وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ وَاجْتِنَابِ مَا لَا يَعْنِيهِ
الشروح عليها
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للمُعْتَكِفِ التَّشاغُلُ بفِعْلِ القُرَب (١) ، واجْتِناب ما لا يَعْنِيه) يُسْتَحَبُّ للمُعْتَكِف التَّشاغُلُ بالصلاةِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ، وذِكرِ اللهِ تعالى، ونحْوِ ذلك مِن الطّاعاتِ المَحْضَةِ، ويَجْتَنِبُ ما لا يَعْنِيه مِن الأقْوالِ والأفْعالِ؛ لأنَّ مَن كَثُرَ كلامُه كَثُرَ سَقَطُه، وفى الحديثِ:«مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه». ويَجْتَنِبُ الجِدالَ والمِراءَ والسِّبابَ والفُحْشَ،
فإنَّ ذلك مكرُوهٌ في غيرِ الاعْتِكافِ، ففيه أوْلَى، ولا يَبْطُلُ الاعْتِكافُ بشَئٍ مِن ذلك؛ لأنَّه لمّا لم يَبْطُلْ بمُباحِ الكلامِ لم يَبْطُلْ بمَحْظُوراتِه، وعَكْسُه الوَطْءُ، ولا بَأْسَ بالكَلامِ بمُحادَثَتِه، ومُحادَثَةِ غيرِه،
فإنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُه لأزُورَه لَيْلًا، فحَدَّثْتُه، ثم قُمْتُ، فانْقَلَبْتُ، فقامَ معى ليَقْلِبَنى - وكان مَسْكَنُها في دارِ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ - فمَرَّ رجلانِ مِن الأنْصارِ، فلمّا رَأيا النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أسْرَعا، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ». فقالا: سُبْحانَ اللهِ يا رسولَ اللهِ!
قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم، وإنِّى خَشِيتُ أن يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُما شَرًّا». أو قال:«شَيْئًا». مُتَّفَقٌ عليه .
وقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: أيُّما رجلٍ مُعْتَكِفٍ فلا يُسابَّ، ولا يَرْفُثْ في الحَدِيثِ، ويَأْمُرُ أهلَه بالحاجَةِ - أى وهوَ يَمْشِى - ولا يَجْلِسْ عندَهم. رَواه الإِمامُ أحمدُ .
فصل: ويَجْتَنِبُ المُعْتَكِفُ البَيْعَ والشِّراءَ إلَّا ما لا بُدَّ له منه، قال حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يَقُولُ: المُعْتَكِفُ لا يَبِيعُ ولا يَشْتَرِى إلَّا ما لا بُدَّ له منه، طَعامٌ أو نحوُ ذلك،
فأمّا التِّجارَةُ والأخْذُ والعطاءُ، فلا يَجُوزُ.
وقال الشافعىُّ: لا بَأْسَ أن يَبِيعَ ويَشْتَرِىَ ويَخِيطَ ويَتَحَدَّثَ، ما لم يَكُنْ مَأْثَمًا. ولَنا، ما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البَيْعِ والشِّراءِ في المَسْجِدِ. رَواه التِّرْمِذِىُّ .
وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَأى عِمْرانُ القَصِيرُ رجلًا يَبِيعُ في المَسْجِدِ، فقال: يا هذا، إنَّ هذا سُوقُ الآخِرَةِ،
فإن أرَدْتَ البَيْعَ فاخْرُجْ إلى سُوقِ الدُّنْيا.
وإذا مُنِع مِن البَيْعِ والشِّراءِ في غيرِ حالِ الاعتكافِ، ففيه أوْلَى.
فأمّا الصَّنْعَةُ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه لا يَجُوزُ منها ما يَتكَسَّبُ به، لأنَّه بمَنْزِلَةِ البَيْعِ والشِّراءِ.
ويَجُوزُ ما يَعْمَلُه لنَفْسِه، كخِياطَةِ قَمِيصِه ونَحْوِه. وقد روَى المَرُّوذِىُّ، قال: سَألْتُ أبا عبدِ اللهِ عن المُعْتَكِفِ، تَرَى له أن يَخِيطَ؟ قال: لا يَنْبَغِى له أن يَعْتَكِفَ إذا كان يُرِيدُ أن يَفْعَلَ.
وقال القاضى: لا تَجُوزُ الخِياطَةُ في المَسْجِدِ، سواء كان مُحْتاجًا إليها أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ ذلك مَعِيشَةٌ وتَشَغُّلٌ عن الاعْتِكافِ، فأشْبَهَ البَيْعَ والشِّراءَ فيه. قال شَيْخُنا : والأوْلَى أن يُباحَ له ما يَحْتاجُ إليه مِن ذلك، إذا كان يَسِيرًا، مثلَ أن يَنْشَقَّ قَمِيصُه فيَخِيطَه، أو يَنْحَلَّ شئٌ يَحْتاجُ إلى رَبْطِه فيَرْبِطَه؛ لأنَّ هذا يَسِير تَدْعُو الحاجَةُ إليه، فجَرَى مَجْرَى لُبْسِ قَمِيصِه وعِمامَتِه.
