وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قَرَضَهُ أَلْفًا،
الشروح عليها
(وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قَرَضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا قَضَاهُ نِصْفَهُ، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ لَا يُنَافِي الْقَرْضَ، وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ كَالَّتِي قَبْلَهَا، وَيَتَخَرَّجُ فِيهِمَا أَنْ لَا يَثْبُتَ بِشَهَادَتِهِمَا سِوَى الْخَمْسِمِائَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْتَاجُ قَضَاءُ الْخَمْسِمِائَةِ إِلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنْ شَهِدَا أنَّه أقْرَضَه ألفًا، ثم قالَ أحَدُهما: قَضاه نِصْفَه. صَحَّتْ شَهادَتُهما. هذا المذهبُ. نصَّ عليه. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به كثيرٌ منهم؛ منهم ، صاحِبُ «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ». وجزَم به الشَّارِحُ،
وقال: وَجْهًا واحدًا. وكذلك قال ابنُ مُنَجَّى.
وقال فى «الفُروعِ»: لو شَهِدَا أنَّه أقْرَضَه ألْفًا، ثم قال أحدُهما: قَضاه خَمْسَمِائَةٍ . صحَّ. نصَّ عليه.
وقال فى «المُحَرَّرِ»: ونصَّ فيما إذا شَهِدَا أنَّه أقْرَضَه ألْفًا، ثم قال أحدُهما: قَضاه خَمْسَمِائَةٍ، فشَهادَتُهما صحيحةٌ بالأَلْفِ، ويحْتاجُ قَضاءُ الخَمْسِمِائَة إلى شاهدٍ آخَرَ، أو يَمِينٍ. ويتَخرَّجُ مِثْلُه فى التى قبلَها، ويتخَرَّجُ فيهما أنْ لا تَثْبُتَ بشَهادَتِهما سِوَى خَمْسِمِائَةٍ. انتهى.
وقال فى «الفُروعِ»: ويتخَرَّجُ بُطْلانُ شَهادَتِه، كرِوايةِ الأَثْرَمِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأُولَى، لو شَهِدَ عندَ الشَّاهدِ عَدْلانِ أو عَدْلٌ أنَّه اقْتَضاه ذلك الحَقَّ، أو قد باعَ ما اشْتَرَاه، لم يشْهَدْ له. نقَله ابنُ الحَكَمِ. وسألَه ابنُ هانِئٍ، لو قَضاه نِصْفَه، ثم جَحَدَه بقِيَّتَه، ألَه أنْ يدَّعِيَه، أو بقِيَّتَه؟ قال: يدَّعِيه كلَّه، وتَقُومُ البَيِّنَةُ، فَتَشْهَدُ على حقِّه كلِّه، ثم يقولُ للحاكمِ: قَضانِى نِصْفَه.
الثَّانيةُ، لو علَّق طَلاقًا، إنْ كانَ لزَيْدٍ عليه شئٌ ، فشَهِدَ شاهِدان أنَّه أقْرَضَه، لم يَحْنَثْ، بل إنْ شَهِدَا أنَّ له عليه، فحكمَ بهما. قال فى «الفُروعِ»: ومُرادُهم، فى صادِقٍ ظاهرٍ. ولهذا قال فى «الرِّعايةِ»: مَن حَلَفَ بالطَّلاقِ لا حَقَّ عليه لزَيْدٍ، فقامَتْ عليه بَيِّنَةٌ تامَّةٌ بحَقٍّ لزَيْدٍ، حَنِثَ حُكْمًا.
الثَّالثةُ، لو شَهِدَا على رَجُلٍ أنَّه طلَّق مِن نِسائِه، أو أعْتَقَ مِن أمائِه، أو أبْطَلَ مِن وَصاياه واحِدَةً بعَيْنِها، وقالَا : نَسِينا عَيْنَها. لم تُقْبَلْ هذه الشَّهادَةُ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: تُقْبَلُ. وجزَم به فى «المُبْهِجِ» فى صُورَةِ الوَصِيَّةِ. وفيها قال فى «التَّرْغيبِ»: قال أصحابُنا: يقْرَعُ بينَ الوَصِيَّتيْن،
فمَن خَرَجَتْ قُرْعَتُها فهى الصَّحِيحَةُ.
