وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثُ الْإِمَامُ سَاعِيًا إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ لِيَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ
الشروح عليها
مسألة: (ويَنْبَغِى أن يَبْعَثَ الإِمامُ ساعِيًا إذا بَدا الصَّلاحُ في الثَّمَرِ، فيَخْرُصَه عليهم، ليَتَصَرَّفُوا فيه) فيَعْرِفَ بذلك قدْرَ الزكاةِ، ويُعَرِّفَ المالكَ ذلك. وممَّن كان يَرَى الخَرْصَ، عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، وسَهْلُ بنُ أبى حَثْمَةَ ، ومَرْوانُ ، والقاسمُ بنُ محمدٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ الخَرْصَ بِدْعَةٌ.
وقال أهلُ الرَّأْى: الخَرْصُ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ، لا يَلْزَمُ به حُكْمٌ، وإنَّما كان تَخْوِيفًا للأكَرَةِ مِن الخِيانَةِ. ولَنا، ما روَى عَتّابُ بنُ أسِيدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَبْعَثُ على النّاسِ من يَخْرُصُ عليهم كُرُومَهم وثِمارَهُم. رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذىُّ . وفى لَفْظٍ، قال: أمَرَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُخْرَصَ العِنَبُ كما يُخْرَصُ النَّخْلُ وتُؤْخَذَ زَكاتُه زَبِيبًا، كما تُؤْخَذُ زكاةُ النَّخْلِ تَمْرًا. وقالت عائشةُ، وهى تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَرَ: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَبْعَثُ عبدَ اللَّهِ بنَ رَواحَةَ إلى يَهُودَ، فيَخْرُصُ عليهم النَّخْلَ حينَ يَطِيبُ قبلَ أن يُؤْكَلَ منه.
رَواه أبو داودَ . وقَوْلُهم: هوِ ظنٌّ. قُلنا: بل هو اجْتِهادٌ في مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ بالخَرْصِ، الذى هو نوْعٌ مِن المَقادِيرِ، فهو كتَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ. وؤَقْتُ الخَرْصِ حينَ يَبْدُو الصَّلاحُ، لحديثِ عائشةَ، ولأنَّ
فائِدَةَ الخَرْصِ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الزكاةِ، وإطْلَاقُ أرْبابِ الثِّمارِ في التَّصَرِّفِ فيها، وإنَّما تَدْعُو الحاجَةُ إلى ذلك حينَ يَبْدُو الصَّلاحُ. فصل: ويُجْزِئُ خارِصٌ واحِدٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَبْعَثُ ابنَ رَواحَةَ يَخْرُصُ، ولم يُذْكَرْ معه غيرُه، ولأنَّ الخارِصَ يَفْعَلُ ما يُؤَدِّيه إليه اجْتِهادُه، فهو كالحاكِمِ والقائِفِ، ويُعْتَبَرُ فيه أن يكونَ أمِينًا كالحاكِمِ .
