وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالطَّهَارَةُ وَالْجُمُعَةُ وَالنَّفِيرُ الْمُتَعَيِّنُ وَالشَّهَادَةُ الْوَاجِبَةُ وَالْخَوْفُ مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ مَرَضٍ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ
الشروح عليها
فصل: وإن نَذَر اعْتِكافَ يَوْمٍ، لَزِمَه أن يَدْخلَ مُعْتَكَفَه قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ويَخْرُجَ منه بعدَ غُرُوبِ الشَّمسِ.
وقال مالِكٌ: يَدْخُلُ مُعْتَكَفَه قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ويَخْرُجُ منه بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ ذلك اليَوْمِ. كقَوْلِنا في الشَّهْرِ؛ لأنَّ اللَّيْلَ يَتْبَعُ النَّهارَ، بدَلِيلِ ما لو كان مُتَتابِعًا. ولنا، أنَّ اللَّيْلَةَ ليست مِن اليَوْمِ، وهى مِن الشَّهْرِ، قال الخَلِيلُ: اليَوْمُ اسمٌ لما بينَ طُلُوعِ الفَجْرِ وغُرُوبِ الشَّمْسِ. وإنَّما دَخَل الليْلُ في المُتَتابِعِ ضِمْنًا، ولَهذا خَصصْناه بما بينَ الأيّامِ.
وإن نَذَر اعْتِكافَ لَيْلَةٍ، لَزِمَه دُخولُ مُعْتَكَفِه قبلَ غُروبِ الشَّمْسِ، ويَخْرُجُ منه بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ، وليس له تَفْرِيقُ الاعْتِكافِ. وظاهِرُ كلامِ الشافعىِّ، جَوازُ التَّفْرِيقِ قِياسًا على الشَّهْرِ. ولنا، أنَّ إطْلاقَ اليَوْمِ يُفْهَمُ منه التَّتابُعُ، فلَزِمَه، كما لو قال: مُتَتابِعًا. وفارَقَ الشَّهْرَ، فإنَّه اسْمٌ لما بينَ هِلالَيْن، واسْمٌ لثَلاِثين يَوْمًا، واليَوْمُ لا يَقَعُ في الظّاهِرِ إلَّا على ما ذَكَرْنا.
وإن قال في وَسَطِ النَّهارِ: للهِ عَلَىَّ أن أعْتَكِفَ يَوْمًا مِن وَقْتِى هذا. لَزِمَه الاعْتِكافُ مِن ذلك الوَقْتِ إلى مثْلِه، ويدخلُ فيه اللَّيْلُ؛ لأَنَّه في خلالِ نَذْرِه، فصارَ كما لو نَذَر يَوْمَيْن مُتَتابِعَيْن، وإنَّما لَزِمَه بَعْضُ يَوْمَيْن لتَعْيِينِه ذلك بنَذْرِه، فعَلِمْنا أنَّه أرادَ ذلك، ولم يُرِد يومًا صَحِيحًا.
فصل: وإن نَذَر اعْتِكافًا مُطْلَقًا، لَزِمَه ما يُسَمَّى به مُعْتَكِفًا،
ولو ساعَةً مِن لَيْلٍ أو نَهارٍ، إلَّا على قَوْلِنا بوُجُوبِ الصَّوْمِ في الاعْتِكافِ، فيَلْزَمُه يَوْمٌ كامِلٌ،
فأمّا اللَّحْظَةُ، وما لا يُسَمَّى به مُعْتَكِفًا، فلا يُجْزِئُه على الرِّوايَتَيْن جَمِيعًا.
فصل: إذا نَذَر اعْتِكافَ يَوْمِ يَقْدَمُ فلانٌ، صَحَّ نَذْره،
فإنَّ ذلك مُمْكِنٌ، فإن قَدِمَ في بَعْضِ اِلنَّهارِ، لَزِمَه اعْتِكافُ الباقِى منه، ولم يَلْزَمْه قَضاءُ ما فات، لأنَّه فات قبلَ شرْطِ الوُجُوبِ فلم يَجِبْ، كما لو نَذَر اعْتِكافَ زَمَنٍ ماضٍ، لكِنْ إن قُلْنا: شَرْطُ صِحَّةِ الاعْتِكافِ الصَّوْمُ. لَزِمَه قَضاءُ يَوْمٍ كامِلٍ، لأنَّه لا يُمْكِنُه أن يَأتِىَ بالاعْتِكافِ في الصَّوْمِ فيما بَقِىَ مِن النَّهارِ، ولا قَضاؤُه مُمَيَّزًا ممّا قبله، فَلَزِمَه يَوْمٌ كامِلٌ ضَرُورَةً، كما لو نَذَر صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلانٌ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه اعْتِكافُ ما بَقِىَ منه إذا كان صائِمًا؛
لأنَّه قد وُجِد اعْتِكافٌ مع الصَّوْمِ.
وإن قدِم لَيْلًا لم يَلْزَمْه شئٌ؛ لأنَّ ما الْتَزَمَه بالنَّذْرِ لم يُوجَدْ،
فإنْ كان للنَّاذِرِ عُذْرٌ يَمْنَعُه الاعْتِكافَ عند قدُومِ فلانٍ؛ مِن حَبْسٍ أو مَرَضٍ، [قَضَى وكَفَّرَ]، لِفَواتِ النَّذْرِ في وَقْتِه، ويَقْضِى بَقِيَّةَ اليَوْمِ فقط؛ لأنَّه الذى كان يَلْزَمُ في الأداءِ، على الروايَةِ المنصورةِ، وفى الأُخْرَى يَقْضِى يَوْمًا كامِلًا، بناءً على اشْتِراطِ الصَّوْمِ في الاعْتِكافِ.
