وَإِنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا أَوِ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ بَيْتٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن حَمَل على رَأْسِه شَيْئًا، أو نَصَب حِيالَه ثَوْبًا، أو اسْتَظَلَّ بخَيْمَةٍ أو شَجَرَةٍ أو بَيْتٍ، فلا شئَ عليه) إذا حَمَل على رَأْسِه طَبَقًا أو مِكْتَلًا أو نحوَه، فلا فِدْيَةَ عليه. وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ.
وقال الشافعىُّ: عليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه سَتَرَه. ولَنا، أن هذا لا يُقْصَدُ به السِّتْرُ غَالِبًا، فلم تَجِبْ به الفِدْيَةُ، كما لو وَضَع يَدَيْه على رَأْسِه. وسَواءٌ قَصَد به السِّتْرَ أولم يَقْصِدْ؛ لأنَّ ما تَجِبُ به الفِدْيَةُ لا يَخْتَلِفُ بالقَصْدِ وعَدَمِه، فكذلك ما لا تَجِبُ به. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ وُجُوبَ الفِدْيَةِ إذا قَصَد به السِّتْرَ؛ لأنَّ الحِيَلَ لا تُحِيلُ الحُقُوقَ. ولأنَّه لو جَلَس عند العَطَّارِ لقَصْدِ شَمِّ إلطِّيب، وَجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ،
وإن لم يَقْصِدْ لم تَجِبْ، كذلك هذا.
وإن سَتَرَ رَأْسَه ببَدَنِه فلا شئَ عليه؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ السِّتْرَ ببَعْضِ بَدَنِه لا يَثْبُتُ لهْ حُكْمُ السِّتْرِ، ولذلك لو وَضَع يَدَه على فَرْجِه، لم تُجْزِئْه في السّتْرِ، ولأنَّ المُحْرِمَ مَأْمُورٌ بمَسْحِ رَأْسِه، وذلك يَكُونُ بوَضْعِ يَدِه عليه.
وإن طَلا رَأْسَه بغِسْلٍ أو صَمْغ؛ ليَجْتَمِعَ الشَّعَرُ وَيَتَلَبَّدَ فلا يَدْخُلُه الغُبارُ ولا يُصِيبُه الشَّعَثُ ولا يَقَعُ فيه الدَّبِيبُ، جاز، وهذا التَّلْبيدُ الذى جاء في حديثِ ابنِ عُمَرَ: رَأْيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُهِلُّ مُلَبِّدًا. مُتَّفَّقٌ عليه .
وإن كان في رَأْسِه طِيبٌ ممّا جَعَلَه فيه قبلَ الإِحْرامِ فلا بَأْسَ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ الله عنه، قال: كأنِّى أنْظُرُ إلى وَبِيصِ المِسْكِ في مَفْرِقِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُحْرِمٌ .
فصل: ولا بَأْسَ أن يَسْتَظِلَّ بالسَّقْفِ والحائِطِ والشَّجَرَةِ والخِباءِ،
وإن نَزَل تحتَ شَجَرَةٍ، وطَرَح عليها شَيْئًا يَسْتَظِلُّ به، فلا بَأْسَ به عندَ جَميعِ أهْلِ العِلْمِ، وقد صَحَّ به النَّقْلُ. قال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، في حديثِ حَجَّةِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: وأمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ، فَضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فنَزَلَ بها، حتى إذا زاغتِ الشمسُ. رَواه مسلمٌ . ولا بَأْسَ أن يَنْصُبَ حِيالَه ثَوْبًا يَقِيهِ الحَرَّ والبَرْدَ،
إمّا أن يُمْسِكَه إنْسانٌ، أو يَرْفَعَه على عودٍ، على نحوِ ما رُوِىَ في حديثِ أمِّ الحُصَيْنِ، أنَّ بِلالًا أو أُسامَةَ كان رافِعًا ثَوْبَه يَسْتُرُ به النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - . ولأنَّ ذلك لا يُقْصَدُ به الاسْتِدامَةُ، فلم يَكُنْ به بَأْسٌ، كالاسْتِظْلالِ بحائِطٍ.
١١٨٧ - مسألة: (وفى تَغْطِيَةِ الوَجْهِ رِوايَتان) إحْداهما، يُباحُ. رُوِىَ ذلك عن عُثْمانَ بنِ عفّانَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وزَيْدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وسَعْدِ بنِ أبِى وَقاصٍ، وجابِر، والقاسِمِ، وطاوُسٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ. والثّانِيَةُ، لا يُبَاحُ. وهو مَذْهَبُ أبِى حنيفةَ، ومالكٍ؛ لِما رُوِىَ عن [ابنِ عباسٍ]، أنَّ رجلًا وَقَع عن راحِلَتِه، فأقْعَصَتْهُ، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلَا رَأْسَه، فَإنَّهُ يُيْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلبِّيًا».
