وَالثَّانِيَةُ: فِي النَّجْشِ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيُغِرَّ الْمُشْتَرِيَ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا غُبِنَ الثَّالِثَةُ: الْمُسْتَرْسِلُ إِذَا غَبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ
الشروح عليها
مسألة: (الثانِيَةُ، النَّجْشُ؛ وهو أنْ يَزِيدَ في السِّلْعَةِ مَن لا (١) يُرِيدُ شِراءَها؛ ليَغُرَّ المُشْتَرِيَ. فله الخِيَارُ إذا غُبِنَ) النَّجْشُ حَرامٌ وخِدَاعٌ. قال البُخَارِيُّ : النّاجِشُ آكِلُ رِبًا خائِنٌ، وهو خِدَاعٌ باطِلٌ لا يَحِلُّ. لِما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن النَّجْشِ. مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّ في ذلك تَغْرِيرًا بالمُشْتَرِي وخَدِيعَةً له، وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قَال:«الْخَدِيعَةُ في النّارِ».
فإنِ اشْتَرَى مع النَّجْشِ، فالشِّرَاءُ صَحِيحٌ، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ، منهم الشّافِعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وعن أحمدَ، أنَّ البَيعَ باطِلٌ. اخْتَارَه أبو بكْرٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفَسَادَ. ولَنا، أنَّ النَّهْيَ عادَ إلى النّاجِشِ، لا إلى العاقِدِ، فلم يُؤثِّرْ في البَيعِ. ولأنَّ النَّهْيَ لحَق آدَمِيٍّ، فلم يَفْسُدِ العَقْدُ، كبَيعِ المُدَلِّسِ. وفارَق ما كانَ لحَقِّ الله تعالى،
فإنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ يُمْكِنُ جَبْرُه بالخِيارِ، أو زِيَادَةٍ في الثَّمَنِ، لكنْ إنْ كان في البَيعِ غَبْنٌ لم تَجْرِ العادَةُ بمِثْلِه، فللمُشْتَرِي الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ، كما في تَلَقِّي الرُّكْبانِ.
فإنْ كان يُتَغَابَنُ بمِثْلِه، فلا خِيارَ له. وسواءٌ كان النَّجْشُ بمُواطَأَةٍ مِن البائِعِ، أو لم يَكُنْ.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: إنْ لم يكُنْ ذلك بمُواطَأةٍ مِن البائِعِ وعِلْمِه، فلا خِيارَ. واخْتَلَفُوا فيما إذا كانَ بمُوَاطَأَةٍ منه، فقال بَعْضُهم: لا خِيَارَ للمُشْتَرِي، لان التَّفْرِيطَ منه، حيث اشْتَرَى ما لا يَعْرِفُ قِيمَتَه. ولَنا، أنَّه تَغْرِيرٌ بالعاقِدِ،
فإذا غُبِنَ ثَبَتَ له الخِيَارُ، كما في تَلَقِّي الرُّكْبانِ، وبذلك يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
ولو قال البائِعُ: أُعْطِيتُ بهذه السِّلْعَةِ ما لم يُعْطِ. فَصَدَّقَه المُشْتَرِي، ثم بان كاذِبًا، فالبَيعُ صَحِيحٌ، وللمُشْتَرِي الخيارُ أيضًا؛ لأنَّه في مَعْنَى النَّجْشِ.
