فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتِ عَنْهُ
الشروح عليها
فصل: (فإن لم يَسْتَطِعْ فإطعامُ سِتِّين مِسْكِينًا) قال شيخُنا رَحِمَه الله: ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، في دُخُولِ الإِطْعامِ في كَفّارَةِ الوَطْءِ في رمضانَ في الجُمْلَةِ، وهو مَذْكُورٌ في الخَبَرِ. ولأَنَّه إطْعامٌ في كَفّارَةٍ فيها صومُ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْن، فكان سِتِّين مِسْكِينًا، ككَفّارةِ الظِّهارِ. وقَدْرُ المُطْعَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا مِن البُرِّ، لكلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ وهو رُبْعُ الصَّاعِ، أو ثلاثون صاعًا مِن التَّمْرِ أو الشَّعِيرِ، لكل مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ.
وقال أبو حنيفةَ: مِن البُرِّ لكلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ،
ومن غيرِه صاعٌ لكلِّ مِسْكِينٍ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ:«فأطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ». رَواه أبو داودَ .
وقال أبو هُرَيْرَةَ: يُطْعِمُ مُدًّا مِن أىِّ الأنْواعِ شاء. وبهذا قال عَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ المُجامِعِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِىَ بمِكْتَلٍ مِن تَمْرٍ، قَدْرُه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فقالَ:«خُذْ هذا، فَأطْعِمْهُ عَنْكَ». رَواه أبو داودَ . ولَنا، ما روَى أحمدُ : حَدَّثنا إسْماعِيلُ، ثنا أيُّوبُ، عن أبى يَزِيدٍ المَدَنِىِّ، قال: جاءَتِ امرأةٌ مِن بنى بَياضَةَ بنِصْفِ وَسْقِ شَعِيرٍ، فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - للمُظاهِرِ : «أَطْعِمْ هذا، فَإنَّ مُدَّىْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ».
ولأنَّ فِدْيَةَ الأذَى نِصْفُ صاعٍ مِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ بلا خِلافٍ، فكذا هذا. والمُدُّ مِن البُرِّ يَقُومُ مَقامَ نِصْفِ صاعٍ مِن غيرِه، بدَلِيلِ هذا الحديثِ، ولأنَّه قولُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وزيدٍ، ولا مُخالِفَ لهم في الصحابةِ.
وأمّا حديثُ سَلَمَةَ بنِ صَخرٍ، فقد اخْتُلِفَ فيه، وحديثُ أصحابِ الشافعىِّ يَجُوزُ أن يَكُونَ الذى أُتِىَ به النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - قاصِرًا عن الواجِبِ، فاجْتُزِئَ به لعَجْزِ المُكَفِّرِ عن ما سِواه.
١٠٨٠ - مسألة: (فإن لم يَجدْ سَقَطَت عنه. وعنه، لا تَسْقُطُ. وعنه، أنَّ الكَفّارَةَ على التَّخْيِيرِ، فبِأيِّها كَفَّرَ أجْزَأَه) ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ المُجامِعَ في رمضانَ إذا عَجَز عن العِتْقِ والصِّيامِ والإِطْعامِ، أنَّ الكَفّارَةَ تَسْقُطُ عنه. وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا بُدَّ مِن التَّكْفِيرِ، بدَلِيلِ أنَّ الأعْرابِىَّ أَخْبَرَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - بإعْسارِهِ قبلَ أن يَدْفَعَ إليه العَرَقَ، ولم يُسْقِطْها عنه، ولأنَّها كَفّارَةٌ واجِبَةٌ فلم تَسْقُطْ بالعَجْزِ عنها، كسائِرِ الكَفّاراتِ. وهذه الرِّوايَةُ الثانيةُ عن أحمدَ. وهو قِياسُ قول أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، أنًّ الأعْرابِىَّ لَمّا دَفَع إليه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - التَّمْرَ، فأخْبَرَهْ بحاجَتِه، قال:«أطْعِمْهُ أَهْلَكَ». ولم يَأْمُرْه بكَفّارَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهم: إنَّه أخْبَرَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - بعَجْزِه فلم يُسْقِطْها. قُلْنا: قد أسْقَطَها عنه بعدَ ذلك، وهذا آخِرُ الأمْرَيْن مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وأمّا القِياسُ على سائِرِ الكَفّاراتِ، فلا يَصِحُّ؛ لمُخالَفَتِه النَّصَّ. والاعتبارُ بالعَجْزِ في حالَةِ الوُجُوبِ، وهو حالَةُ الوَطْءِ. بابُ ما يُكْرَهُ وما يُسْتَحَبُّ، وحُكْمُ القَضاءِ ١٠٨١ -
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شَيْئًا (سَقَطَتِ) الْكَفَّارَةُ (عَنْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرِ الْأَعْرَابِيَّ بِهَا أَخِيرًا، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، زَادَ بَعْضُهُمْ بِالْمَالِ، وَقِيلَ: وَالصَّوْمُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
فإنْ لم يَجِدْ سَقَطَت عنه. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ هذه الكفَّارَةَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تسْقُطُ عنه بالعَجْزِ عنها. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ» وغيرُهم: هذا ظاهِرُ المذهبِ. وجزمَ به فى «الوَجِيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: فإنْ عجَز وَقْتَ الجِمَاعِ عنها بالمالِ -
وقيل: والصَّوْمِ - سقَطَتْ. نصَّ عليه. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال.