فصل: قال الشَّيْخُ، رحمه الله: (ولا يَجُوزُ للمُعْتَكِفِ الخُرُوجُ إلّا لما لا بدَّ له منه؛ كحاجَةِ الإِنْسانِ، والطَّهارَةِ، والجُمُعَةِ، والنفِيرِ المُتَعَيِّنِ، والشَّهادَةِ الواجِبَةِ، والخَوْفِ مِن فِتْنَةٍ، أو مَرَضٍ، والحَيْضِ، والنَّفاسِ، وعِدَّةِ الوَفاةِ، ونَحْوِه) وجُمْلَتُه، أنَّه ليس للمُعْتَكِفِ الخُرُوجُ مِن مُعْتَكَفِه، إلَّا لما لا بدَّ منه، قالت عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها وعن أبِيها: السُّنَّةُ للمُعْتَكِفِ أن لا يَخْرُجَ إلَّا لما لا بدَّ منه. رَواه أبو داود . وقالت أيْضًا: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اعْتَكَفَ يُدْنِى إلىَّ رَأسَه فأُرَجِّلُه، وكان لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلَاّ لحاجةِ الإِنسانِ.
مُتَّفَقٌ عليه ولا خِلافَ في أنَّ له الخُرُوجَ لما لا بدَّ منه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ للمُعْتَكِفِ أن يَخْرُجَ مِن مُعْتَكَفِه للغائِطِ والبَوْلِ. ولأنَّ هذا لا يُمْكِنُ فِعْلُه في المَسْجِدِ،
ولو بَطَل الاعْتِكافُ بالخُروجِ إليه لم يَصِحَّ لأحَدٍ اعْتِكافٌ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَعْتَكِفُ، وقد عَلِمْنا أنَّه كان يَخْرُجُ لقَضاءِ حاجَتِه، والمُرادُ بحاجَةِ الإِنْسانِ البَوْلُ والغائِطُ، كَنَى بذلك عنهما؛ لأنَّ كل إنْسانٍ يحْتاجُ إلى فِعْلِهِما. وفى مَعْناه الحاجَةُ إلى المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، إذا لم يَكُنْ له مَن يَأْتِيه به، فله الخُرُوجُ إليه عندَ الحاجَةِ إليه،
وإنْ بَغَتَه القَىْءُ، فله أن يَخْرُجَ ليَتَقَيَّأَ خارِجَ المَسْجِد، وكُلُّ ما لا بُدَّ له منه، ولا يُمْكِنُ فِعْلُه في المَسْجِدِ، فله الخُرُوجُ إليه، ولا يَفْسُدُ اعْتِكافُه وهو عليه، ما لم يُطِلْ.
وكذلك له الخُروجُ إلى ما أوْجَبَه اللهُ تعالى عليه؛ مثلَ مَن يَعْتَكِفُ في مَسْجِدٍ لا جُمُعَةَ فيه، فيَحْتاجُ إلى الخُرُوجِ لصلاةِ الجُمُعَةِ، ولا يَبْطُلُ اعْتِكافُه به. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ.
وقال الشافعىُّ في مَن نَذَر اعْتِكافًا متَتابِعًا، فخَرَجَ منه لصلاةِ الجُمُعَةِ: بَطَل اعْتِكافُه، وعليه الاسْتِئْنافُ؛ لأنَّه أمْكَنَه فَرْضُه بحيث لا يَخْرُجُ منه، فبَطَلَ بالخُرُوجِ، كالمُكَفِّرٍ إذا ابْتَدَأ صَوْمَ الشَّهْرَيْن المُتَتابِعَيْن في شعبانَ، أو ذِى الحِجَّةِ. ولَنا، أنَّه خرَج لواجِبٍ، فلم يَبْطُلِ اعْتِكافُه، كالمُعْتَدَّةِ تَخْرُجُ لقَضاءِ العِدَّةِ، وكالخارِجِ لإِنْقاذِ غَرِيقٍ، وإطْفاء حَرِيقٍ، وأداءِ شَهادَةٍ تعَيَّنَتْ عليه، ولأنَّه إذا نَذَر أيَامًا فيها جُمُعَةٌ، فكأنَّه اسْتَثْنَى الجُمُعَةَ بلَفْظِه، ثم يَبْطُلُ بما إذا نَذَرَتِ المرأةُ أيَّامًا فيها عادَةُ حَيْضِها، فإنَّه يَصِحُّ مع إمْكانِ فَرْضِها في غيرِها، والأصْلُ مَمْنُوعٌ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا خَرَج لواجِبٍ، فهو على اعْتِكافِه ما لم يُطِلْ؛ لأنَّه خُرُوجٌ لا بُدّ منه، أشْبَهَ الخُرُوجَ لحاجَةِ الإنْسانِ.
فإن كان خُرُوجُه لصلاةِ الجُمُعَةِ فله أن يتَعَجَّلَ. قال الإِمامُ أحمدُ: أرْجُو أن يكونَ له؛ لأنَّه خرُوجٌ جائِزٌ، فجازَ تعْجيلُه، كالخرُوجِ لِحاجَةِ الإَنسانِ.