٩٠٧ -
(وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثُ الْإِمَامُ سَاعِيًا إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ لِيَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةٍ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِحَدِيثِ عَتَّابٍ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِالظَّنِّ لِلْحَاجَةِ لِغَيْرِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّ نَخْلَ الْبَصْرَةِ لَا يُخْرَصُ، وَأَنَّهُ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فقهاء الْأَمْصَارُ لِلْمَشَقَّةِ، وَيَكْفِي خَارِصٌ وَاحِدٌ؛
لِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَحَاكِمٍ وَقَائِفٍ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا أَمِينًا لَا يُتَّهَمُ، خَبِيرًا،
وَقِيلَ: حُرًّا، وَأُجْرَتُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ،
فَإِنْ لَمْ يُبْعَثْ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنَ الْخَرْصِ مَا يَفْعَلُهُ السَّاعِي، لِيَعَرِفَ قَدْرَ الْوَاجِبِ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ، وَيُخَيِّرُهُ بَيْنَ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِمَا شَاءَ وَيَضْمَنَ قَدْرَهَا، وَبَيْنَ حِفْظِهَا إِلَى وَقْتِ الْجَفَافِ،
فَإِنْ لَمْ يَضْمَنِ الزَّكَاةَ وَتَصَرَّفَ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ التَّصَرُّفُ، كَتَصَرُّفِهِ قَبْلَ الْخَرْصِ
ويَنْبَغى أنْ يَبْعَثَ الإِمامُ ساعِيًا إذا بَدَا صَلاحُ الثمَرِ، فَيَخْرُصَه عليهم؛ ليَتَصَرَّفوا فيه. بَعْثُ الإِمامِ ساعِيًا للخَرْصِ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطع به أكثَرُهم. وذكَر أبو المَعالى ابنُ مُنَجَّى، أنَّ نَخْلَ البَصْرَةِ لا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُخْرَصُ. وقال: أجْمَعَ عليه الصَّحَابَةُ، وفُقهاءُ الأمْصارِ. وعلَّلَ ذلك بالمَشَّقةِ وغيرِها. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال.
تنبيه: قوله: يَنْبَغِى. يعْنِى، يُسْتَحَبُّ.
فوائد؛ الأُولَى، لا يُخْرَصُ غيرُ النَّخْلِ والكَرْمِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الجُمْهورُ.
وقال ابنُ الجَوْزِىِّ: يُخْرَصُ غيرُ الزَّيْتُونِ. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال. ولا فَرْقَ. الثَّانيةُ، يُعْتَبَرُ كوْنُ الخارِصِ مُسْلِمًا أمِينًا خَبِيرًا. بلا نِزاعٍ. ويُعْتَبَرُ أنْ يكونَ غيرَ مُتَّهَم. ولم يذْكُرْه جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم ابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمْدانَ، وصاحِبُ «الحاوِى».
وقيل: عَدْلٌ. ولا يُعْتَبَرُ كوْنُه حُرًّا. على فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا، خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ وَحْدَهُ.
الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيلَ: يُشْتَرَطُ. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: حُرٌّ فى الأشْهَرِ. وجزَم به فى «الفائقِ». الثَّالثةُ، يَكْفِى خارِصٌ واحِدٌ. بلا نِزاعٍ بينَ الأصحابِ، ووَجَّهَ فى «الفُروعِ» تَخْرِيجًا بأنَّه لا يَكْفِى إلَّا اثْنان، كالقَائفِ عندَ مَن يقولُ به. الرَّابعةُ، أُجْرَةُ الخَرْصِ على ربِّ النَّخْلِ والكَرْمِ. جزَم به فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم.
وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ فيه ما يأْتِى فى حَصَادٍ. الخامِسَةُ، كَرِهَ الإِمامُ أحمدُ الحَصَادَ والجِدَادَ ليْلًا. السَّادِسَةُ، يَلْزَمُ خَرْصُ كلِّ نَوْعٍ وحدَه؛ لاخْتِلافِ الأنْواعِ وَقْتَ الجَفافِ، ثم يُعَرَّفُ المالِكُ قَدْرَ الزَّكاةِ، ويُخَيَّرُ بينَ أنْ يَتَصَرَّفَ بما شاءَ، ويَضْمَنَ قَدْرَهَا، وبينَ حِفْظِها إلى وَقْتِ الجَفافِ،
فإنْ لم يَضْمَنِ الزَّكاةَ وتصَرَّفَ، صحَّ تَصَرُّفُه. قال فى «الرِّعايَةِ»: وكُرِهَ.
وقيل: يُباحُ. وحكَى ابنُ تَميمٍ عنِ القاضى، أنَّه لا يباحُ التَّصَرُّف، كتَصَرُّفِه قبل الخَرْصِ. وأنَّه قال فى مَوْضِعٍ آخَرَ: له ذلك كما لو ضَمِنَهَا. وعليهما، يصِحُّ تَصَرُّفُه.
