وَعَنْهُ: تَدْخُلُ وَإِنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ
الشروح عليها
(وعنه، يَدْخُلُ) وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأَنَّ «إلى» تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى «مع»، كقَوْلِه تَعالَى:{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}. {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}. والخِيَارُ ثابِتٌ بيَقِينٍ، فلا نُزِيلُه بالشَّكِّ. ولَنا، أنَّ مَوْضُوعَ «إلى» لانْتِهاءِ الغايَةِ، فلا يَدْخُلُ ما بَعْدَها فيما قَبْلَهَا، كقَوْلِه تَعالَى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}. وكالأَجَلِ. وليس، ههُنا شَكٌّ،
فإنَّ الأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ على مَوْضُوعِه، فكأَنَّ الواضِعَ قال: مَتَى سَمِعْتُم هذه اللَّفْظَةَ، فافْهَمُوا منها انْتِهاءَ الغَايَةِ. وفيما اسْتَشْهَدُوا به حُمِلَتْ «إلى» على مَعْنَى «مع» بدَلِيلٍ، أو لِتَعَذُّرِ حَمْلِها على مَوْضُوعِها. ولأَنَّ الأَصْلَ لزومُ العَقْدِ، وِإنَّما خُولِفَ فيما اقْتَضَاهُ الشَّرْطُ، فيَثْبُتُ ما يُتَيَقَّنُ منه، وما شَكَكْنَا فيه رَدَدْنَاهُ إلى الأصْلِ.
فصل: وإنْ شَرَطَ الخِيارَ إلى طُلوعِ الشَّمْسِ، أو إلى غُروبِها، صَحَّ.
وقال بعضُ أَهْلِ العِلْمِ: لا يَصِحُّ تَوْقِيتُه بطُلُوعِها؛ لأنَّها قد تَتَغَيَّمُ، فلا يُعْلَمُ وَقْتُ طُلُوعِها. ولَنا، أنَّه تَعْلِيقٌ للخِيارِ بأمْرٍ ظاهِرٍ مَعْلومٍ، فصَحَّ، كتَعْلِيقِه بغُرُوبِها. وطُلُوعُ الشَّمْسِ بُروزُها مِن الأفُقِ، كما أنَّ غُروبَها سُقُوطُ القُرْصِ. ولذلك لو عَلَّقَ طَلاقَ امْرأَته، أو عِتقَ عَبْدِه بطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَعَ بِبُروزِها مِن الأُفُقِ.
وإنْ عَرَضَ غَيْمٌ يَمْنَعُ المَعْرِفَةَ بطُلُوعِها، [فالخِيارُ ثابِتٌ، حتى يَتَيقَّنَ طُلُوعَها]، كما لو عَلَّقَه بغُرُوبِها، فمَنَعَ الغَيْمُ المَعْرِفَةَ بوَقْتِه.
ولو جَعَلَ الخِيارَ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن تحتِ السَّحَابِ، أو إلى غَيْبَتِها تَحْتَه، كان خِيارًا مَجْهُولًا.
١٦٠٦ - مسألة: (وإنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً، فابْتِداؤُها مِن حينِ العَقْدِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مِن حِينِ التَّفَرُّقِ) إذا شَرَطَ الخِيارَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، اعْتَبَرْنَا مُدَّةَ الخِيارِ مِن حينِ العَقْدِ، في أظْهَرِ الوَجْهَينِ. والآخَرُ مِن حينِ التَّفَرُّقِ؛ لأنَّ الخِيارَ ثابِتٌ في المَجْلِسِ حُكْمًا ، فلا حاجَةَ إلى إثْبَاتِه بالشَّرْطِ، ولأنَّ حالةَ المَجْلِسِ كحَالةِ العَقْدِ؛ لأنَّ لهما فيه الزِّيادَةَ والنُّقْصَانَ، فكان كحَالةِ العَقْدِ في ابْتِداءِ مُدَّةِ الخِيارِ بعدَ انْقِضَائِه. والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّها مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بالعَقْدِ، فأَشْبَهَتِ الأجَلَ، ولأنَّ الاشْتِراطَ سَبَبُ ثُبوتِ الْخِيارِ، فيَجِبُ أنْ يَتَعَقَّبَه حُكْمُه، كالْمِلْكِ في البَيعِ.