فإذا صَلَّى الجُمُعَة، فأحَبَّ أن يَعْتَكِفَ في الجامِعِ، فله ذلك؛ لأنه مَحَلٌّ للاعْتِكافِ، والمَكانُ لا يَتَعَيَّنُ للاعْتِكافِ بتَعْيِينِه، فمع عَدَمِ ذلك أوْلَى.
وإن أحَبَّ الرُّجُوعَ إلى مُعْتَكَفِه، فله ذلك، كما لو خَرَج إلى غيرِ الجُمُعَةِ. قال بعضُ أصْحابِنا: يُسْتَحَبُّ له الإِسْراعُ إلى مُعتَكَفِه.
وقال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: يَرْكَعُ، يَعْنِى المُعْتَكِفَ، يَوْمَ الجُمُعَة بعدَ الصلاةِ في المَسْجِدِ؟ قال: نعم، بقَدْرِ ما كان يَرْكَعُ. قال شَيْخُنَا ، رَحِمَه اللهُ: ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الخِيَرَةُ إليه في تَعْجِيلِ الرُّجُوعِ وتَأْخِيرِه؛ لأنَّه في مكانٍ يَصْلُحُ للاعْتِكافِ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى الاعْتِكافَ فيه.
فأمّا إن خَرَج ابْتِداءً إلى مَسْجِدٍ آخَرَ، أو إلى الجامِعِ مِن غيرِ حاجَةٍ، أو كان المسجدُ أبْعَدَ مِن مَوْضِعِ حاجَتِه فمَضَى إليه، لم يَجُزْ له ذلك؛ لأنَّه خُرُوجٌ لغيرِ حاجَةٍ، أشْبَهَ ما لو خَرَج لغيرِ المَسْجِدِ،
فإن كان المَسْجِدانِ مُتَلاصِقيْن، يَخْرُجُ مِن أحَدِهما فيَصِيرُ في الآخَرِ، فله الانْتِقالُ مِن أحَدِهما إلى الآخَرِ؛ لأنَّهما كمسجدٍ واحِدٍ، يَنْتَقِلُ مِن إحْدَى زاوِيَتَيْه إلى الأُخْرَى.
وإن كان يَمْشِى بينَهما في غيرِهما، لم يَجُزْ له الخُرُوجُ وإن قرُبَ؛ لأَنَّه خُرُوجٌ مِن المسْجِدِ لغيرِ حاجَةٍ.
فصل: وإذا خَرَج لما لا بُدَّ منه، فليس عليه أن يَتَعَجَّلَ في مَشْيِه، لكن يَمْشِى على حَسَبِ عادَتِه؛ لأنَّ عليه مَشَقَّةً في إلْزامِه غيرَ ذلك، فليس له الإِقامَةُ بعد قَضاءِ حاجَتِه لأكْلٍ ولا لغيرِه.
وقال ابنُ حامِدٍ: يجوزُ أن يَأْكُلَ اليَسِيرَ في بَيْتِه، كاللُّقْمَةِ والثَّنْتَيْن، ولا يَأْكُلُ جَمِيعَ أكْلِه.
وقال القاضى: يَتَوَجَّهُ أنَّ له الأكْلَ في بَيْتِه، والخُرُوجَ إليه ابْتِداءً؛ لأنَّ الأكْلَ في المَسْجِدِ دَناءَةٌ، وقد يُخْفِى جِنْسَ قُوتِه عن النّاسِ، وقد يكونُ في المَسْجِدِ غيرُه فيَسْتَحِى منه أن يَأْكُلَ دُونَه،
وإنْ أطْعَمَه لم يَكْفِهِما. ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلّا لحاجَةِ الإِنْسانِ. وهذا كِنايَةٌ عن الحَدَثِ، ولأنَّه خُرُوجٌ لما له منه بُدٌّ، ولُبْثٌ في غيرِ مُعْتَكَفِه لما له منه بُدٌّ، فأبْطَلَ الاعْتِكَافَ، كمُحادَثَةِ أهلِه، وما ذَكَرَه القاضِى ليس بعُذْرٍ يُبيحُ الخُرُوجَ ولا الإِقامَةَ،
ولو ساغ ذلك لساغ الخُرُوجُ للنَّوْمِ وأشْباهِه.
فصل: وإنْ خَرَجَ لحاجَةِ الإِنْسانِ، وبقُرْبِ المَسْجِدِ سِقايَةٌ أقْرَبُ مِن مَنْزِلِه لا يَحْتَشِمُ مِن دُخُولِها، ويُمْكِنُه التنَّظُّفُ فيها، لم يكُنْ له المُضِىُّ إلى مَنْزِلِه؛ لأنَّ له مِن ذلك بُدًّا.
وإن كان يَحْتَشِمُ مِن دُخُولِها، أو فيه نَقِيصَةٌ عليه، أو مُخالَفَةٌ لعادَتِه، أو لا يُمْكِنُه التَّنَظُّفُ فيها، فله المُضِىُّ إلى مَنْزِلِه، لما عليه مِن المَشَقَّةِ في تَرْكِ المُرُوءَةِ.
وكذلك إن كان لَه مَنْزِلانِ، أحَدُهما أقْرَبُ مِن الآخَرِ، يُمْكِنُه الوُضُوءُ في الأقْرَبِ بلا ضَرَرٍ، فليس له قَصْدُ الأبعَدِ.
