وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، أَوْ فَضَّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ؛ لَمْ يَجُزْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (وإذا قال الإِمامُ: مَن أخَذَ شيئًا فهو له. أو فَضَّلَ بعضَ الغانِمِينَ على بعضٍ، لم يَجُزْ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، ويَجُوزُ في الأُخرَى) إذا قال الإِمامُ: مَن أخَذَ شيئًا فهو له. جازَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. وبه قال أبو حنيفةَ. وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ. قال أحمدُ -في السَّرِيَّةِ تَخْرُجُ فيقولُ الوالِى: مَن جاءَ بشئٍ فهو له،
ومَن لم يجِئْ بشئٍ فلا شئَ له-: الأنْفالُ إلى الإِمامِ، ما فَعَل مِن شئٍ جازَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-،
قال في يومِ بَدْرٍ:«مَنْ أخَذَ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ». ولأنَّهم على هذا غَزَوْا ورَضُوا به. والثانيةُ، لا يَجُوزُ. وهو القولُ الثَّانِى للشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقْسِمُ الغنائِمَ والخُلَفَاءُ بعدَه، ولأنَّ ذلك يُفْضِى إلى اشْتِغالِهم بالنَّهْبِ عن القِتالِ، وظَفَرِ العَدُوِّ بهم، فلا يَجُوزُ، ولأنَّ الاغْتِنامَ سَببٌ لاسْتِحْقاقِهم لها على سَبِيلِ التَّساوِى، فلا يَزُولُ ذلك بقولِ الإِمامِ، كسائِرِ الاكْتِسابِ.
فأمّا قَضِيَّةُ بَدْرٍ، فإنَّها مَنْسُوخَةٌ، فإنَّهم اخْتَلَفُوا فيها، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} الآية.
فصل: فأمّا تَفْضِيلُ بعضِ الغانِمِين على بعضٍ،
فإن كان على سَبيلِ النَّفَلِ لبعضِهم زِيادَةً على سَهْمِه، فقد ذَكَرْناه في الأنْفالِ،
فأمَّا غيرُ ذلك، فلا يَجُوزُ، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم للفارِسِ ثلاثَةَ أسْهُمٍ، وللرّاجِلِ سَهْمًا، وسَوَّى بينَهم. ولأنَّهم اشْتَرَكُوا في الغَنِيمَةِ على سبيلِ التَّسْوِيَةِ، فتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بينَهم، كسائِرِ الشُّرَكاءِ، ولأنَّه يُفْضِى إلى إيقاعِ العَداوَةِ بينَهم، وإفْسادِ قُلُوبِهم.
١٤٦٠ -
(وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، أَوْ فَضَّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ؛ لَمْ يَجُزْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) . جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يُقَسِّمُونَ الْغَنَائِمَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى اشْتِغَالِهِمْ بِالنَّهْبِ عَنِ الْقِتَالِ، وَظَفَرِ الْعَدُوِّ بِهِمْ، وَلِأَنَّ الْغُزَاةَ اشْتَرَكُوا فِي الْغَنِيمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّسْوِيَةِ، فَيَجِبُ كَسَائِرِ الشُّرَكَاءِ؛ وَحِينَئِذٍ لَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَخَذَهُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإذا قال الإِمامُ: مَن أخَذ شيئًا فهو له. أو فضَّل بعضَ الغانِمِين على بعْضٍ، لم يَجُزْ، فى إحْدَى الرِّوايتَيْن. إذا قال الإِمامُ: مَن أخذَ شيئًا فهو له. ففى جَوازِه رِوايَتان. وأطْلقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»؛ إحْداهما، لا يجوزُ مُطْلَقًا. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، وابنُ مُنَجَّى فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . .
«شَرْحِه». وجزَم به فى «الوَجيزِ». والثَّانيةُ، يجوزُ مُطْلَقًا.