الرَّابعَةُ، هل يَشْهَدُ عقْدًا فاسِدًا مُخْتَلَفًا فيه، ويشْهَدُ به؟ قال فى «الفُروعِ»: يتَوَجَّهُ دخُولُها فى مَن أتَى فَرْعًا مُخْتَلَفًا فيه.
وقال القاضى فى «التَّعْليقِ»: يَشْهَدُ.
وَإذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أُرِيدُ أنْ تَشْهَدَا لِى بِخَمْسِمِائَةٍ. لَمْ يَجُزْ. وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، يَجُوزُ.
وقال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»: لو رَهَنَ الرَّهْنَ بحَقٍّ [ثانٍ، كان رَهْنًا] بالأَوَّلِ فقطْ،
فإنْ شَهِدَ بذلك شاهِدان؛ فإنِ اعْتَقَدَا فَسادَه، لم يَكُنْ لهما،
وإنِ اعْتَقَدَا صِحَّتَه، جازَ أنْ يَشْهَدَا بكَيْفِيَّةِ الحالِ فقطْ. ومَنَعَه الإمامُ أحمدُ، رَحِمَهُ اللهُ، فى رِوايةِ الجماعَةِ إذا عَلِمَه بتَخْصِيصِ بعْضِ وَلَدِه أو تفْضِيلِه. وذكَره فيه الحارِثِىُّ عن الأصحابِ.
وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ، يُكْرَهُ ما ظَنَّ فَسادَه، ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ، يَحْرُمُ. انتهى.
وإذا كانتْ له بَيِّنَة بألْفٍ، فقال: أُرِيدُ أنْ تَشْهَدَا لى بخَمْسِمِائَةٍ. لم يَجُزْ - وهو المذهبُ بلا رَيْبٍ. نصَّ عليه. وعليه جماهيرُ الأصحابِ - وعندَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبي الخَطَّابِ، يَجُوزُ.
فقال فى «الهِدايةِ»: ولو كانَا شَهِدَا على رَجُلٍ بأَلْفٍ، فقال صاحِبُ الدَّيْنِ: أُرِيدُ أنْ تشْهَدَا لى مِنَ الأَلْفِ بخَمْسمِائَةٍ.
فإنْ كان الحاكِمُ لم يُوَلَّ الحُكْمَ بأكْثَرَ مِن ذلك، لم يَجُزْ لهما أنْ يشْهَدَا بخَمْسِمِائَةٍ. قال: وعنْدى، يجوزُ أنْ يشْهَدَا بذلك. انتهى.
وقال فى «المُحَررِ»: إذا قال مَن له بَيِّنَة بأَلْفٍ: أُرِيدُ أنْ تشْهَدَا لى بخَمْسِمِائَةٍ. لم يَجُزْ ذلك إذا كان الحاكِمُ لم يُوَلَّ الحُكْمَ بأكْثَرَ منها، وأجازَه أبو الخَطَّابِ. انتهى. وتَبِعَه فى «الفُروعِ»،
فقال: ومَن قال لبَيِّنَةٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمِائَةٍ: اشْهَدَا لى بخَمْسِينَ. لم يَجُزْ إذا كانَ الحاكِمُ لم يُوَلَّ الحُكْمَ فوْقَها. نصَّ عليه. وأجازَه أبو الخَطَّابِ. انتهى.
وقال فى «الوَجِيزِ»: وإذا قال مَن له بَيِّنَةٌ بأَلْفٍ: أُرِيدُ أنْ تشْهَدَا لى بخَمْسِمِائَةٍ. لم يَجُزْ ذلك إذا كانَ الحاكِمُ لم يُوَلَّ الحُكْمَ بأكْثَرَ منها، وإلَّا جازَ. انتهى. فظاهِرُ كلامِه فى «المُحَرَّرِ» ومَن تَبِعَه، أنَّ الحاكِمَ إذا كانَ مُوَلَّى بأكْثَرَ منها، أنَّه يجوزُ. وصرح بذلك فى «الوَجِيزِ»، فقال: لم يَجُزْ ذلك إذا كانَ الحاكِمُ لم يوَلَّ الحُكْمَ بأكْثَرَ منها، وإلا جازَ. فظاهِرُ هذا أنَّه إنْ وُلِّىَ بأكْثَرَ منها، جازَ على القَوْلَيْن.
