وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَهُوَ حَاقِنٌ أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ
الشروح عليها
مسألة: (ويُكرَهُ أنَّ يُصَلِّيَ وهو حاقِنٌ) [متى كان الرجلُ حاقِنًا كُرِهَتْ له الصلاةُ]، سَواءٌ خاف فَواتَ الجَماعَةِ أولا. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وصحابِ الرَّأْيِ؛ لِما رَوَتْ عائِشةُ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ:«لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ». رَواه مسلمٌ . ولأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن خشُوعِ الصلاةِ وحُضُورِ قَلْبِه فيها،
فإن خالَفَ وفَعَل، صَحَّتْ صَلاتُه. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وقال ابنُ أبي مُوسى: إن كان به مِن مُدافَعَةِ الأخْبَثَيْن ما يُزْعِجُه ويَشْغَلُه عن الصلاةِ، أعادَ، في الظاهِرِ مِن قولِه.
وقال مالكٌ: أَحَبُّ إليَّ أنَّ يُعِيدَ إذا شَغلَه ذلك؛ لظاهِرِ الخَبَرِ. ولَنا، أنَّه لو صَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعامِ، أو وقَلْبُه مَشْغُولٌ بشئٍ مِن الدُّنْيَا، صَحَّتْ صلاتُه. كذا هاهنا. وخبرُ عائشةَ أُرِيدَ به الكَراهَةُ؛ بدَلِيلٍ ما لو صَلَّى بحَضْرةِ الطَّعامِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّه لو صَلَّى بحَضْرَةِ الطَّعامِ، فأكْمَلَ صلاتَه، أنَّ صَلاتَه تُجْزِيُّه،
وكذلك إذا صَلَّى حاقِنًا.
٤٣٧ - مسألة: (أو بحَضْرَةِ طَعام تَتُوقُ نَفْسُه إلَيه) وبهذا قال عُمَرُ، وابنُه. وتَعَشَّى ابنُ عُمَرَ وهو يَسْمَعُ قِراءَةَ الإمامِ .
وقال ابنُ عباسٍ: لا نَقُومُ إلى الصلاةِ وفي أنْفسِنا شئٌ. وبهذا قال الشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ: يَبْدَأُ بالصلاةِ، إلَّا أنَّ يكونَ طَعامًا خَفِيفًا. ولَنا، حديثُ عائِشةَ الذى ذَكَرْناه. وروَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قُرِّبَ عشَاءُ أحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابدَءُوا بِالْعَشَاءِ، ولا يَعْجَلَنَّ حَتى يَفْرُغَ مِنْهُ». رَواه مسلمٌ وغيرُه. ولأنَّه إذا قَدَّمَ الصلاةَ على الطعامِ اشْتغَل قَلْبُه عن خُشُوعِها. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ أن يَخْشَى فَواتَ الجماعةِ أو لم يخْشَ؛ لعُمُومِ الحديِثَيْن. هذا إذا كانت نَفْسُه تَتُوقُ إليه، أو يَخْشَى فَواتَه، أو فواتَ بعضِه إن تَشاغَلَ بالصلاةِ، أو تكونُ حاجَتُه إلى البِدايةِ به، لوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ.
فإن لم يَفْعَلْ وبَدَأ بالصلاةِ، صَحَّتْ، في قَوْلهم جمِيعًا. حكاهُ ابنُ عبدِ البَرِّ؛ لأنَّ البِدايَةَ بالطَّعامِ رُخْصَةٌ،
فإن لم يَفْعَلْها صَحَّتْ صَلاتُه، كسائِرِ الرُّخَصِ.
٤٣٨ -
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَهُوَ حَاقِنٌ) أَيْ: بَوْلَهُ سَوَاءٌ خَافَ الْجَمَاعَةَ أَوْ لَا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهَا مَعَ الْمُدَافَعَةِ، وَلِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ، وَحُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا،
فَإِنْ فَعَلَ صَحَّتْ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا لَوْ صَلَّى وَقَلْبُهُ مَشْغُولٌ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا،
وَعَنْهُ: يُعِيدُ، وَعَنْهُ: إِنْ أَزْعَجَهُ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ إِذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مَعَهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ،
وَفِي مَعْنَاهُ الْحَاقِبُ، وَهُوَ الَّذِي احْتَبَسَ غَائِطُهُ، وَعِبَارَتُهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَشْمَلُ،
قَالَ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ: وَفِي مَعْنَاهُمَا مَنْ بِهِ رِيحٌ مُحْتَبِسَةٌ، فَتَجِيءُ الرِّوَايَاتُ، وَحُكْمُ الْجُوعِ، وَالْعَطَشِ الْمُفْرِطِ كَذَلِكَ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّمَا جَمَعَ بَيْنهمَا الشَّارِعُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى،
وَكَذَا قَالَ: يُكْرَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ بِخُشُوعِهَا كَحَرٍّ، وَبَرْدٍ، لِأَنَّهُ يُقْلِقُهُ (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَشْبَهُ بِالِاتِّبَاعِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلِلْبُخَارِيِّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرَغَ، وَإِنَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ.
وَهَذَا مَا لَمْ يَضِقِ الْوَقْتُ،
فَإِنْ ضَاقَ فَلَا يُكْرَهُ بَلْ يَجِبُ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهَا تَائِقًا لِطَعَامٍ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ،
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ لَا، لِقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ، حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، وَعَلَى هَذَا إِنْ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ صَحَّتْ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالطَّعَامِ رُخْصَةٌ،
فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهَا صَحَّتْ كَسَائِرِ الرُّخَصِ.
ويُكرَهُ ان يصَلِّيَ وهو حاقِنٌ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحاب.
وعنه، يُعيدُ مع مُدافَعَةِ أحَدِ الأخْبَثَيْن.