١٦٢٢ - مسألة: (الثالِثَةُ، المُسْتَرْسِلُ، إذا غُبِنَ الغَبْنَ المَذْكُورَ) يَعْنِي إذا غُبِنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ -كما ذَكَرْنا في تَلَقِّي الرُّكْبانِ والنَّجْشِ- يُثْبِتُ له الخِيارَ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ. وبه قال مالِكٌ.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: وقد قيلَ: قد لَزِمَهُ البَيعُ، ولا فَسْخَ له. وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ؛ لأنَّ نُقْصَانَ قِيمَةِ السِّلْعَةِ مع سَلَامَتِها لا يَمْنَعُ لُزُومَ العَقْدِ، كغَيرِ المُسْتَرْسِلِ، وكالغَبْنِ اليَسِيرِ. ولَنا، أنَّه غَبْنٌ حَصَلَ لجَهْلِه بالمَبِيعِ، فأَثبَتَ الخِيارَ، كالغَبْنِ في تَلَقِّي الرُّكْبَانِ،
فأمّا غيرُ المُسْتَرْسِلِ، فإنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ بالغَبْنِ، فهو كالعالِمِ بالعَيبِ،
وكذا لو اسْتَعْجَلَ فجَهِلَ ما لو تَثَبَّتَ لَعَلِمَه، لم يكُنْ له خِيارٌ؛ لأنَّه انْبَنَى على تَفْرِيطِه وتَقْصِيرِه. والمُسْتَرْسِلُ هو الجاهِلُ بقيمَةِ السِّلْعَةِ، ولا يُحْسِنُ المُبايَعَةَ. قال أحمدُ: المُسْتَرْسِلُ الذي لا يُحْسِنُ أنْ يُماكِسَ.
وفي لَفْظٍ: الذي لا يُماكِسُ. فكَأنَّه اسْتَرْسَلَ إلى البَائِعِ، فأَخذَ ما أعْطَاهُ مِن غيرِ مُمَاكَسَةٍ، ولا مَعْرِفَةٍ بغَبْنِه. ولا تَحْدِيدَ للغَبْنِ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ. وحدَّه أبو بكْرٍ في «التَّنْبِيهِ»، وابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ» بالثُّلُثِ. وهو قولُ مالِكٍ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «والثُّلُثُ كَثِيرٌ».
وقيل: السُّدْسُ. والأوْلَى تَحْدِيدُه بما لا يَتَغابَنُ النّاسُ به في العادَةِ؛ لأنَّ ما لا يَرِدُ الشَّرْعُ بتَحْدِيدِه يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ.
(وَالثَّانِيَةُ: فِي النَّجْشِ) وَهُوَ بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ثم فسره بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيُغِرَّ الْمُشْتَرِيَ) قَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: هُوَ خِدَاعٌ حَرَامٌ،
وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَذْقِ الَّذِي زَادَ فِيهَا؛ لِأَنَّ تَغْرِيرَ الْمُشْتَرِي لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ،
وَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا، فَلَوْ كَانَ عَارِفًا وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ لِعَجَلَتِهِ وَعَدَمِ تَأَمُّلِهِ (فَلَهُ الْخِيَارُ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَعُودُ إِلَى النَّاجِشِ لَا إِلَى الْعَاقِدِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ كَبَيْعِ الْمُدَلِّسِ وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ،
وَظَاهِرُهُ يَثْبُتُ سَوَاءً كَانَ مُوَاطَأَةً مِنَ الْبَائِعِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ،
وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُوَاطَأَةً مِنَ الْبَائِعِ،
وَعَنْهُ: يَقَعُ لَازِمًا، فَلَا فَسْخَ مِنْ غَيْرِ رِضًى، ذَكَرَهَا فِي " الِانْتِصَارِ "،
وَلَوْ أَخْبَرَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ بَانَ كَاذِبًا ثَبَتَ الْخِيَارُ،
وَفِي الْإِيضَاحِ يَبْطُلُ مَعَ عِلْمِهِ (إِذَا غُبِنَ) كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، إِذْ أَصْلُ النَّجْشِ الِاسْتِتَارُ وَالِاسْتِخْرَاجُ، وَمِنْهُ سُمِّي الصَّائِدُ نَاجِشًا لِاسْتِخْرَاجِهِ الصَّيْدَ مِنْ مَكَانِهِ، فَالزَّائِدُ فِيهَا اسْتُخْرِجَ مِنَ الْمُسْتَامِ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ مَا لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ،
وَقِيلَ: أَصْلُهُ: مَدْحُ الشَّيْءِ وَإِطْرَاؤُهُ، فَالنَّاجِشُ يَغُرُّ الْمُشْتَرِيَ بِمَدْحِهِ لِيَزِيدَ فِي الثَّمَنِ.