وإن بَذَل له صَدِيقُه أو غيرُه الوَضُوءَ في مَنْزِلِه القَرِيبِ، لم يَلْزَمْه؛ لِما عليه مِن المَشَقَّةِ بتَرْكِ المُرُوءَةِ والاحْتِشامِ مِن صاحِبِه. قال المَرُّوذِىُّ: سَألْتُ أبا عبدِ الله عِن الاعْتِكافِ في المَسْجِدِ الكَبِيرِ، أعْجَبُ إليك أو مَسْجِدِ الحَىِّ؟ قال: المَسْجِدُ الكَبِيرُ. وأرْخَص لي أن أعْتَكِفَ في غيرِه.
قلت: فَأيْنَ تَرَى أن أعْتَكِفَ، في هذا الجانِبِ، أو في ذلك الجانِبِ؟
قال: في ذاك الجانِبِ، هو أصْلَحُ مِن أجْلِ السِّقايَةِ.
قلتُ: فمَن اعْتَكَفَ في هذا الجانِبِ تَرَى أن يَخْرُجَ إلى الشَّطِّ يَتَهَيّأُ؟ قال: إذا كان له حاجَةٌ لا بدَّ له مِن ذلك.
قلتُ: يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ في المَسْجِدِ؟ قال: لا يُعْجِبُنِى أن يَتَوَضَّأَ في المَسْجِدِ.
فصل: وإذا احْتِيجَ إليه في النَّفِيرِ، إذا عَمَّ، أو حَضَر عَدُوٌّ يَخافُون كَلَبَه ، واحْتِيجَ إلى خُرُوجِ المُعْتَكِفِ، لَزِمَه الخُرُوجُ؛ لأنَّه واجِبٌ مُتَعَيِّنٌ، فكان عليه الخُرُوجُ إليه، كالخُرُوجِ إلى الجُمُعَةِ.
وكذلك الشَّهادَةُ الواجِبَةُ عليه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن وَقَعَتْ فِتْنَةٌ خاف منها على نَفْسِه إذا قام في المَسْجِدِ، أو على مالِه، أو خاف نَهْبًا، أو حَرِيقًا، فله تَرْكُ الاعْتِكافِ، والخُرُوجُ؛ لأنَّ هذا ممَّا أباحَ اللهُ تعالى لأجْلِه تَرْكَ الواجِبِ بأصْلِ الشَّرْعِ، وهو الجُمُعَةُ، فأوْلَى أنْ يُباحَ لأجْلِه تَرْكُ ما أوْجَبَه على نَفْسِه،
وكذلك إن تَعَذَّرَ عليه المُقامُ في المَسْجِدِ؛ لمَرَضٍ لا يُمْكِنُه المُقامُ معه، كالقِيامِ المُتدارَكِ، أو سَلَسِ البَوْلِ، أو الإِغْماءِ، أو لا يُمْكِنُه المُقامُ إلَّا بمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، مثلَ أن يحتاجَ إلى خِدْمَةٍ وفِراشٍ، فله الخُرُوجُ.
وإن كان المَرَضُ خَفِيفًا؛ كالصُّداعِ، ووَجَعِ الضِّرْسِ ونَحْوِه، فليس له الخُرُوجُ،
فإن خَرَج بَطَل اعْتِكافُه؛ لأنَّه خُرُوجٌ لما له منه بُدٌّ.
فصل: وإن حاضَتِ المُعْتَكِفَةُ، أو نَفِسَتْ، وَجَب عليها الخُرُوجُ مِن المَسْجِدِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه حَدَثٌ يَمْنَعُ اللُّبْثَ في المَسْجِدِ. وعن عائِشَةَ، رَضِى اللهُ عنها، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ، وَلَا جُنُبٍ». رَواه أبو داودَ . والنِّفاسُ في مَعْنَى الحَيْضِ، فثَبَتَ فيه حُكْمُه. قال الخِرَقِىُّ: تَخْرُجُ مِن المَسْجِدِ، وتَضْرِبُ خِباءً في الرَّحْبَةِ. هذا إن كان للمَسْجدِ رَحْبَةٌ،
فإن لم يكُنْ رَجَعَتْ إلى بَيْتِها،
فإذا طَهُرَتْ عادَتْ فأتَمَّتِ اعْتِكَافَها وقَضَتْ ما فاتَها، ولا كَفّارَةَ عليها؛ لأنَّه خُروجٌ مُعْتادٌ، أشْبَهَ الخُرُوجَ للجُمُعَةِ.
وإن كان للمَسْجِدِ رَحْبَةٌ خارِجَة مِن المَسْجِدِ يُمْكِنُ ضَرْبُ خِبائِها فيه، ضَرَبَتْ خِباءَها فيه مُدَّةَ حَيْضِها. وهو قَوْلُ أبى قِلابةَ.
وقال النَّخعِىُّ: تَضْرِبُ فُسْطاطَها في دارِها،
فإذا طَهُرَتْ قَضَتْ تِلْكَ الأيَّامَ،
وإن دَخَلَتْ بَيْتًا أو سَقْفًا اسْتَأْنَفَتْ.