قال شيْخُنا فى حَواشِيه على «المُحَرَّرِ»: وهذا مُشْكِلٌ مِن جِهَةِ المَعْنَى والنَّقْلِ؛
أمَّا مِن جِهَةِ المَعْنَى، فإنَّه إذا كان قد وُلِّىَ بأكْثَرَ منها، فليس معَتا حاجَة داعِيَةٌ إلى الشهادَةِ بالبَعْضِ،
بخِلافِ العَكْسِ؛ فإنَّه إذا لم يُوَلَّ الحُكْمَ بأكْثَرَ منها، فالحاجَةُ داعِيَةٌ إلى الشَّهادَةِ بالبَعْضِ، وهو المِقْدارُ الذى يحْكُمُ به، ولهذا لم يَذْكُرِ الشَّيْخُ فى «المُقْنِعِ» هذا القَيْدَ، ولا «الكافِى»؛ لأنَّه، واللهُ أعلمُ، فَهِمَ أنَّه ليس بقَيْدٍ يُحْتَرَزُ به. ولا يقالُ: إنه لم يطَّلِعْ عليه؛ لأنَّه فى كلامِ أبي الخَطَّابِ، وهو قد نقَل كلامَه.
وأمَّا [مِن جِهةِ] النَّقْلِ، فقال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَهُ اللهُ تعالَى: إذا قال: اشْهَدْ علىَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمِائَةِ درْهَمٍ، ومِائَةِ درْهَمٍ، [ومِائَةِ درْهَمٍ]. فشَهِدَ على مِائَةٍ دُونَ مِائَةٍ، كُرِهَ، إَلَّا أنْ يقولَ: أشهَدُونِى على مِائَةٍ ومِائَةٍ ومِائَةٍ. يَحْكِيه كلَّه للحاكمِ كما كانَ.
وقال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَهُ اللهُ: إذا شَهِدَ على أَلْفٍ، وكان الحاكِمُ لا يَحْكُمُ إلَّا على مِائَةٍ ومِائتَيْن، فقال صاحِبُ الحقِّ: أُرِيدُ أنْ تَشْهَدَ لى على مِائَةٍ. لم يَشْهَدْ إلَّا بالأَلْفِ. قال القاضى: وذلك أنَّ على الشَّاهدِ نَقْلَ الشَّهادَةِ على ما شَهِدَ. فقَوْلُ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ: إذا شَهِدَ على أَلْفٍ، وكان الحاكِمُ لا يَحْكُمُ إلَّا على مِائَةٍ ومِائتَيْن. يَرُدُّ ما قالُوه؛ فإنَّه ذكَر فى الروايَةِ، إذا كان يَحْكُمُ على مِائَةٍ ومِائتَيْن، فقال صاحِبُ الحقِّ: أُيدُ أنْ تَشْهَدَ لى على مِائَةٍ.
لم يَشْهَدْ إلَّا بالأَلْفِ. فَمَنَعَه، مع أنَّه ذكَر أنَّه يَحْكُمُ بمِائتَيْن،
فإذا منَعه مِن الشَّهادَةِ بمِائَةٍ، وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَحْكُمُ بمِائتَيْن، فقد منَعَه فى صُورَةِ ما إذا وُلِّىَ الحُكْمَ بأكْثَرَ منها، وتَعْليلُ المسْألَةِ لا يحْتاجُ معه إلى تطْويلٍ.
وأمَّا تقْييدُ الحاكمِ، فهو لبيانِ الواقعِ؛
فإنَّ الواقِعَ فى هذه الصُّورَةِ لا يكونُ فى العُرْفِ، إلًّا إذا كان الحاكِمُ لا يَحْكُمُ بأكْثَرَ؛ لأنَّ صاحِبَ الحقِّ لا يَطْلُبُ إلَّا فى هذه الصُّورَةِ، أو نحوِها مِن الصُّوَرِ التى تمْنَعُه مِن طَلَبِ الحقِّ كامِلًا.