[الثَّالِثَةُ الْمُسْتَرْسِلُ] (الثَّالِثَةُ: الْمُسْتَرْسِلُ) وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنِ اسْتَرْسَلَ إِذَا اطْمَأَنَّ وَاسْتَأْنَسَ لُغَةً، وَفَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُمَاكِسُ، وَذَكَرَ الشَّيْخَانِ وَالْجَدُّ: هُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَلَا يُحْسِنُ الْمُبَايَعَةَ (إِذَا غَبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لِجَهْلِهِ بِالْبَيْعِ فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا سَبَقَ،
وَقِيلَ: يَقَعُ لَازِمًا؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْعَقْدِ كَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَرْسِلِ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِالْغَبْنِ كَالْعَالِمِ بِالْعَيْبِ وَكَالْمُسْتَعْجِلِ،
وَفِي الْمَذْهَبِ يَثْبُتُ إِذَا جَهِلَهَا،
وَعَنْهُ: وَلِمُسْتَرْسِلٍ مَعَ الْبَائِعِ لَمْ يُمَاكِسْهُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ الْمَذْهَبُ. قَالَ أَحْمَدُ: اشْتَرِ وَمَاكِسْ قَالَ: وَالْمُسَاوَمَةُ أَسْهَلُ مِنَ الْمُرَابَحَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ، وَلَا يَأْمَنُ الْهَوَى.
فَرْعٌ: حُكْمُ الْإِجَارَةِ كَالْبَيْعِ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ " الْهِدَايَةِ " عَنِ الْقَاضِي،
فَإِنْ فَسَخَ فِي أَثْنَائِهَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِالْقِسْطِ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا مِنَ الْمُسَمَّى، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ إِذَا دَلَّسَ مُسْتَأْجِرٌ عَلَى مُؤَجِّرٍ وَغَرَّهُ حَتَّى اسْتَأْجَرَهُ بِدُونِ الْقِيمَةِ،
فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ قَالَ: وَيَحْرُمُ تَغْرِيرُ مُشْتَرٍ بِأَنْ يَسُومَهُ كَثِيرًا لِيَبْذُلَ قَرِيبَهُ.
مَسْأَلَةٌ: خِيَارُ الْغَبْنِ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْفَوْرِيَّةِ وَعَدِمَهَا هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَهَلْ لِلْإِمَامِ جَعْلُ عَلَامَةٍ تَنْفِي الْغَبْنَ عَمَّنْ يَغْبِنُ كَثِيرًا؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
وَمَنْ قَالَ عِنْدَ الْعَقْدِ: لَا خِلَابَةَ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا خَلَبَ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا.
الثَّانِيَةُ في النَّجْشِ؛ وهو أنْ يزِيدَ في السِّلْعَةِ مَن لا يُرِيدُ شِراءَها لِيَغُرَّ المُشْتَرِيَ. أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَهُ اللهُ، أنَّ بَيعَ النَّجْشِ صَحيحٌ. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، يبطُلُ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ. قاله المُصَنِّفُ.
وقال في «التَّنْبِيهِ»: لا يجُوزُ النَّجْشُ.
وعنه، يقَعُ لازِمًا، فلا فَسْخَ مِن غيرِ رِضًى. ذكَرَ في «الانْتِصارِ» في البَيعِ الفاسِدِ؛ هل يَنْقُلُ المِلْكَ؟ فعلى المذهبِ، يثْبُت . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمُشْتَرِي الخِيارُ بشَرْطِه، وسواء كان ذلك بمُواطأَةٍ مِن البائعِ أَوْ لا. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقيل: لا خِيارَ له إلَّا إذا كان بمُواطأةٍ مِنَ البائِعَ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو نجَش البائِعُ، فزادَ أو وَاطَأ، فهل يبْطُلُ البَيعُ،
وإنْ لم يُبْطِلْه في الأُولَى؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، لا يبْطُلُ البَيعُ، وهو الصَّحيحُ، وهو ظاهرُ كلام أكثرِ الأصحابِ، وهو كالصَّريحِ في كلامِ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ. وقدَّمه الزَّرْكَشِيُّ.