وقال الزُّهْرِىُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ: تَرْجِعُ إلى مَنْزِلِها؛ لأنَّه وَجَب عليها الخُرُوجُ مِن المَسْجِدِ، فلم تَلْزَمْها الإِقامَةُ في رَحْبَتِه، كالخارِجَةِ لعِدَّةٍ، أو خوْفِ فِتْنَةٍ. ووَجْهُ قَوْل الخِرَقِىِّ ما روَى المِقْدامُ بنُ شُرَيْحٍ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كُنَّ المُعْتَكِفاتُ إذا حِضْنَ أمَر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بإخْراجهِنَّ مِن المَسْجِدِ،
وأن يَضْرِبْنَ الأخْبِيَةَ في رَحْبَةِ المَسْجِدِ. رَواه أَبو حَفْصٍ بإسْنادِه. وفارَقَ المُعْتَدَّةَ،
فإنَّ خُرُوجَها لتَعْتَدَّ في بَيْتِها وتُقِيمَ فيه، ولا يَحْصُلُ ذلك مع الكَوْنِ في الرَّحْبَةِ،
وكذلك الخائِفَةُ مِن الفِتْنَةِ خُرُوجُها لِتَسْلَمَ منها، فلا تُقِيمُ في مَوْضِعٍ لا تَحْصُلُ السَّلامَةُ بالإِقامَةِ فيه. قال : والظّاهِرُ أنَّ إقامَتَها في الرَّحْبَةِ مُسْتَحَبَّةٌ، وليس بواجِبٍ.
وإن لم تُقِمْ في الرَّحْبَةِ رَجَعَتْ إلى مَنْزِلِها أو غيرِه، ولا شئَ عليها إلَّا القَضاءَ لأيامِ حَيْضِها، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا إلَّا قولَ إبراهيمَ، وهو تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه.
فصل: فأمّا الاسْتِحاضَةُ فلا تَمْنَعُ الاعْتِكافَ؛ لكَوْنِها لا تَمْنَعُ الصلاةَ، وقد قالت عائِشَةُ، رضى اللهُ عنها: اعْتَكَفَتْ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - امرأةٌ مِن أزْواجِه مُسْتَحاضَةٌ، فكانت تَرَى الحُمْرَةَ والصُّفْرَةَ، ورُبَّما وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَها وهى تُصَلِّى. أخْرَجَه البخارىُّ .
ويَجِبُ عليها أن تَتَحَفَّظَ وتَتَلَجَّمَ، لئَلَّا تُلَوِّثَ المَسْجدَ،
فإن لم يُمْكِنْ صِيانَتُه منها خَرَجَتْ مِن المَسْجِدِ؛ لأنَّه عُذْرٌ وخُرُوجٌ لحِفْظِ المَسْجِدِ مِن نَجاسَتِها، أشْبَهَ الخُرُوجَ لقَضاءِ الحاجَةِ. فصل: والمُتَوَفَّى عنها يَجِبُ عليها أن تَخْرُجَ لقَضاءِ العِدَّةِ. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال رَبِيعَةُ، ومالكٌ، وابنُ المُنْذِرِ: تَمْضِى في اعْتِكافِها، حتى تَفْرَغَ منه، ثم تَرْجِعُ إلى بَيْتِ زَوْجِها فتَعْتَدُّ فيه؛ لأنَّ الاعْتِكافَ المَنْذُورَ واجِبٌ، والاعْتِدادَ في البَيْتِ واجِبٌ، فقد تعارَضَ واجِبانِ، فيُقَدَّمُ أسْبَقُهما. ولنا، أنَّ الاعْتِدادَ في بَيْتِ زَوْجِها واجِبٌ، فلَزِمَها الخُرُوجُ إليه، كالجُمُعَةِ في حَقِّ الرجلِ. ودَلِيلُهم يَنْتَقِضُ بالخُرُوجِ إلى الجُمُعَةِ وسائِرِ الواجِباتِ. ١١٢٢ -
(وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ) فِيمَا إِذَا عَيَّنَ مُدَّةً أَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي عَدَدٍ (إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا قَالَتْ:«السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) كَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ:«كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ بَطَلَ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ اعْتِكَافٌ وَكَنَّى بِهَا عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى فِعْلِهِمَا، وَيُلْحَقُ بِهِمَا قَيْءٌ بَغْتَةً، وَغَسْلُ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ، وَلَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ، وَقَصْدُ مَنْزِلِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا مِنْهُ كَسِقَايَةٍ لَا يَحْتَشِمُ مِثْلُهُ مِنْهَا، وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَلَا مُخَالَفَةَ لِعَادَتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَلْزَمُهُ قَصْدُ أَقْرَبِ مَنْزِلَيْهِ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ،
وَإِنْ بَذَلَ لَهُ صَدِيقُهُ أَوْ غَيْرُهُ مَنْزِلَهُ الْقَرِيبَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ لِلْمَشَقَّةِ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَالِاحْتِشَامِ،
فَلَوْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، حَرُمَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِفِعْلِ أَبِي وَائِلٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لِكِبَرٍ وَمَرَضٍ،
وَكَذَا يَخْرُجُ لِفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ، وَفِيهِمَا احْتِمَالٌ يَجُوزُ فِي إِنَاءٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهَا التَّحَرُّزَ إِلَّا بِتَرْكِ الِاعْتِكَافِ،
وَقِيلَ: الْجَوَازُ لِضَرُورَةٍ فَإِنْ بَالَ خَارِجًا، وَجَسَدُهُ فِيهِ لَا ذَكَرُهُ كُرِهَ،
وَعَنْهُ: يَحْرُمُ.
