه، ثم [حَضَرَتْ بَيِّنتُه] (٣) ، حَكَم بها، ولم تكنِ اليمينُ مُزِيلَةً للحَقِّ) لأنَّ اليمينَ إنَّما يُصارُ إليها عندَ عَدَمِ البَيِّنةِ،
فإذا وُجِدَتِ البَيِّنةُ بَطَلَتِ اليمينُ وتَبيَّنَ كَذِيها.
فإن قال: لي بَيِّنة حاضِرَة، وأرِيدُ يمينَه ثم أقِيمُ بَينتِي. لم يَمْلِكْ ذلك، في أحَدِ الوَجْهَينٍ.
وفي الآخَرِ، له إحْلاقُ. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، كما لو كانتِ البَينةُ غائبة. ولَنا، قوله، عليه الصلاةُ والسلامُ:«شَاهِدَاكَ أوْ يَمينُهُ، لَيسَ لَكَ إلَّا ذلِكَ». [و «أو» للتَّخْيِيرِ] بينَ شَيئَين، فلا يكونُ له الجَمْعُ بينَهما، ولأنَّه أمْكَنَ فَصْلُ الخُصومَةِ بالبينةِ، فلم يُشْرَعْ غيرُها معها مع إرادةِ المُدَّعِي إقامَتَها وحُضُورَها، كما لو لم يَطْلُبْ يمينَه، ولأنَّ اليمينَ بَدَل، فلم يَجِبِ الجَمْعُ بينَها وبينَ مُبْدَلِها، كسائِرِ الأبدالِ مع مُبْدَلاتِها.
وإن قال المُدَّعِي: لا أرِيدُ إقامَتَها، وإنَّما أرِيدُ يمينَه أكْتَفِي بها. اسْتُحْلِفَ؛ لأنَّ البينةَ حَقُّه،
فإذا رَضِيَ بإسْقاطِها، وتَرْكِ إقامَتِها، فله ذلك، كنفسِ الحق.
فإن حَلَف المُدَّعَى عليه، ثم أراد المُدَّعِي إقامَةَ بَينتِه، لم يَمْلِكْ ذلك، في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه قد أسْقَطَ حقَّه مِن إقامَتِها، ولأنَّ تَجْويزَ إقامَتِها يَفْتَحُ بابَ الحِيلةِ؛ لأنَّه يقولُ: لا أرِيدُ إقامَتَها. ليَحْلِفَ خَصْمُه، ثم يُقِيمَها.
والثاني، له ذلك، لأنَّ البينةَ لا تَبْطل بالاسْتِحْلافِ، كما لو كانت غائبةً.
فإن كان له شاهدٌ واحد في المالِ، عَرَّفَه الحاكمُ أنَّ له أن يَحْلِفَ مع شاهِدِه، ويَسْتَحِقَّ.
فإن قال: لا أحْلِفُ أنا، وأرْضَى بيمينه. اسْتُحْلِفَ له ،
فإذا حَلَف، سَقَط الحقُّ عنه.
فإن عاد المُدَّعِي بعدَها وقال: أنا أحْلِفُ مع شاهِدِى. [لم يُسْتَحْلَف]، ولم يسْمَعْ مِنه. ذَكَره القاضِي. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعيِّ، لأنَّ اليَمِينَ فِعْلُه وهو قادرٌ عليها، فأمْكَنَه أن يُسْقِطَها،
بخِلافِ البينةِ. وإن عاد قبلَ أن يَحْلِفَ المُدَّعَى عليه، فبَذَلَ اليمينَ، لم يكنْ له ذلك في هذا المَجْلسِ. وكلُّ موضعٍ قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه.
فإنَّ الحاكمَ يقولُ له: إن حَلَفْتَ، وإلَّا جَعَلْتُك ناكِلًا، وقَضَيت عَلَيكَ. ثلاثًا،
فإن حَلَف، وإلَّا حَكَم عليه بنُكُولِه إذا سألَه المُدَّعِي ذلك. ٤٨٨٧ - مسألة: (فإن سَكَت) عن جَوابِ المُدَّعِي (فلم يُقِرَّ ولم يُنْكِرْ) حَبَسَه الحاكِمُ حتى يُجِيبَ، ولا يَجْعَلُه بذلك ناكِلًا. ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ».
وقال أبو الخَطَّابِ: يقولُ له الحاكمُ: (إن أجَبْتَ، وإلَّا جَعَلْتُك ناكِلًا، وحَكَمْتُ عليك) ويُكَرِّرُ ذلك ثلاثًا،
فإن أجاب، وإلَّا جَعَلَه ناكِلًا، وحَكَم عليه؛ لأنَّه ناكِل عمّا تَوَجَّهَ عليه الجوابُ فيه، فيُحْكَمُ عليه بالنُّكُولِ عنه، كاليمينِ .
٤٨٨٨ -
(وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً) فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ. (فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ)
:
أَحَدُهُمَا: يَمْلِكُ إِقَامَتَهَا أَوْ تَحْلِيفَهُ أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّ فَصْلَ الْخُصُومَةِ يُمْكِنُ بِإِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْيَمِينِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُجَابُ إِلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ.
وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ إِلَّا إِقَامَتَهَا فَقَطْ. وَاسْتَدَلَّ فِي الشَّرْحِ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ يَمِينَهُ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُبْدَلِهَا، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا.
فَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُوهُ، وَلَا أُقِيمُ بَيِّنَةً. حَلَفَ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حَقُّهُ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ نَفْسَ الْحَقِّ. ثُمَّ فِي جَوَازِ إِقَامَتِهَا بَعْدَ الْحَلِفِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَامَ شَاهِدًا فِي الْمَالِ فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ بِلَا رِضَى خَصْمِهِ،
وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ، بَلْ طَلَبَ يَمِينَ الْمُنْكِرِ حَلَفَ لَهُ.
فَإِنْ حَلَفَ، ثُمَّ قَالَ الْمُدَّعِي: أَنَا أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدَيَّ. لَمْ يُسْتَحْلَفْ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ فِعْلُهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا
بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ. وَإِنْ عَادَ فَبَذَلَ الْيَمِينَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ.
[إِنْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً]
وإنْ كانَتْ حاضرَةً، فهل له ذلك؟ على وجْهَين. وأطْلَقهما في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، له إقامَةُ البَيِّنَةَ، أو تحْلِيفُه إذا كانتْ حاضِرَةً في المَجْلِسِ. وهو المذهبُ. نَصَرَه المُصَنفُ، والشارِحُ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثاني، يَمْلِكُهما، فيُحَلِّفُه ويُقِيمُ البَينةَ بعدَه.
وقيل: لا يَمْلِكُ إلَّا إقامَةَ البَينةِ فقطْ.
قال في «الفُروعِ»: قَطَعُوا به في كتُبِ الخِلافِ. كما تقدَّم.
وَإنْ سَكَتَ المُدَّعَى عَلَيهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، قَال لَهُ الْقَاضِي: إِنْ أَجَبْتَ، وَإلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيتُ عَلَيكَ.
وَقِيلَ: يَحْبِسُه حَتَّى يُجِيبَ.
فائدة: لو سألَ تحْلِيفَه ولا يُقِيمُ البَينةَ، فَحَلَفَ، ففي جَوازِ إقامَتِها بعدَ ذلك وَجْهان. قاله القاضي. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايتَين»، و «الزَّرْكَشي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم، أحدُهما، ليسَ له إقامَتُها بعدَ تَحْليفِه. صحَّحه النَّاظِمُ.
والثَّاني، له إقامَتُها. قدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.