وقال: هذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المشْهُورُ. والوَجْهُ الثَّاني، يبْطُلُ البَيعُ.
قال في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين».
وعنه، لا يصِحُّ بَيعُ النَّجْشِ، كما لو زادَ فيها البائعُ أو وَاطَأَ عليه.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: أو زادَ زَيدٌ بإذْنِه، في أصَحِّ الوَجْهَين. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ». وجزَم به في «المُنَوِّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ». الثَّانيةُ، لو أخْبَرَ أنَّه اشْتَراها بكذا، وكان زائِدًا عمَّا اشْتَراها به، لم يبْطُلِ البَيعُ، وكان له الخِيارُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال في «الإيضاحِ»: يبْطُلُ مع عِلْمِه.
تنبيه: قال في «الفُروعِ»: قوْلُهم في النَّجْشِ: ليَغُر المُشْتَرِيَ. لم يحْتَجُّوا لتوَقُّفِ الخِيارِ عليه. قال: وفيه نَظَر. وأطْلَقُوا الخِيارَ فيما إذا أخْبَرَ بأكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ، لكِنْ قال بعضُهم: لأنَّه في مَعْنَى النَّجْشِ، فيكونُ القَيدُ مُرادًا، ويُشْبِهُ ما إذا خرَج ولم يقْصِدِ التَّلَقِّيَ. وسَبَق أنَّ المنْصُوصَ الخِيارُ. انتهى.
قلتُ: قال في «الرِّعايَةِ»: ويَحْرُمُ أنْ يَزِيدَ في سِلْعَةٍ مَن لا يُريدُ شِراءَها.
وقيل: بل ليَغُرَّ مُشْتَرِيَها الغِرَّ بها.
وقال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: وزادَ غيرُ المُصَنِّفِ، أنْ يكونَ الذي زادَ مَعْروفًا بالحِذْقِ ولا بُدَّ منه. انتهى. ولم نرَه في غيرِه.
وقال الزَّرْكَشِيُّ: وزادَ بعضُ أصحابِنا في تَفْسيرِه، فقال: ليَغُرَّ المُشْتَرِيَ. وهو حسَنٌ. انتهى.
فائدة: قال الزَّرْكَشِيُّ وغيرُه: حُكْمُ زِيادَةِ المالِكِ في الثَّمَنِ، كأنْ يقولَ: وَالثَّالِثَةُ، الْمُسْتَرْسِلُ، إِذَا غُبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ.
وَعَنْهُ، أَنَّ النَّجْشَ وَتَلَقِّيَ الرُّكْبَانِ بَاطِلَانِ.
أُعْطِيتُ في هذه السِّلْعَةِ كذا. وهو كاذِبٌ، حُكْمُ نجْشِه. انتهى. الثَّالِثَةُ، المُسْتَرْسِلُ. يثْبُتُ للمُسْتَرْسِلِ الخِيارُ إذا غُبِنَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، لا يثْبُت.
فوائد؛ الأُولَى، المُسْتَرْسِلُ هو الذي لا يُحْسِنُ يُماكِسُ. قاله الإمامُ أحمدُ.
وفي لفْظٍ عنه: هو الذي لا يُماكِسُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هو الجاهِلُ بقِيمَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السِّلْعَةِ، ولا يُحْسِنُ المُبايَعةَ. قال في «التَّلْخيصِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهما: هو الذي لا يعْرِفُ سِعْرَ ما باعَه أو اشْتَراه. فصَرَّحا أنَّ المُسَترْسِلَ يتَناوَلُ البائِعَ والمُشْتَرِى، وأنَّه الجاهِلُ بالبَيعِ. كما قاله الامامُ أحمدُ.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: هو الجاهلُ بقِيمَةِ المَبِيعِ، بائعًا كان أو مُشْتَرِيًا.