ولأنَّنا لو جَعَلْنَا ابْتِداءَها مِن حينِ التَّفَرُّقِ، أدَّى إلى جَهالتِه؛ لأنّا لا نَعْلَمُ متى يَتَفَرَّقَانِ، فلا نَعْلَمُ مَتَى ابْتِداؤُه، ولا وَقْتَ انْتِهائِه. ولا يُمْنَعُ ثُبوتُ الحُكْمِ بسَبَبَينِ، كتَحْرِيمِ الوَطْءِ بالصِّيامِ والإِحْرَامِ. فعلى هذا، لو شَرَطَ ابْتِداءَه مِن حينِ التَّفَرُّقِ، لم يَصِحَّ، إلَّا على قَوْلِنا بصِحَّةِ الخِيارِ المَجْهُولِ.
وإنْ قُلْنَا: ابْتِداؤُه مِن حينِ التَّفَرُّقِ. فشَرَط ثُبوتَه مِن حينِ العَقْدِ، صَحَّ؛ لأنَّه مَعْلُومُ الابتِداءِ والانْتِهاءِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَصِحَّ؛ لأنَّ خِيارَ المَجْلِسِ يُغْنِي عن خيارٍ آخَرَ، فيَمْنَع ثُبُوتَه. والأوَّلُ أوْلَى. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ في هذا الفَصْلِ على ما ذَكَرْنَا.
١٦٠٧ - مسألة: (وإنْ شَرَطَ الخِيَارَ لغَيرِه، جَازَ، وكان تَوْكِيلًا له فيه) إذا شَرَطَ الخِيَارَ لأجْنَبِيٍّ، صَحَّ، وكان اشْتِرَاطًا لنَفْسِه، وتَوْكِيلًا لغَيرِه فيه. وهذا قوْلُ أبي حَنِيفةَ، ومالِكٍ. وللشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ. وهو قَوْلُ القاضِي إذا أطْلَقَ الخِيارَ لفُلَانٍ، أو قال: لفُلَانٍ دُونِي. لأنَّ الخِيارَ شُرِعَ لتَحْصِيلِ الحَظِّ لكُلِّ واحِدٍ مِن المُتَعَاقِدَينِ بنَظَرِه، فلا يكونُ لمن لا حَظَّ له.
وإنْ جَعَلَ الأجْنَبِيَّ وَكِيلًا، صَحَّ. ولَنا، أنَّ الخِيارَ يَعْتَمِدُ شَرْطَهُمَا، ويُفَوَّضُ إلَيهما، وقد أمْكَنَ تَصْحِيحُ شَرْطِهما وتَنْفِيذُ تَصَرُّفِهما على الوَجْهِ الذي ذَكَرْنَاهُ، فلا يَجُوزُ إلْغاوه مع إمْكَانِ تَصْحِيحِه؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهم». فعلى هذا، يكونُ لكُلِّ واحِدٍ مِن المُشْتَرِطِ وَوَكِيلِه الذي شَرَطَ له الخِيارَ، الفَسْخُ.
ولو كانَ المَبِيعُ عَبْدًا، فشَرَطَ الخِيارَ له، صَحَّ، سواءٌ شَرَطَه له البائِعُ أو المشتَرِى؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الأجْنَبِيِّ.
وإن كان العاقِدُ وَكِيلًا، فشَرَطَ الخِيارَ لنَفْسِه، صَحَّ،
فإنَّ النَّظَرَ في تَحْصِيلِ الحَظِّ مُفَوَّضٌ إليه.
وإنْ شَرَطَه للمَالِكِ، صَحَّ؛ لأنَّه المالِكُ والحَظُّ له.
وإنْ شَرَطَهُ لأجْنَبِيٍّ، انْبَنَى على الرِّوَايَتَينِ في صِحَّةِ تَوْكِيلِ الوَكِيلِ.
فصل: ولو قال: بعْتُكَ على أنْ أسْتَأمِرَ فُلانًا. و حَدَّ ذلك بوَقْتٍ مَعْلومٍ، فهو خِيارٌ صَحِيحٌ، وله الفَسْخُ قبل أن يَسْتَأمِرَ، لأنَّا جَعَلنَا ذلك كِنَايَةً عن الخِيارِ. وهذا قَوْلُ. بَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ.
وإنْ لم يَضْبِطْه بمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فهو خِيارٌ مَجْهُولٌ، فيه من الخِلافِ ما ذَكَرْنَاهُ. ١٦٠٨ -
(وَعَنْهُ: تَدْخُلُ) لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى " مَعَ " فَعَلَيْهَا لَا يَسْقُطُ الْخِيَارُ إِلَّا بِآخِرِ الْغَدِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى الْمَعِيَّةِ
إِمَّا لِدَلِيلٍ أَوْ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ، وَإِلَى الظُّهْرِ إِلَى الزَّوَالِ كَالْغَدِ وَالْعَشِيِّ وَالْعَشِيَّةِ مِنَ الزَّوَالِ، وَذَكَرَهُمَا الْجَوْهَرِيُّ مِنَ الْغُرُوبِ إِلَى الْعَتْمَةِ كَالْعِشَاءِ،
وَإِنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّ الْعِشَاءَ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْمَسَاءَ وَالْغَبُوقَ مِنَ الْغُرُوبِ وَالْغَدْوَةِ وَالْغَدَاةِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ كَالصَّبُوحِ، وَالْآصَالِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ.