فصل: وليس الصَّمْتُ مِن شريعَةِ الإِسلامِ، وظاهرُ الأخبارِ تَحريمُه. قال قَيْس بنُ مسلمٍ : دَخَل أبو بَكْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، على امرأةٍ مِن أحْمَسَ، يُقال لها: زينبُ، فرَآها لا تَتَكَلَّمُ، فقال: ما لها لا تَتَكَلَّمُ؟ قالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً. فقال لها: تَكَلَّمِى، هذا لا يَحِلُّ، هذا مِن عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ. فتَكَلَّمَتْ. رَواه البخارِىُّ . وروَى أبو داودَ بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: حَفِظْتُ عن رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«لَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ».
ورُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن صوْمِ الصَّمْتِ .
فإن نَذَر ذلك لم يَلْزَمْه الوَفاءُ به. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: بَيْنا النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ، إذا هو برجلٍ قائِمٍ، فَسَألَ عنه، فقالوا: أبو إسْرائِيلَ، نَذَر أن يَقُومَ في الشَّمْسِ ولا يَقْعُدَ، ولا يَسْتَظِلَّ، ولا يَتَكَلَّمَ، ويَصُومَ. فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، ولْيُتِمَّ صَوْمَه». رَواه البخارىُّ .
ولأنَّه نَذَرَ فِعْلَ مَنْهِىٍّ عنه، فلم يلْزَمْه، كنَذْرِ المُباشَرَةِ في المَسْجِدِ،
وإن أرادَ فِعْلَه لم يَكُنْ له ذلك، سواءٌ نَذَرَه أو لم يَنْذُرْه.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: له فِعْلُه إذا كان أسْلَمَ. ولَنا، النَّهْىُ عنه،
وظاهِرُه التَّحْرِيمُ، والأمْرُ بالكلامِ ومُقْتَضاهُ الوُجُوبُ، وقولُ أبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه: إنّ هذا لا يَحِلُّ، هذا مِن عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ. وهذا صَرِيحٌ، ولم يُخالِفْه أحَدٌ مِن الصَّحابَةِ فيما عَلِمْناه، واتِّباعُ ذلك أوْلَى.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ القُرْآنَ بَدَلًا مِن الكلامِ؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ له في غيرِ ما هو له، أَشْبَهَ اسْتِعْمالَ المُصْحَفِ في التَّوَسُّدِ ونَحْوِه، وقد جاءَ: لا تُناظِرُوا بكتابِ الله . قيل: مَعْناه لا تَتَكَلَّمْ به عندَ الشئِ تَراه، كأنْ تَرَى رجلًا قد جاءَ في وَقْتِه، فتَقُول: و {جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى}. ونحوَه. ذَكَر أبو عُبَيْدٍ نَحْوَ هذا المَعْنَىَ. ١١٣٠ - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ له إقْراءُ القُرْآنِ والعِلْمِ، والمُناظَرَةُ فيه، إلَّا عندَ [أبى الخطّابِ] (١) ، إذا قَصَد به الطّاعَةَ) أكْثَرُ أصحابِنا لا يَسْتَحِبُّون للمُعْتَكِفِ إقْراءَ القُرْآنِ، وتَدْرِيسَ العِلْمِ، ومُناظَرَةَ الفُقَهاءِ، ومُجالَسَتَهم، وكِتابَةَ الحَدِيثِ، ونَحْوَ ذلك مِمّا يَتَعَدَّى نَفْعُه.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. وقال أبو الحَسَنِ الآمدىُّ: في اسْتِحْبابِ ذلك رِوايَتان. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه مُسْتَحَبٌّ إذا قَصَد به طاعةَ اللهِ تعالى، لا المُباهاةَ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذلك أفْضَلُ العِباداتِ، ونَفْعُه يَتَعَدَّى، فكان أوْلَى مِن تَرْكِه، كالصلاةِ. واحْتَجَّ أصحابُنا بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَعْتَكِفُ، فلم يُنْقَلْ عنه الاشْتِغالُ بغيرِ العِباداتِ المُخْتَصَّةِ به، ولأنَّ الاعْتِكافَ عِبادَةٌ مِن شَرْطِها المَسْجِدُ، فلم يُسْتَحَبَّ فيها ذلك، كالطَّوافِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بعيادَةِ المَرْضَى، وشُهُودِ الجنازَةِ.