وإنْ أتْلَفَهَا المالِكُ بعدَ الخَرْصِ، أو تَلِفَتْ بتَفْريطِه، ضَمِنَ زَكاتَها بخَرْصِها تَمْرًا. على الصَّحيح مِنَ المذهبِ؛ لأنَّه يَلْزَمُه وَإنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا، وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
تَجْفِيفُ هذا الرُّطَبِ بخِلافِ الأجْنَبِىِّ.
وعنه، رُطَبًا كالأجْنَبِىِّ، فإنَّه يَضْمَنُهُ بمِثْلِه رُطَبًا يَوْمَ التَّلَفِ.
وقيل: بقِيمَتِه رُطَبًا. قال فى «الفُروعِ»: قدَّمه غيرُ واحدٍ. وتقدَّم قرِيبًا، إذا أتْلَفَ ربُّ المالِ نَصِيبَ الفُقَراءِ أو جميعَ المالِ، فيما إذا كان لا يَجِئُ منه تَمْرٌ ولا زَبِيبٌ، أو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ. السَّابِعَةُ، لو حَفِظهَا إلى وَقْتِ الإخْرَاجِ، زَكَّى الموْجودَ فقط، سواءٌ وافَقَ قولَ الخارِصِ أولا، وسواءٌ اخْتارَ حِفْظَهَا ضَمانًا بأنْ يتَصَرَّفَ، أو أمانَةً؛ لأنَّها أمانَةٌ كالوَدِيعَةِ، وإنَّما يعْمَلُ بالاجْتِهادِ مع عدَمِ تَبَيُّنِ الخَطَأ؛ لأنَّ الطاهِرَ الإصابَةُ.
وعنه، يَلْزَمُه ما قالَ الخارِصُ، مع تَفَاوُتِ قَدْرٍ يَسِيرٍ يُخْطِئُ فى مِثْلِه.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: لا يغْرَمُ ما لم يُفَرِّطْ ولو خُرِصَتْ.
وعنه، بلَى. انتهى. وَيِجِبُ أَنْ يَتْرُكَ فِى الْخرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَ أوِ الرُّبْعَ،
قال: (وينبغي أن يبعث الإمام ساعياً إذا بدا صلاح الثمر فيخرصه عليهم ليتصرفوا فيه. فإن كان أنواعاً خرص كل نوع وحده وإن كان نوعاً واحداً فله خرص كل شجرة وحدها، وله خرص الجميع دفعة واحدة) .
أما كون الإمام ينبغي أن يبعث ساعياً إذا بدا صلاح الثمر فيخرصه؛ فلما روت عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبدالله بن رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه».
ولما تقدم من حديث عتاب «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل ... الحديث» رواهما أبو داود.
ويجزئ خارص واحد لحديث عائشة.
ولأنه يفعل ما يؤدي اجتهاده إليه فجاز أن يكون واحداً كالحاكم.
ويشترط أن يكون مسلماً لأن الكافر لا يؤمن على أمر ديني، أميناً لأنه يقبل قوله فيما يخبر فاعتبرت أمانته كالشهادة، ذا خبرة لئلا يجور على المالك والفقراء.
وهذا الخرص مختص بالعنب والرطب لدلالة حديثي عائشة وعتاب على خرصهما ودعوى لحاجة إلى أكلهما رطبين مع أن خرصهما ممكن لظهور ثمرتهما واجتماعها في أفنانهما وعناقيدهما
بخلاف غيرهما فإنه لم يسمع بالخرص فيه ولا هو في معناه لأن الزيتون ونحوه حبه متفرق في شجره مستور بورقه.
وأما كونه يخرص كل نوع وحده إن كان أنواعاً فلأنه أقرب إلى العدل وعدم الجور لأن الأنواع تختلف في الكثرة والقلة.
وأما كونه يخير في النوع الواحد بين خرصه دفعة أو دفعات فلأن النوع الواحد لا يختلف غالباً،
ولما يلحقه من المشقة لو تعين عليه خرص كل شجرة وحدها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.