وأمَّا كلامُ أبي الخَطَّابِ، وصاحِبِ «المُحَرَّرِ»، فى القَيْدِ المذْكورِ، فيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ لأجْلِ الخِلافِ، أىْ أنَّ أبا الخَطَّابِ لا يُجِيزُه إلَّا إذا كان الحاكِمُ لم يُوَلَّ بأكْثَرَ، فيَكُونُ التَّقْدِيرُ، لا يجوزُ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، يجوزُ إذا كانَ لم يُوَلَّ الحُكْمَ بأكْثَرَ منها.
وأمَّا إذا كانَ قد وُلِّىَ الحُكْمَ بأكْثَرَ منها، لم يَجُزْ، بلا خِلافٍ؛ لعدَمِ العُذْرِ، لكِنْ تَعْلِيلُ قولِ أبي الخَطَّابِ الذى علَّل به المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» - وهو أنَّه مَن شَهِدَ بألْفٍ، فقد شَهدَ بالخَمْسِمِائَة، وليس كاذِبًا - يَدُلُّ على أنَّ أبا الخَطَّابِ يُجِيزُه مُطْلَقًا، وأبو الخَطَّابِ لم يُعَلِّلْ قولَه فى «الهِدايةِ»،
فإنْ كان رأى تَعْلِيلَه فى كلامِه فى غيرِ «الهِدايةِ»، فلا كلامَ،
وإنْ كان علَّلَه مِن عنْدِه، فيَحْتَمِلُ أنَّ أبا الخَطَّابِ قصَد ما فَهِمَه الشَّيْخُ، وأرادَ الجوازَ مُطْلَقًا. ويَحْتَمِلُ أنَّ مُرادَه الجوازُ فى صُورَةِ ما إذا لم يُوَلَّ بأكْثَرَ منها، ويكونُ كوْنُه ليس كاذِبًا فى شَهادَةٍ يَمْنَعُ الاحْتِياجَ إلى ذلك لأجْلِ الحُكْمِ؛ لكَوْنِه لا يَحْكُمُ بأكْثَرَ منها، فتَكونُ العِلَّةُ المَجْموعَ، مع أنَّ كلامَ أبي الخَطابِ يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ بالباءِ المُوَحَّدَةِ مِن تحتَ؛ أىْ قال صاحِبُ الحقِّ ذلك، بأنْ كان الحاكِمُ [لم يُوَلَّ] بأكْثَرَ منها، لكِنَّ النُّسْخَةَ بالفاءِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه مِن الكاتبِ،
وإنْ كان بعيدًا. وأمَّا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صاحِبُ «الوَجِيزِ»، فَيَحْتَمِلُ أنَّه ظَنّ المَفْهومَ مَقْصُودًا، فصرَّح به،
وإنْ كان بعيدًا، ولكِنِ ارْتَكَبْناه لِما دلَّ عليه كلامُ الإمام أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ،
ولِما عَلَّلَه الجماعةُ. انتهى كلامُ شيْخِنا. قال: وقد ذكَر الشَّيْخُ مُحِبُّ الدِّينِ بنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِيه»، أنَّ الشُّهودَ إذا شَهِدُوا بالخَمْسِمِائَة، وكانَ أصْلُها بأَلْفٍ، وأعْلَمُوا الحاكِمَ بذلك، يكونُ حُكْمُه بالخَمْسِمِائَة حُكْمًا بالأَلْفِ؛ لأنَّ الحُكْمَ ببَعْضِ الجُمْلَةِ حُكْمٌ بالجُمْلَةِ،
فإذا كان لم يُوَلَّ الحُكْمَ بأَلْفٍ، يكونُ قد حكَم بما لم يُوَلَّ فيه، وهو مُمْتَنِعٌ،
بخِلافِ ما إذا كان وُلِّىَ الحُكْمَ بأَلْفٍ، فإنَّه يكونُ قد حكَم بما وُلِّىَ فيه. هذا مَعْنَى ما رأيْتُه مِن كلامِه. قال: وفيه نظَرٌ؛ لأنَّ الذينَ ذكَرُوا المَنْعَ مِن ذلك إنَّما علَّلُوه بأنَّ الشَّاهِدَ لم يَشْهَدْ كما سَمِعَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ المَنْعَ لأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الشَّاهِدِ، لا لأمْرٍ يَرْجِعُ إلى حُكْمِ الحاكمِ، ولأنَّه قد يُقالُ: لا نُسَلِّمُ فى مِثْلِ هذه الصُّورَةِ أنَّ الحُكْمَ بالبَعْضِ المَشْهودِ به يكونُ حُكْمًا بالجُمْلَةِ، بل إنَّما يكونُ حُكْمًا بما ادُّعِى به وشُهِدَ به.