وعنه، يُعيدُ إنْ أزْعَجَه. وذكَر ابنُ أَبِي مُوسى. أنَّه الأظْهَرُ مِن قولِه. وحكاها في «الرِّعايَةِ» قوْلَّا.
قال في «النُّكَتِ»: ولم أجِدْ أحدًا صرَّح بكراهَةِ صلاةِ مَن طرأ عليه ذلك، ولا من طرَأَ عليه التَّوَقانُ إلى الأكْلِ في أثْناءِ الصَّلاةِ. واسْتدَلَّ لذلك بمَسائِلَ فيها خِلافٌ، فخرَّجَ منها وَجْهًا بالكراهَةِ.
فائدة: يُكْرَهُ أنْ يصَلِّيَ مع رِيحٍ مُحتَبَسَةٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال في «المُطْلِعِ»: هي في مَعْنى مُدافَعَةِ أحَدِ الأخْبَثَيْن، فتَجِيءُ الرِّوايات التى في أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ.
المُدافَعةِ هنا. وذكَر أبو المَعالِي كلامَ ابنِ أبِي موسى في المدافَعَةِ، أنَّ الصَّلاة لا تصِحُّ، قال؛
وكذا حُكْمُ الجُوعِ المُفْرِطِ، والعَطَشِ المُفْرِطِ. واحْتجَّ بالأخْبارِ.
قال في «الفُروِعِ»: فتَجئُ الرِّواياتُ. قال: وهذا أظْهَر.
وكذا قال أبو المَعالِي: يُكْرهُ ما يَمْنَعُه مِن إِتْمامِ الصَّلاةِ بخُشُوعِها، كَحَرٍّ وبَرْدٍ. وجزَم به في «الفُروعِ» في مَكانٍ.
وقال في «الرَّوضَةِ»، بعدَ ذِكْرِ أعْذارِ الجُمُعَةِ والجماعَةِ: لأنَّ مِن شَرْطِ صحَّةِ الصَّلاةِ، أنْ يَعِيَ أفْعالها ويَعْقلَها، وهذه الأشْياءُ تَمْنَعُ ذلك،
فإذا زالَتْ فَعَلها على كَمالِ خُشوعِها، وفِعْلُها على كَمالِ خُشوعِها بعَدَ فَوْتِ الجماعَةِ، أوْلَى مِن فِعْلِها مع الجماعةِ بدُونِ كَمالِ خشوعِها. أو بحَضْرَةِ طَعامٍ تَتوق نفسُه إليه. هكذا قال كثيرٌ مِنَ الأصحابِ. قال الزَّركَشِيُّ: المَنْعُ على سَبيلِ الكراهَةِ عندَ الأصحابِ.
وقال في «الفروعِ»: وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ,
ويُكْرهُ ابْتِداؤُها تائِقًا إلى طَعامٍ. وهو أوْلَى.
قال ابنُ نَصْرِ اللهِ: وإنْ كان تائِقًا إلى شَرابٍ أو جِمَاعٍ، ما الحُكْمُ؟ لم أجِدْه. والظَّاهِرُ الكراهَةُ. انتهى.
قلتُ: بل هما أوْلَى بالكراهَةِ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه يَبْدَأُ بالخَلاءِ والأكْلِ،
وإنْ فاتَتْه وَالتَّخَصُّرُ، وَالتَّرَوُّحُ، وَفَرْقَعَةُ الْأَصَابعِ وَتَشْبيكُهَا.
الجماعةُ. وهو كذلك. والتَّرَوُّحُ. يعْنى، يُكْرَهُ. وهو مُقَيَّدٌ بما إذا لم تكُنْ حاجَةٌ،
فإن كان ثَمَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حاجَةٌ، كغَمٍّ شديدٍ ونحوِه، جازَ مِن غيرِ كراهَةٍ. نصَّ عليه. وجزَم به في «الفُروعِ» وغيرِه، وهو مِنَ المُفرَداتِ.
وقال في «الرِّعايَةِ»: ويُكْرهُ ترَوُّحُه.
وقيل: يسِيرًا لغمٍّ أو حُزْنٍ. ولعَلَّه يعْنِي، لا يُكْرَهُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: مُرادُه هنا بالتَّروُّحِ، أنَّ يُرَوِّحَ على نفْسِه بمِروَحَةٍ أو خِرْقةٍ أو غيرِ ذلك.
وأمَّا مراوَحَتُه بينَ رِجْلَيْه فمُسْتحَبَّةٌ. زادَ بَعضُهم، إذا طالَ قِيامُه،
ويُكْرَهُ كثْرَتها؛ لأنَّه مِن فِعْلِ اليَهُودِ. وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ،
قال: (ويكره أن يصلي وهو حاقن، أو بحضرة طعام تتوق نفسه إليه) .
أما كون المصلي يكره له أن يصلي وهو حاقن؛ فلقوله عليه السلام:«لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» رواه مسلم.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل وهو زناء» أي حاقن. قاله أبو عبيد.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى أن يصلي الرجل وبه طوف».
قال قطرب: الطوف الحدث من الغائط والبول.
وأما كونه يكره له أن يصلي بحضرة طعام تتوق نفسه إليه؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم:«لا صلاة بحضرة طعام».
وفي آخر:«إذا حضر العَشاء والمغرب فابدأوا بالعَشاء قبل أن تصلوا المغرب» رواه مسلم.
فإن قيل: ليس في الحديث توقان نفس المصلي إلى الطعام فلم اشترطه المصنف رحمه الله؟
قيل: لأن النهي عن ذلك لُحِظَ فيه منع الطعام الخشوع واقتضاؤه السرعة من أجله وذلك يستدعي توقان النفس إليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.