وقال في «الفُروعِ» في بابِ خِيارِ التَّدْليسِ، في حُكْمِ مَسْألَةٍ: كما لم يُفَرِّقُوا في الغَبْنِ بينَ البائِع والمُشْتَرِي. فتَلَخَّصَ أنَّ المُسْتَرْسِلَ هو الجاهِلُ بالقِيمَةِ، سواءٌ كان بائعًا أو مُشتَرِيًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في «المُذْهَبِ»: لو جَهِلَ الغبْنَ فيما اشْترَاه لعَجَلَتِه، وهو لا يجْهَلُ القِيمَةَ، ثبَت له الخِيارُ أيضًا. وجزَم به في «النَّظْمِ».
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: لو عَجِلَ في العَقْدِ فَغُبِنَ، فلا خِيارَ له. انتهى.
وعنه، يثْبُتُ أيضًا لمُسْتَرْسِل إلى البائِع لم يُماكِسْه. اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وذكَرَه المذهبَ.
وقال في «الانْتِصارِ»: له الفَسْخُ ما لم يُعْلِمْه أنَّه غالٍ، وأنَّه مَغْبُونٌ فيه. انتهى. الثَّانيةُ، قال المَجْدُ في «شَرْحِه»: يثْبُتُ خِيارُ الغَينِ للمُسْتَرْسِلِ في الإجارَةِ، كما في البَيعِ، إلَّا أنَّه إذا فسَخ وقد مضَى بعضُ المُدَّةِ، يرْجِعُ عليه بأُجْرَةِ المِثْلِ للمُدَّةِ، لا بقِسْطِه مِنَ المُسَمَّى؛ لأنَّه لو رجَع بذلك، لم يسْتَدْرِكْ ظُلامَةَ الغَبْنِ، وفارَقَ مالو ظهَر . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على عَيبٍ في الإجارَةٍ ففَسَخَ، فإنَّه يَرْجِعُ عليه بقِسْطِه مِنَ المُسَمَّى؛ لأنَّه يسْتَدْرِكُ ظُلامتَه بذلك؛ لأنَّه يرْجِعُ بقِسْطِه منها مَعِيبًا، فيَرْتَفِعُ عنه الضَّرَرُ بذلك. قال المَجْدُ: نَقْلتُه مِن خَطِّ القاضي على ظَهْرِ الجُزءِ الثَّلاثين مِن «تعْلِيقِه». الثَّالثةُ، الغَبْنُ مُحَرَّمٌ. نصَّ عليه. ذكَرَه أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ. وقدَّمه في «الفُروعِ». وجزَم به في «الفُنونِ».
وقال: إنَّ أحمدَ قال: أكْرَهُه.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: يُكْرَهُ تلَقِّي الرُّكْبانِ.
وقيل: يحْرُمُ. وهو أوْلَى. انتهى. الرَّابعةُ، هل غَبْنُ أحَدِهما في مَهْرِ مِثْلِه كبَيعٍ، أوْ لا فَسْخَ؟ فيه احْتِمالان في «التَّعْليقِ» للقاضي، و «الانْتِصارِ» لأبي الخَطَّابِ.
وفي «عُيُونِ المسَائلِ» مَنْعٌ وتَسْليمٌ. ثم فرق،
وقال: ولهذا لا يُردُّ الصَّداقُ عندَهم.
وفي وَجْهٍ لنا، بعَيبٍ يَسِيرٍ، ويُرَدُّ المَبِيعُ بذلك.