وقد يُقالُ: الذينَ علَّلُوا المَنْعَ بأنَّ الشَّهادةَ لم تُؤدَّ كما سُمِعَتْ، كلامُهم يقْتَضِى المَنْعَ مُطْلَقًا.
وأمَّا مَن قَيَّدَ المَنْعَ بما إذا كانَ الحاكِمُ لم يُوَلَّ الحُكْمَ بأكْثَرَ منها، يكونُ تَوْجِيهُه ما ذُكِرَ، ويَدُلُّ عليه ذِكْرُ هذا القَيْدِ؛ لأنَّهم لم يَمْنَعُوا إلَّا بهذا الشَّرْطِ، لكِنْ يَحْتاجُ إلى إثْباتِ أنَّ الحُكْمَ بالبَعْضِ مِن الجُمْلةِ حُكْمٌ بكُلِّها. وقد ذكَرَ القاضى فى «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ» ما يُخالِفُ ذلك؛ فإنَّه ذكَر فى أوائلِ الكُرَّاسِ الرَّابعِ - فيما إذا كانت وِلايةُ القاضِى خاصَّةً - وقد نصَّ الإمامُ أحمدُ، رَحِمَهُ اللهُ، على صِحَّتِها فى قَدْرٍ مِن المالِ، فقال فى رِوايةِ أحمدَ بنِ نصْرٍ، فى رَجُلٍ أُشْهِدَ على أَلْفِ دِرْهَمٍ، وكان الحاكمُ لا يحْكُمُ إلَّا فى مِائَةٍ ومِائتَيْن، فقال: لا تشْهَدْ إلَّا بما أُشْهِدْت عليه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذلك قال في رِوايةِ الحَسَنِ بنِ محمدٍ، في رَجُلٍ أُشْهِدَ على أَلْفٍ، ولا يُحْكَمُ في البِلادِ إلَّا على مِائَةٍ: لا يشْهَدُ إلَّا بالأَلْفِ . فقد نصَّ على جَوازِ القَضاءِ فى قَدْرٍ مِن المالِ. ووَجْهُه ما ذكَرْنا. ومنَع مِن تَبْعِيضِ الشَّهادَةِ إذا كانت بقَدْرٍ يَزِيدُ على ما جَعَل له فيه، بل يَشْهَدُ بذلك، ويَحْكُمُ الحاكِمُ مِن ذلك بما جعَل له؛ لأنَّه إذا شَهِدَ بخَمْسِمِائَةٍ عندَ هذا القاضى، وشَهِدَ بالخَمْسِمِائَةٍ الأُخْرَى عندَ قاضٍ آخَرَ، ربَّما ادَّعَى المُقِرُّ أنَّ هذه الخَمْسَمِائَةٍ الثَّانيةَ هى التى شَهِدَ بها [أوَّلًا، وتَسْقُطُ إحْداهما] على قولِ مَن يَحْمِلُ تَكْرارَ الإقْرارِ فى مَجْلِسَيْنِ بأَلْفٍ واحدةٍ، وقد يَشْهَدُ لذلك قولُه تعالَى:{ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}.
وإذا بَعَّضَها، فلم يأْتِ بها على وَجْهِها. انْتَهَى كلامُ القاضِى في «الأحْكامَ السُّلْطانِيَّةِ».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.