وقيل: يجوزُ لمَصْلَحَةٍ، وإلَّا فلا. وصحَّحه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». وحَكَياه رِوايَةً.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. ونقَل أبو طالِبٍ وغيرُه، إنْ بَقِىَ ما لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى، فهو لمَن أخَذَه.
فائدة: لو ترَك صاحِبُ المَقْسَمِ شيئًا مِنَ الغَنِيمَةِ عجْزًا عن حَمْلِه، فقال الإِمامُ: مَن أخَذ شيئًا فهو له. فهو لمَن أخَذَه. نصَّ عليه أحمدُ. وسُئِلَ عن قَوْمٍ غَنِمُوا غَنائمَ كثيرةً، فيَبْقَى جُزْءٌ مِنَ المَتاعِ ممَّا لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى، فيدَعُه الوَالِى -بمَنْزِلَةِ الفَخَّارِ وما أشْبَهَه- أيَأْخُذُه الإِنْسانُ لنَفْسِه؟ قال: نعم، إذا تُرِكَ ولم يُشْتَر. ونقَل أبو طالِبٍ فى المَتاعِ لا يقْدِرُون على حَمْلِه، إذا حمَلَه يُقْسَمُ. قال الخَلَّالُ: لا شَكَّ أنَّ أحمدَ قال هذا أولًا، ثم تبَيَّنَ له بعدَ ذلك أنَّ للإمامِ أنْ يُبِيحَه.
الثَّانيةُ، لو أخَذ ما لا قِيمَةَ له فى أرْضِهم، كالمِسَنِّ، والأقْلامِ، والأدْوِيَةِ، كان له، وهو أحَقُّ به،
وإنْ صارَتْ له قِيمَة بمُعَالجَتِه أو نقْلِه. نصَّ أحمدُ على نحوِه. وقالَه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وتقدَّم بعضُ ذلك فى آخِرِ البابِ الذى وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلْجِهَادِ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ، قبلَه، فى جَوازِ الأكْلِ.
وأمَّا إذا فضَّل بعضَ الغانِمِين على بعضٍ، فأطْلَقَ المُصَنِّفُ فى جَوازِه رِوايتَيْن. وأطْلقَهما ابنُ مُنَجَّى فى «شَرحِه». ومحَلُّهما إذا كان لمَعْنًى فى المُعْطى، كالشَّجاعَةِ ونحوِها،
فإنْ كان لا لمَعْنًى فيه، لم يَجُزْ، قوْلًا واحدًا،
وإنْ كانَ لمَعْنًى فيه ولم يشْرُطْه -وهى مسْألَةُ المُصَنِّفِ- فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، جَوازُ ذلك. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «الشَّرْحِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يجوزُ. جزَم به فى «الوَجيزِ». وصحَّحَه فى «التَّصْحيحِ». وتقدَّم التَّنْبِيهُ على ذلك فى البابِ الذى قبلَه، عندَ ذِكْرِ النَّفَلِ.
قال: (وإذا قال الإمام: من أخذ شيئاً فهو له، أو فَضّل بعض الغانمين على بعض لم يجز في إحدى الروايتين، ويجوز في الأخرى) .
أما كون الإمام إذا قال: من أخذ شيئاً فهو له ونحو ذلك لا يجوز في روايةٍ فلما فيه من المحذور الآتي ذكره.
وأما كونه يجوز في رواية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر:«من أخذ شيئاً فهو له».
ولأنهم غزوا على ذلك ورضوا به.
والرواية الأولى أصح؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم والخلفاء بعده».
ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال، وظفرِ العدو بهم فلا يجوز.
وقضية بدر منسوخة بقوله تعالى:{يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول}.
وأما كونه إذا فضّل بعض الغانمين على بعض لا يجوز في روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً».
ولأنهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية فتجب التسوية بينهم كسائر الشركاء.
وأما كونه يجوز في روايةٍ فلأن الإمام يجوز له أن ينفل ويعطي السلب فجاز أن يفضل بعضهم على بعض قياساً عليهما.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.