تَنْبِيهٌ: الْحَاجَةُ إِلَى الْمَأْكُولِ، وَالْمَشْرُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ لَهُمَا فِي بَيْتِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِإِبَاحَتِهِ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ: يَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ لِمَا فِيهِ تَرْكُ الْمُرُوءَةِ، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ، وَيُرِيدَ أَنْ يُخْفِيَ جِنْسَ قُوتِهِ، وَجَوَّزَ ابْنُ حَامِدٍ الْيَسِيرَ كَلُقْمَةٍ وَلُقْمَتَيْنِ لَا كُلِّ أَكْلِهِ، وَلَهُ غَسْلُ يَدِهِ فِي إِنَاءٍ مِنْ وَسَخٍ وَزَفَرِ وَنَحْوِهِمَا، (وَالطَّهَارَةُ) كَغُسْلِ جَنَابَةٍ وَوُضُوءٍ لِحَدَثٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقُدِّمَا عَلَى الِاعْتِكَافِ؛
لِأَنَّ الْجُنُبَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ، وَالْمُحْدِثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ وُضُوءٍ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُكْرَهُ وَضَوْءُهُ فِيهِ فَعَلَهُ بِلَا ضَرَرٍ،
وَكَذَا غُسْلُ جُمُعَةٍ إِنْ وَجَبَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، (وَالْجُمُعَةُ) ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِوَاجِبٍ فَلَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ كَالْمُعْتَدَّةِ، وَلَهُ التَّبْكِيرُ إِلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ وَفِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " احْتِمَالٌ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَلَهُ إِطَالَةُ الْمَقَامِ بَعْدَهَا،
وَلَا يُكْرَهُ لِصَلَاحِيَةِ الْمَوْضِعِ لَهُ،
وَيُسْتَحَبُّ عَكْسُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: التَّبْكِيرُ أَرْجُو، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَهَا عَادَتَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ. وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ. قَالَ: بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَفْضَلُ خُرُوجُهُ لِذَلِكَ، وَعَوْدُهُ فِي أَقْصَرِ طَرِيقٍ لَا سِيَّمَا فِي النُّذُورِ، وَالْأَفْضَلُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ إِنْ خَرَجَ لِجُمُعَةٍ وَعِبَادَةٍ وَغَيْرِهَا، (وَالنَّفِيرُ الْمُتَعَيِّنُ) ؛ لِأَنَّهُ، وَاجِبٌ كَالْجُمُعَةِ،
وَكَذَا إِنْ تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لِإِطْفَاءِ حَرِيقٍ أَوْ إِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ (وَالشَّهَادَةُ الْوَاجِبَةُ) لِظَاهِرِ الْآيَاتِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ التَّحَمُّلُ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُهَا، وَأَدَاؤُهَا خَرَجَ لَهَا، وَإِلَّا فَلَا،
وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا لَمْ يَجُزِ الْخُرُوجُ، (وَالْخَوْفُ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ (مِنْ فِتْنَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ عُذِرَ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَالْجُمُعَةِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى (أَوْ مَرَضٍ) يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُقَامُ فِيهِ، كَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى خِدْمَةٍ وَفِرَاشٍ،
وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا كَالصُّدَاعِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُبَاحَ بِهِ الْفِطْرُ فَيُفْطِرَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِنْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ الصَّوْمِ، وَإِلَّا فَلَا (وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ) ؛ لِأَنَّ اللُّبْثَ مَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ حَرَامٌ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحْبَةٌ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ عَادَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ،
وَإِنْ كَانَ لَهُ رَحْبَةٌ يُمْكِنُهَا ضَرْبُ خِبَاءٍ فِيهَا بِلَا ضَرَرٍ، فَعَلَتْ ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، فَيُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى نَفْسِهَا وَلِهَذَا قِيلَ مَعَ سَلَامَةِ الزَّمَانِ فَإِذَا طَهُرَتْ دَخَلَتْهُ فَأَتَتْ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ. وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ يُسَنُّ جُلُوسُهَا فِي الرحبة غير المحوطة الْمُحَوَّطَةِ،
وَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ فَأَيْنَ شَاءَتْ. (وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ) فِي مَنْزِلِهَا، لِوُجُوبِهَا شَرْعًا كَالْجُمُعَةِ، وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَلِآدَمِيٍّ لَا يُسْتَدْرَكُ إِذَا تُرِكَ
بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ
والنَّفِيرِ المتَعَيِّنِ. بلا نِزاعٍ، وكذا إذا تعَيَّنَ خُروجُه لإِطْفاءِ حَريقٍ، وإنْقاذِ غَرِيقٍ، ونحوِه. والشَّهادَةِ الواجِبَةِ. يجوزُ الخُروجُ للشَّهادَةِ المُتَعَيَّنَةِ عليه، فَيلْزَمُه الخُروجُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يَبْطُلُ اعْتِكافُه، ولو لم يتَعيَّنْ عليه التَّحَمُّلُ،
ولو كان سبَبُه اخْتِيارِيًّا. وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. واخْتارَ فى «الرعايَةِ»، إنْ كان تَعَيَّنَ عليه تَحَمُّلُ الشَّهادَة وأداؤُها، خرَج لها، وإلاَّ فلا.