وعنه، لا تسْقُطُ. قال فى «الفُروعِ»: ولعَلَّ هذه الرِّوايَةَ أظْهَرُ. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» وغيره،
تَفْريعًا على الرِّوايَةِ الثَّانيةِ: فلو كفَّر عنه غيرُه بإذْنِه، فله أخْذُها. وجزمَ به فى «المُحَرَّرِ»، وقدَّمه فى «الحاوِيَيْن».
وقيل: وبدُونِ إذْنِه. وعنه، لا يَأْخُذُها. وأطْلَقَ ابنُ أبى مُوسَى فى أنَّه، هل يجوزُ له أكْلُها، أم كان خاصًّا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بذلك الأعْرابِىِّ؟ على رِوايتَيْن. وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ احْتِمالٌ، أنَّه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، رخَّصَ للأعْرابِىِّ فيه لحاجَتِه، ولم يكُنْ كفَّارَةً.
فوائد؛ إحداها, لا تسْقُطُ غيرُ هذه الكفَّارَةِ بالعَجْزِ عنها، ككَفَّارَةِ الظِّهارِ واليَمِينِ، وكفَّاراتِ الحَجِّ، ونحوِ ذلك. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال المَجْدُ وغيرُه: وعليه أصحابُنا.
وعنه، تسْقُطُ. وذكَر غيرُ واحدٍ، تسْقُطُ كَفَّارَةُ وَطْءِ الحائضِ بالعَجْزِ، على الأصحِّ.
وعنه، تسْقُطُ كَفَّارَةُ وَطْءِ الحائضِ بالعَجْزِ عنها كلِّها؛ لأنَّه لا بدَلَ فيها.
وقال ابنُ حامِدٍ: تسقُطُ مُطْلَقًا كرَمَضانَ. وتقدَّم فى كتابِ الصِّيامِ، بعدَ أحْكامِ الحامِلِ والمُرْضِعِ، هل يسْقُطُ الإِطْعامُ بالعَجْزِ؟ وتقدَّم كَفَّارَةُ وَطْءِ الحائضِ فى بابِه. الثَّانيةُ، حُكْمُ أكْلِه مِنَ الكفَّاراتِ بتَكْفيرِ غيرِه عنه، حكمُ كفَّارَةِ رَمَضانَ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، جَوازُ أكْلِه مخْصُوصٌ بكفَّارَةِ رَمَضانَ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ. وأطْلقَهما فى «المُحَرَّرِ». الثَّالثةُ، لو مَلَّكَه ما يُكَفِّرُ به، وقُلْنا: له أخْذُه هناك. فله هنا أكْلُه، وإلَّا أخرَجَه عن نَفسِه. وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وقيل: هل له أكْلُه، أو يَلْزَمُه التَّكْفِيرُ به؟ على رِوايتَيْن. ذكَرَه فى «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ». وجزمَ فى «الحاوِيَيْن»، أنَّه ليس له أخْذُها هنا. ويأْتِى فى كتابِ الظِّهارِ شئٌ مِن أحْكامِ الكفَّارَةِ لرَمَضانَ وغيرِه، مِقْدارُ ما يُطْعِمُ كلَّ مِسْكِينٍ وصِفَتُه. بَابُ مَا يُكْرَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ، وَحُكْمُ الْقَضَاءِ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ،
وَأنْ يَبْتَلِعَ النُّخَامَةَ. وَهَلْ يُفْطِرُ بِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بابُ ما يُكْرَهُ وما يُسْتحَبُّ، وحُكْمُ القَضاءِ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.