فَائِدَةٌ: يُقَالُ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الزَّوَالِ: أَصْبَحَ عِنْدَكَ فُلَانٌ،
وَمِنَ الزَّوَالِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ: أَمْسَى عِنْدَكَ، وَالصَّبَاحُ خِلَافُ الْمَسَاءِ، وَالْإِصْبَاحُ نَقِيضُ الْإِمْسَاءِ (وَإِنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ كَالْأَجَلِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ) وَهُوَ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي الْمَجْلِسِ حُكْمًا، فَلَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِهِ بِالشَّرْطِ، وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ لَهُمَا فيه الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وصحح فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْأَوَّلِ؛
لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ حُكْمُهُ كَالْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ مَعَ أَنَّهَا لَوْ جُعِلَتْ مِنَ التَّفَرُّقِ لَأَدَّى إِلَى جَهَالَتِهَا، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ بشيئين غير مُمْتَنِعٌ كَالْوَطْءِ يَحْرُمُ بِالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَرَطَاهُ سَنَةً فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ اسْتَوْفَى شَهْرٌ بِالْعَدَدِ وَبَاقِيهَا بِالْأَهِلَّةِ،
وَعَنْهُ: يسْتَوْفي الْكُلُّ بِالْعَدَدِ، كَمَا يَأْتِي فِيمَا إِذَا عَلَّقَ بِالْأَشْهُرِ مِنْ إِجَارَةٍ وَعِدَّةٍ وَصَوْمِ كَفَّارَةٍ،
وَإِنْ شَرَطَاهُ شَهْرًا يَوْمًا يَثْبُتُ، وَيَوْمًا لَا، فَثَالِثُهَا كَابْنِ عَقِيلٍ: يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، لِإِمْكَانِهِ
وَيَبْطُلُ فِيمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَزِمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي: لَمْ يَعُدْ إِلَى الْجَوَازِ.
١ -
وإنْ شَرَطاهُ مُدَّةً، فابْتِداوها مِن حينِ العَقْدِ. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ.
الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وصحَّحَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما. ويحْتَمِلُ أن يكونَ مِن حينِ التَّفَرُّقِ. وهو وَجْهٌ. وجزَم به في «نِهايَةِ ابنَ رَزِينٍ»، و «نَظْمِها»، وجزَم به ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «الحاويَين».
فائدة: فلو قُلْنا: مِن حينِ العَقْدِ. فصَرَّحا باشْتِراطِه مِن حينِ التَّفَرُّقِ، أو بالعَكْسِ، ففي صِحَّةِ ذلك وَجْهانِ؛ أظْهَرُهما، بُطْلانُه في القِسْمِ الأوَّلِ، وصِحَّتُه وَإنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيرِهِ، جَازَ، وَكَانَ تَوْكِيلًا لَهُ فِيهِ.
في الثَّانِي. قاله في «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهما.
وقال في «الرِّعايَةِ»: قلتُ: إنْ عُلِمَ وَقْتُ التَّفَرُّقِ، فهو أوَّلُ خِيارِ الشَّرْطِ،
وإنْ جُهِلَ، فمِنَ العَقْدِ، ولا يصِحُّ شَرْطُ عكْسِها إلَّا أنْ يصِحَّ.
قال: (وإن شرطاه مدة فابتداؤها من حين العقد، ويحتمل أن يكون من حين التفرق) .
أما كون ابتداء المدة المشروطة من حين العقد على المذهب؛ فلأن الخيار مدة ملحقة من حين العقد فكان ابتداؤها من حين العقد كالأجل.
وأما كونه يحتمل أن يكون من حين التفرق؛ فلأن الخيار ثابت في المجلس حكماً فلا معنى لإثباته بالشرط.
ولأن حالة المجلس كحالة العقد لأن لهما فيه الزيادة والنقصان.
والأول أصح. قاله المصنف في المغني لما ذكر.
ولأن الاشتراط سبب ثبوت الخيار فوجب أن يتعقبه حكمه كالملك في المبيع.
ولأن المدة لو جعلت من التفرق لأدى إلى جهالتها لأنه لا يعلم متى ابتداؤها فلا يعلم انتهاؤها. وثبوت الحكم لسببين لا يمتنع كالوطء يَحْرم بالصيام والإحرام.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.