فعلى هذا القَوْلِ، فِعْلُه لهذه الأفْعالِ أفْضَلُ مِن الاعْتِكافِ. قال المَرُّوذِىُّ: قُلْتُ لأبِى عَبْدِ اللهِ: إنَّ رجلًا يُقْرِئُ في المَسْجِدِ، وهو يُرِيدُ أن يَعْتَكِفَ، ولَعَلَّه أن يَخْتِمَ في كُلِّ يَوْمٍ. فقال: إذا فَعَل هذا كان لنَفْسِه،
وإذا قَعَد في المَسْجدِ كان له ولغيرِه، يُقْرِئُ أحَبُّ إلىَّ. وسُئِلَ: أيُّما أحَبُّ إليك؛ الاعتكَافُ، أو الخُرُوجُ إلى عَبّادانَ ؟ فقال: ليس يَعْدِلُ الجِهادَ عندِى شئٌ. يَعْنِى أنَّ الخُرُوجَ إلى عبّادانَ أفْضَلُ مِن الاعْتِكافِ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَتَزَوَّجَ المُعْتَكِفُ، ويَشْهَدَ النِّكاحَ في المَسْجِدِ؛ لأنَّه عِبادَةٌ لا تُحَرِّمُ الطيبَ، فلا تُحَرِّمُ النِّكاحَ، كالصومِ، ولأنَّ النِّكاحَ طاعَةٌ، وحُضُورَه قُرْبَةٌ، ومُدَّتُه لا تَتَطاوَلُ، فلم يُكْرَهْ، كتَشْمِيتِ العاطِسِ، ورَدِّ السلامِ. فصل: ولا بَأْسَ أن يَتَنَظَّفَ بأنْواعِ التَّنَظُّفِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُرَجِّلُ رَأْسَه وهو مُعْتَكِفٌ. وله أن يَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ الرَّفِيعَ مِن الثِّيابِ، وليس ذلك بمُسْتَحَبٍّ. قال الإِمامُ أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أن يَتَطَيَّبَ؛
وذلك لأنَّ الاعْتِكافَ عِبادَةٌ تَخْتَصُّ مَكانًا، فكان تَرْكُ الطِّيبِ فيها مَشْرُوعًا، كالحَجَّ، وليس ذلك بمُحَرَّمٍ؛ لأنَّه لا يُحَرِّمُ اللِّباس ولا النِّكاحَ، أشْبَهَ الصَّوْمَ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَأْكُلَ المُعْتَكِفُ في المَسْجِدِ، ويَضَعُ سُفْرَةً يَسْقُط عليها ما يَقَعُ منه، كَيْلا يَتَلَوَّثَ المَسْجِدُ، ويَغْسِلُ يَدَه في الطَّسْتِ ليُفَرَّغَ خارِجَ المَسْجِدِ،
ولا يَجُوزُ أن يَخْرُجَ ليَغْسِلَ يَدَه؛ لأنَّ له من ذلك بُدًّا. وهل يُكْرَهُ تَجْدِيدُ الطَّهارةِ في المَسْجِدِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ أبا العالِيَةِ قال: حَدَّثَنِى مَن كان يَخْدُمُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -،
قال: أمّا ما حَفِظْتُ لكم منه، أنَّه كان يَتَوَضَّأُ في المَسْجِدِ . وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَتَوَضَّأُ في المَسْجِدِ الحَرامِ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، الرِّجالُ والنِّساءُ . وعن ابنِ سِيرينَ، قال: كان أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، والخُلَفاءُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، يَتَوَضَّئُون في المَسْجِدِ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وابنِ جُرَيْجٍ . والثّانِيَةُ، يُكْرَهُ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن أن يَبْصُقَ في المَسْجدِ أو يَتَمَخَّطَ، والبُصاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، ولأنَّه يَبُلُّ مِن المَسْجِدِ مكَانًا يَمْنَعُ المُصَلِّينَ مِن الصلاةِ فيه.
وإن خَرَج مِن المَسْجِدِ للوُضُوءِ، وكان تَجْدِيدًا، بَطَل؛ لأنَّهُ خُرُوجٌ لِما له منه بُدٌّ،
وإن كان وُضُوءًا عن حَدَثٍ لم يَبْطُلْ؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، سواءٌ كان في وَقْتِ الصلاةِ أو قَبْلَها، لأنَّه لا بدَّ مِن الوُضُوءِ للحَدَثِ، وإنَّما يَتَقَدَّمُ عن وقتِ الحاجَةِ إليه لمَصْلَحَةٍ، وهو كَوْنُه على وُضُوءٍ، رُبَّما يَحْتاجُ إلى صلاةِ النّافِلَةِ. فصل: إذا أرادَ أن يَبُولَ في المسجدِ في طَسْتٍ، لم يُبَحْ له ذلك؛ لأنَّ المَساجِدَ لم تُبْنَ لهذا، وهو ممّا يَقْبُحُ ويَفْحُشُ ويُسْتَخَفُّ به، فوَجَبَ صِيانَةُ المَسْجِدِ عنه، كما لو أرادَ أن يَبُولَ في أرْضِه ثم يَغْسِلَه،
وإن أرادَ الفَصْدَ والحِجامَةَ فيه، فكذلك. ذَكَرَه القاضِى؛ لأنَّه إِراقَةُ نَجاسَةٍ في المَسْجِدِ، فَأشْبَهَ البَوْلَ فيه.