ولأَّنه مُحَرَّمٌ على المَرْأةِ، فَحُرِّمَ على الرجلِ، كالطِّيبِ. ولَنا، قولُ مَن ذَكَرْنا مِن الصَّحابَةِ، ولا نَعْرِفُ لهم مُخالفًا في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا،
ولما رُوِىَ عنه عليه السلامُ، أنَّه قال:«إحْرامُ الرَّجُلِ فِى رَأْسِه، وإحْرَامُ الْمَرْأةِ فِى وَجْهِهَا». وحديثُ ابنِ عباسٍ المَشْهُورُ فيه:«وَلَا تُخمِّرُوا رَأْسَهُ». هذا المُتَّفَقُ عليه، وقَوْلُه:«وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ». فقالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنِيه أبو بِشْرٍ، ثم سَأْلتُه عنه بعدَ عَشْرِ سِنين، فجاء بالحديثِ كما كان يُحَدِّثُ، إلَّا أنَّه قال:«وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ». ففى قَولِه دَلِيلٌ على أنَّه ضَعَّفَ هذه الزِّيادَةَ. وقد رُوِىَ في بعضِ ألْفاظِه:«خَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ». فتَعَارَضَ الرِّوايتان، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بلُبْسِ القُفّازَيْن. ١١٨٨ -
(وَإِنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا) وَكَسَتْرِهِ بِيَدِهِ، وَلَا أَثَرَ لِلْقَصْدِ، وَعَدَمِهِ فِيمَا فِيهِ فِدْيَةٌ،
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ قَصَدَ بِهِ السَّتْرَ فَدَى كَجُلُوسِهِ عِنْدَ عَطَّارٍ لِقَصْدِ شَمِّ الطِّيبِ،
فَلَوْ لَبَّدَهُ بِغُسْلٍ أَوْ صَمْغٍ وَنَحْوِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ غُبَارٌ، وَلَا دَبِيبٌ جَازَ لِلْخَبَرِ (أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ «حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ بِلَالًا، وَأُسَامَةَ وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَجَابَ أَحْمَدُ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ - بِأَنَّهُ يَسِيرٌ لَا يُرَادُ لِلِاسْتِدَامَةِ
بِخِلَافِ الِاسْتِظْلَالِ بِالْمَحْمَلِ زَادَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَوْ كَانَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ بِهِ عُذْرٌ وَفَدَى أَوْ لَمْ يَعْمَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ (أَوِ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ بَيْتٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الرَّفَهُ فِي الْبَدَنِ عَادَةً، بَلْ جَمْعُ الرَّحْلِ، وَحِفْظُهُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، (وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: تَجُوزُ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ سُنَّةُ التَّقْصِيرِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُرْمَةُ التَّخْمِيرِ كَسَائِرِ بَدَنِهِ، وَالثَّانِيَةُ - وَنَقَلَهَا الْأَكْثَرُ - لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَيَكُونُ كَالرَّأْسِ. [الْفَصْلُ الرَّابِعُ: لُبْسُ الْمَخِيطِ وَالْخُفَّيْنِ] فصل
وإنْ حمَل على رَأْسِه شيئًا، أو نصَب حيالَه ثوبًا، أو اسْتَظَلَّ بخَيْمَةٍ أو شَجَرَةٍ أو بَيْتٍ، فلا شئَ عليه.
ولو قصَد به السِّتْرَ. ولم يَسْتَثْنِ ابنُ عَقِيلٍ، إذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حمَل على رأْسِه شيئًا وقصَد السِّتْرَ به ممَّا تجِبُ فيه الفِدْيَةُ. وَفِى تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ. وفى تَغْطِيَةِ الوَجْهِ رِوايَتان. وأطْلَقهما فى «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الهَادِى»، و «التَّلْخِيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفُروعِ»، و «الفَائقِ»؛ إحداهما، يُباحُ، ولا فِدْيَةَ عليه. هذا الصَّحِيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قالَه فى «الفُروعِ».
قلتُ: منهم القاضى فى «تَعْلِيقِه»، و «جَامِعِه»، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ عَبْدُوس فى «تَذْكِرَتِه». قال فى «الرِّعايَةِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجَوازُ أصحُّ. وصحَّحَه فى «الفُصُولِ»، و «التَّصْحِيحِ»، و «تَمامِ أبِى الحُسَيْنِ»، و «تَصْحِيحِ المُحَرَّرِ». وجزَم به فى «الوَجِيزِ»، و «عُقُودِ ابنِ البَنَّا»، وغيرِهما. وهو ظاهِرُ ما جزَم به فى «العُمْدَةِ»، و «المَذْهَبِ الأَحْمَدِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، و «تَجْرِيدِ العِنَايَةِ»، وغيرِهم؛ لاقْتِصارِهم على المَنْعِ مِن تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ. وقدَّمه فى «الكَافِى»، وابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»، و «إدْرَاكِ الغَايَةِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يجوزُ، وعليه الفِدْيَة بتَغْطِيَتِه. نقَلَها الأكثرُ فَصْلٌ: الرَّابعُ، لُبْسُ الْمَخِيطِ وَالْخُفَّيْنِ، عنِ الإمام أحمدَ. وقدَّمه فى «المُبْهِجِ».
قال: (وإن حمل على رأسه شيئاً أو نصب حياله ثوباً أو استظل بخيمة أو شجرة أو بيت فلا شيء عليه) .
أما عدم وجوب شيء في جميع ما ذكر فلأنه يباح فعله،
والفدية لا تجب بفعل المباح: أما إباحة الحمْل على رأسه فلأنه لا يقصد به الترفه فأبيح كالأكل.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
وأما إباحة نصب شيء حياله فلما روت أم الحصين قالت:«حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة» رواه مسلم.
وأما إباحة الاستظلال بخيمة فلما روى جابر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربت له قبة من شعر بنَمِرَة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس» مختصر. رواه مسلم.
وأما إباحة الاستظلال بشجرة أو بيت فلأن ذلك في معنى الخيمة.
قال: (وفي تغطية الوجه روايتان) .
أما جواز تغطية الوجه على روايةٍ فـ «لأن عثمان وسعداً وعبدالرحمن بن عوف وزيد بن ثابت أجازوه».
وأما عدم جوازها على روايةٍ فلأن في بعض ألفاظ حديث ابن عباس في الميت المحرم:«ولا تخمروا وجهه ولا رأسه» متفق عليه. فعلى الأولى: لا فدية عليه؛ لأنه مباح.
وعلى الثانية: عليه الفدية؛ لأنه فَعَل ما منع من فعله قصداً للترفه أشبه تغطية الرأس.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.