فائدَة: قوله: والخَوْفِ مِن فِتْنَةٍ. يجوزُ الخُروجُ إنْ وقَعَتْ فِتْنَةٌ وخافَ منها - إنْ أقامَ فى المَسْجِدِ - على نفْسِه أو حُرْمَتِه أو مالِه نَهْبًا، أو حَرِيقًا، ونحوه، ولا يَبْطُلُ اعْتِكافُه بذلك. أو مَرَضٍ. اعلمْ أنَّ المرَضَ إذا كان يتَعذَّرُ معه القِيامُ فيه، أو لا يُمْكِنُه إلَّا بمَشقَّةٍ شديدةٍ، يجوزُ له الخُروجُ،
وإنْ كان المَرضُ خفِيفًا، كالصُّداعِ والحُمَّى الخَفِيفَةِ، لم يَجُزْ له الخُروجُ، إلَّا أنْ يُباحَ به الفِطْرُ فيُفْطِرَ، فإنَّه يخْرُجُ إنْ قُلْنا باشْتِراطِ الصَّوْمَ، وإلَّا فلا. والحَيْضِ والنِّفَاسِ. تخْرُجُ المرأةُ للحَيْضِ والنَّفاسِ إلى بَيْتِها إنْ لم يكُنْ للمَسْجِدِ رَحْبَةٌ،
فإذا طَهُرَتْ رجَعَتْ إلى المَسْجِدِ،
وإنْ كان له رَحْبَةٌ يُمْكِنُها ضَرْبُ خِبائِها فيها بلا ضَرَرٍ، فعَلَتْ ذلك،
فإذا طَهُرَتْ رجعَتْ إلى المَسْجدِ. ذكَرَه الخِرَقِىُّ، وابنُ أبى مُوسَى. ونقَلَه يَعْقُوبُ بنُ بَخْتَانَ عن أحمدَ. وقدَّمَه فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ»، واقْتَصَرَ عليه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. ونقَل محمدُ ابنُ الحَكَمِ، تذْهَبُ إلى بَيْتِها،
فإذا طَهُرَتْ بَنَتْ على اعْتِكافِها. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا.
قلتُ: الظَّاهِرُ أنَّ محَلَّ الخِلافِ، إذا قُلْنا: إنَّ رَحْبَةَ المَسْجِدِ ليست منه. وهو واضِحٌ. فعلى الأوَّل، إقامَتُها فى الرَّحْبَةِ على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والمَجْدُ وغيرُهما. وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهما. واخْتارَ فى «الرِّعايَةِ»، أنَّه يُسَنُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . .
جلُوسُها فى الرَّحْبَةِ غيرِ المَحُوطَةِ. وحكَى صاحِبُ «التَّلْخيصِ» قوْلاً بوُجوبِ الكفَّارَةِ عليها. وهذا الحُكْمُ إذا لم تخَفْ تَلْوِيثَه،
فأمَّا إنْ خافَتْ تَلْوِيثَه، فأيْنَ شاءَتْ.
وكذا بشَرْطِ الأمْنِ على نفْسِها. قال الزَّرْكَشِىُّ: ولهذا قال بعضُهم: هذا مع سَلامَةِ الزَّمانِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله، بعد ذكْرِ ما يجوزُ الخُروجُ له: ونحوِ ذلك. فنحْوُ ذلك، إذا تعَيَّنَ خُروجُه لإِطْفاءِ حَريقٍ، أو إنْقاذِ غَريقٍ, كما تقدَّم.
وكذا إذا أكْرَهَه السُّلْطانُ أو غيرُه على الخُروجِ،
وكذا لو خافَ أنْ يأخُذَه السُّلْطانُ ظُلْمًا، فخرَج واخْتَفَى،
وإنْ أخْرجَه لاسْتِيفاءِ حقًّ عليه،
فإنْ أمْكَنَه الخُروجُ منه بلا عُذْرٍ، بطَل اعْتِكافُه، وإلَّا لم يَبْطُلْ؛ لأنَّه خُروجٌ واجِبٌ.
فائدة: لو خرَج مِنَ المَسْجِدِ ناسِيًا، لم يَبْطُلِ اعْتِكافُه، كالصَّوْمِ. ذكرَه القاضى فى «المُجَرَّدِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ». وذكَر القاضى فى «الخِلَافِ»، وابن عَقِيل فى «الفُصُولِ»، يَبْطُلُ؛ لمُنافَاتِه الاعْتِكافَ، كالجِماعِ. وذكَر المَجْدُ أحدَ الوَجْهَيْن، لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ، ويَبْنِى، كمرَضٍ وحَيْضٍ، واخْتارَه، وذكَرَه قِياسَ المذهبِ. وجزم أيضًا، أنَّه لا يَنْقَطِعُ تَتابُعُ المُكْرَهِ. وأطْلَقَ بعضُهم وَجْهَيْن. قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: لا يبطُلُ اعْتِكافُه إذا أُكْرِهَ على الخُروجِ،
ولو خرج بنَفْسِه. وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، إِلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ، فَيَجُوزُ.
وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
فائدة: قوله: ولا يَعُودُ مَريضًا، ولا يَشْهَدُ جِنازَةً.
وكذا كلُّ قُرْبَةٍ؛ كزِيارَةٍ، وتَحَمُّلِ شَهادَةٍ وأدائِها، وتَغْسِيلِ مَيِّتٍ، وغيرِه، إلَّا أنْ يشتَرِطَ. وهذا المذهبُ فى ذلك كلِّه، نصَّ عليه. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأصحابُ.
وعنه، له فِعْلُ ذلك كلِّه مِن غيرِ شَرْطٍ. وذكَر التَّرْمِذِىُّ ، وابنُ المُنْذِرِ رِوايَةً عن أحمدَ بالمَنْعِ، مع الاشْتِراطِ أيضًا. فعلى المذهبِ، لا يَقْضِى زمَنَ الخُروجِ إذا نذَر شَهْرًا مُطْلَقًا، فى ظاهرِ كلامِ الأصحابِ. قالَه فى «الفُروعِ»، كما لو عيَّنَ الشَّهْرَ.