قلتُ: الصوابُ أنَّه لا يُفْسَخُ، بل يقَعُ العَقْدُ لازِمًا. ويأْتِي قرِيبٌ مِن ذلك في أوَاخِرِ بابِ الشُّروطِ في النِّكاحِ، وبابِ العُيُوبِ في النِّكاحِ. الخامسةُ، يحْرُمُ تَغْريرُ مُشْتَرٍ؛ بأنْ يسُومَه كثيرًا ليَبْذُلَ قرِ يبًا منه. ذكَرَه الشيخُ تَقِي الدِّينِ، واقْتَصَر عليه في «الفُروعِ». وهو الصَّوابُ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وإنْ دَلَّسَ مُسْتَأْجِرٌ على مُؤْجِرٍ وغيرِه حتى اسْتَأْجَرَه بدُونِ القِيمَةِ، فله فَصْلٌ: الرَّابعُ، خِيَارُ التَّدْلِيسِ بِمَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ، كَتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَتَحْمِيرِ وَجْهِ الْجَارِيَةِ، وَتَسْويدِ شَعَرِهَا وَتَجْعِيدِهِ، وَجَمْعِ مَاءِ الرَّحَى وَإرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا. فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ.
أُجْرَةُ المِثْلِ. وفي مُفرَداتِ ابنِ عَقِيل في المَسْأَلةِ الأولَى كقَوْلِه، وأنَّه كالغِشِّ والتَّدْليس سواءً، ثم سلَّم أنه لا يحْرُمُ. السَّادسةُ، لو قال عندَ البَيعِ: لا خِلابةَ. فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أن له الخِيارَ إذا خَلَبَه. قدَّمه في «الفُروع».
وقال المُصَنِّفُ وغيرُه: لا خِيارَ له.
قال: (والثانية في النجش وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليَغُر المشتري فله الخيار إذا غبن) .
أما قول المصنف وهو أن يزيد في السلعة ... إلى المشتري؛ فبيان لمعنى النجش. وزاد فيه غيره : أن يكون الذي زاد معروفاً بالحِذْق. ولا بد منه لأن التغرير لا يحصل للمشتري إلا بذلك. ويحتمل أن المصنف رحمه الله إنما ترك ذلك هنا لأن قوله ليغر المشتري مشعر به.
وأما كون المشتري يثبت له الخيار إذا غبن في البيع المذكور؛ فلأنه مغبون فوجب أن يثبت له الخيار كالركبان إذا تُلُقّوا فاشتريَ منهم وغبنوا.
وثبوت الخيار مشعر بصحة البيع.
وفيه أيضا روايتان:
إحداهما: أنه صحيح؛ لأنه ثبت فيه الخيار بالقياس على الركبان. فكذلك الصحة. وثانيهما: أنه باطل؛ لما روى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النّجْش».
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لا تَنَاجَشُوا» متفق عليهما.
ولأن في ذلك تغريراً بالمشتري وخديعة له فدخل في المنهي عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الخديعة في النار».
وإذا كان منهياً عنه كان البيع باطلاً؛ لأن النهي يقتضي الفساد والبطلان.
والأول أصح؛ لأن النهي عائد إلى الناجش لا إلى العاقد فلم يؤثر في صحة البيع.
فإن قيل: لم يُقَيِّد المصنف رحمه الله الغبن في هذه المسألة بما يخرج عن العادة؟
قيل: قيده في المغني. وإنما تركه هنا؛ لأنه نبّه على ذكره في المسألة قبلها.
قال: (الثالثة: المسترسل إذا غبن الغبن المذكور.
وعنه: أن النجش وتلقي الركبان باطلان).
أما كون المسترسل يثبت له الخيار إذا غبن بما تقدم ذكره في الصورتين المتقدم ذكرهما؛ فلأنه غبن حصل بجهله بالمبيع فأثبت الخيار كالغبن في تلقي الركبان.
فإن قيل: ما المراد بالمسترسل المذكور؟
قيل : الذي لا معرفة له بقيم السلع والأسعار، ولا يحصل له المعرفة بذلك بالتثبت.
فلو كان عالماً بالغبن أو جاهلاً لكن لو توقف لعَرَف فغبن فلا خيار له:
أما العالم؛ فلأنه رضي بالغبن.
وأما المستعجل؛ فلأن الغبن حصل بتفريطه وتركه التثبت فكان كالراضي بالغبن.
وأما كون بيع النجش وتلقي الركبان باطلين على روايةٍ فلما تقدم ذكره في الصورة الأولة والثانية.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.