وإن دَعَتْ إليه حاجَةٌ كَبِيرَةٌ خرَج مِن المَسْجِدِ ففَعَلَه.
وإنِ اسْتَغْنَى [عنه، لم يَكُنْ] له الخُرُوجُ إليه، كالمرضِ الذي يُمْكِنُ احْتِمالُه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ الفَصْدُ في المَسْجِدِ في طَسْتٍ؛ بدَلِيلِ أنَّ المُسْتَحاضَةَ يَجُوزُ لها الاعْتِكافُ، ويَكُونُ تَحْتَها شئٌ يَقَعُ فيه الدَّمُ. قالت عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: اعْتَكَفَتْ مع رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - امرأةٌ مِن أزْواجِه مُسْتَحاضَةٌ، فكانت تَرَى الحُمْرَةَ والصُّفْرَةَ، ورُبَّما وَضَعْنا الطَّسْتَ تَحْتَها وهي تُصَلِّى. رَواه البخاريُّ . والأوَّلُ أوْلَى، والفَرْقُ بينَهما أنَّ المُسْتَحاضَةَ لا يُمْكِنُها التَّحَرُّزُ مِن ذلك إلَّا بتَرْكِ الاعْتِكافِ،
بخِلافِ الفَصْدِ. واللهُ أعلمُ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ) كَالصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -، (وَاجْتِنَابِ مَا لَا يَعْنِيهِ) مِنَ الْجِدَالِ، وَالْمِرَاءِ، وَكَثْرَةِ الْكَلَامِ، وَالسِّبَابِ، وَالْفُحْشِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» وَلِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ، فَفِيهِ أَوْلَى، وَلَيْسَ الصَّمْتُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ. وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُهُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الصَّمْتُ إِلَى اللَّيْلِ،
فَإِنْ نَذَرَهُ لَمْ يَفِ بِهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ بَدَلًا مِنَ الْكَلَامِ ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ كَتَوَسُّدِ الْمُصْحَفِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الرِّعَايَةِ " بِالْكَرَاهَةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِنْ قَالَ: عِنْدَ مَا أَهَمَّهُ {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} فَحَسَنٌ
ويُسْتَحَبُّ للمُعْتَكِفِ التَّشاغُلُ بفعْلِ القُرَب، واجْتِنابُ ما لا يَعْنِيه. مِن جِدَالٍ ومِراءٍ، وكثْرَةِ كلامٍ ونحوِه. قال المُصَنِّفُ: لأنَّه مكْرُوهٌ فى غيرِ الاعْتِكافِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ففيه أوْلَى. وله أنْ يتَحدَّثَ مع مَن يأْتِيه ما لم يُكْثِرْ، ولا بأْسَ أنْ يأْمُرَ بما يُريدُ خَفِيفًا لا يشْغَلُه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحداهما، ليس الصَّمْتُ مِن شريعَةِ الإِسْلامِ. قال ابنُ عَقيلٍ: يُكْرَهُ الصَّمْتُ إلى اللَّيْلِ. قال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، والمَجْدُ فى «شَرْحِه»: وظاهِرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأخْبارِ تحْرِيمُه. وجزَم به فى «الكَافِى»،
وإنْ نذَرَه لم يَفِ به. الثَّانيةُ، لا يجوزُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنْ يَجْعَلَ القُرآنَ بَدلًا عنِ الكلام. ذكرَه ابنُ عَقِيلٍ، وتَبِعَه غيرُه. وجزَم فى «التَّلْخِيصِ»، و «الرَّعايَةِ»، أَنَّه يُكْرَهُ ولا يَحْرُمُ.
وقال الشَّيْخُ تَقِى الدِّينِ: إنْ قرَأ عندَ الحُكْمِ الذى أُنزِلَ له، أو ما يُناسِبُه فحَسَنٌ، كقَوْلِه لمَن دَعاه لذَنْبٍ تابَ منه:{مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا}. وقوْلِه عندَ ما أهمَّه:{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}. وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْم، وَالْمُنَاظَرَةُ فِيهِ، إِلَّا عِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، إِذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.