قال المَجْدُ: ولو قَضَاه صار الخُروجُ المُسْتَثْنَى والمَشْرُوطُ فى غيرِ الشَّهْرِ.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن ذلك، لو تعَيَّنَتْ عليه صلاةُ جِنَازَةٍ خارِجَ المَسْجدِ، أو دَفْنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَيِّتٍ، أو تَغْسِيلُه، فإنَّه كالشَّهادَةِ إذا تعَيَّنَتْ عليه، على ما سبَق. ويأْتِى آخِرَ البابِ ما يجوزُ له فِعْلُه فى المَسْجِدِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو شرَط فى اعْتِكافِه فِعْلَ ما له منه بدٌّ، وليس بقُرْبَةٍ ويَحْتاجُه، كالعَشاءِ فى بَيْتِه، والمَبِيتِ فيه، جازَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ والرِّوايتَيْن. جزَم به المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، والشارِحُ، وغيرُهما، ونصَرُوه. وجزَم به فى «الرِّعايتَيْن»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوِيَيْن». وعنه، المَنْعُ مِن ذلك. جزَم به القاضى، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهما. واخْتارَه المَجْدُ وغيرُه. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ».
ولو شرَط الخروجَ للبَيْعِ والشِّراءِ، أو الإِجارَةِ، أو التَّكَسُّبَ بالصِّناعَةِ فى المَسْجِدِ، لم يَجُزْ، بلا خِلافٍ عنِ الإِمامِ أحمدَ وأصحابِه.
ولو قال: متى مَرِضْتُ، أو عرَض لى عارِضٌ، خرَجْتُ. فله شَرْطُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما، وأطْلَقُوا. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال المَجْدُ: فائدَةُ الشَّرْطِ هنا، سُقوطُ القَضاءِ وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَرِيضِ فِى طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ، فى المُدَّةِ المُعَيَّنَةِ،
فأمَّا المُطْلقَةُ، كنَذْرِ شَهْرٍ مُتَتابعٍ، فلا يجوزُ الخُروجُ منه إلَّا لمرَضٍ، فإنَّه يَقْضِى زمَنَ المرَضِ؛ لإِمْكانِ حمْلِ شَرْطِه هنا على نَفْى انْقِطاعِ التَّتابُع فقط، فنُزِّلَ على الأقَلِّ، ويكونُ الشَّرْطُ أفادَ هنا البِنَاءَ مع سُقوطِ الكَفَّارَةِ على أصْلِنا. وله السُّؤَالُ عنِ المَريضِ فى طَرِيقِه ما لم يُعَرِّجْ. إذا خرَج إلى ما لا بُدَّ منه، فسَألَ عنِ المَريضِ أو غيرِه فى طَرِيقِه، ولم يُعَرِّجْ، جاز؛ كبَيْعِه وشِرائِه إذا لم يقِفْ له. قال فى «الفُروعِ»: ولا وَجْهَ لقَوْلِه فى «الرِّعايَةِ»: فَسَأل عنِ المَريضِ.
وقيل: أو غيرِه.
فائدة: لو وقَف لمَسْألَتِه، بطَل اعْتِكافُه. وَالدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ،
فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا كَحَاجَةِ الإِنْسَانِ [٦٠ ظ] وَالطَّهَارَةِ، فَلَا شَىْءَ فِيهِ وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ فِى الْمُتَتَابِعِ وَتَطَاوَلَ،
فصل [في حكم خروج المعتكف] قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز للمعتكف الخروج إلا إلى ما لا بد (١) منه كحاجة الإنسان والطهارة والجمعة والنفير المتعين والشهادة الواجبة والخوف من فتنة أو مرض والحيض والنفاس وعدة الوفاة ونحوه).
أما كون المعتكف لا يجوز له الخروج إلا لما لا بد منه فلما روي عن عائشة أنها قالت: «السنة للمعتكف أن لا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه» رواه أبو داود.
وذلك ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن عائشة قالت:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأُرَجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» متفق عليه.
وأما قول المصنف رحمه الله: كحاجة الإنسان ... إلى آخره فتمثيل لصور لا بد من الخروج إليها. والمراد بحاجة الإنسان: البول والغائط والأكل والشرب ونحو ذلك. وقد دل حديث عائشة على جواز الخروج لذلك.
وبالطهارة الغسل من الجنابة والوضوء، وقدما على الاعتكاف وإن كان منذوراً لأن الحاجة تدعو لهما. ضرورة أن الجنب لا يحل له اللبث في المسجد، والمحدث لا تصح صلاته بغير وضوء لأنهما واجبان بإيجاب الله تعالى
بخلاف النذر فإنه وجب بإيجاب الناذر، والجمعة معلومة وقد تقدم ما يدل على جواز الخروج لها.
وفي معنى ذلك كل واجب كالنفير المتعين والشهادة الواجبة والحيض والنفاس لأن اللبث في المسجد معهما حرام،
وكذلك عدة الوفاة لأنها تجب في المنزل الذي مات الزوج وهي فيه، والخوف من فتنة أو مرض لأن ذلك مما يباح به ترك الجمعة التي يباح الخروج من الاعتكاف [لها، فلأن يباح الخروج من الاعتكاف] لأجله أولى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.