وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ وَيُعْطِيهِ مِنْ التمر مِثْلِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مَا فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْجَفَافِ
الشروح عليها
مسألة: (فيُعْطِيهِ مِن التَّمْرِ مثلَ ما يؤولُ إليه ما في النَّخْلِ عند الجَفَافِ. وعنه، يُعْطِيهِ مثلَ رُطَبِه) وقد ذَكَرْنَاه.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ في العَرِيَّةِ أنْ تكونَ مَوْهُوبَةً لبائِعِها. وبه قال الشّافِعِيُّ. وظاهِرُ قوْلِ الخِرَقِيِّ أنّه شَرْطٌ.
وقال الأَثْرَمُ: يسمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن تَفْسِيرِ العَرايَا، فقال: العَرَايَا أنْ يُعَرِّيَ الرَّجُلُ الجارَ أو القَرَابَةَ للحَاجَةِ والمَسْكنَةِ، فللمُعْرى أنْ يَبِيعَها ممَّنْ شاءَ.
وقال مالِكٌ: بَيعُ العَرايَا الجائِزُ هو أنْ يُعَرِّيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخَلاتٍ من حائِطِه، ثمّ يَكْرَهُ صاحِبُ الحائِطِ دُخُولَ الرَّجُلِ المُعَرَّى حائِطَه؛ لأنَّه ربَّما كانَ مع أَهلِه في الحائِطِ فَيُؤْذِيه دُخُولُ صاحِبِه عليه، فيَجُوزُ أنْ يَشْترِيَها منه. واحْتَجُّوا بأَنَّ العَرِيَّةَ في اللُّغَةِ هِبَةُ ثمَرَةِ النَّخِيكِ عامًا. قال أبو عُبَيدٍ : الإِعراءُ: أن يَجْعَلَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ ثمَرَةَ نَخْلِه عَامَها ذلك،
قال شاعِرُ الأنْصَارِ:
لَيسَتْ بِسَنْهاءَ ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولَكِنْ عَرايَا في السِّنِينَ الجَوائِحِ يقولُ: إنَّا نُعَرِّيها النَّاسَ. فتَعَيَّنَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى مَوْضُوعِه لُغَةً
ومُقْتَضَاهُ في العَرَبِيَّةِ، ما لَم يُوجَدْ ما يَصْرِفُه عن ذلك. ولَنا، حَدِيث زَيدِ بنِ ثابِتٍ، وهو حُجَّة على مالِكٍ، [في تَصْرِيحِه بجَوازِ] بَيعِها من غيرِ الواهِبِ، ولأنَّه لو كان لحَاجَةِ الوَاهِبِ، لَما اخْتَصَّ بخَمْسَةِ أوْسُقٍ؛ لعَدَمِ اخْتِصاصِ الحاجَةِ بها؛ ولم يَجُزْ بَيعُها بالتَّمْرِ ؛ لأَنَّ الظّاهِرَ من حالِ صاحِبِ الحائِطِ الذي له النَّخِيلُ الكَثِيرُ يُعَرِّيه الناسَ، أنّه لا يَعْجِزُ عن أداءِ ثَمَنِ العَرِيَّةِ، وفيه حُجَّةٌ على من اشْتَرَطَ كَونَها مَوْهُوبَةً لبائِعِها؛
لأَنَّ عِلَّةَ الرُّخْصَةِ حاجَةُ المُشْتَرِي إلى أكل الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ معه سِوَى التَّمْرِ، فمتى وُجِدَ ذلك، جازَ البَيعُ. ولأنَّ اشْتِراطَ كَوْنِها مَوْهُوبَةً، مع اشْتِرَاطِ حاجَةِ المُشْتَرِي إلى أَكْلِها رُطَبًا ولا ثَمَنَ معه، يُفْضِي إلى سُقُوطِ الرُّخْصَةِ، إذْ لا يكادُ يَتَّفِقُ ذلك. ولأنَّ ما جازَ بَيعُه إذا كان مَوْهُوبًا، جازَ وإن لم يكُنْ مَوْهُوبًا، كسائِرِ الأموالِ، وما جازَ بَيعُه لواهِبِه جازَ لغَيرِه، كسائِرِ الأمْوالِ، وإنَّما سُمِّيَ عَرِيَّةً لتَعَرِّيه عن غيرِه، وإفْرادِه بالبَيعِ.
١٦٨٩ -
(وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْمُشْتَرِي.
لِقَوْلِهِ: وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ حَاجَةُ الْبَائِعِ،
فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أَكْلِ التَّمْرِ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ إِلَّا الرُّطَبُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَجْدُ بِجَوَازِهِ، وَهُوَ بِطْرِيقِ التَّنْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ لِحَاجَةِ التَّفَكُّهِ فَلِحَاجَةِ الِاقْتِيَاتِ أَوْلَى؛ إِذِ الْقِيَاسُ عَلَى الرُّخْصَةِ جَائِزٌ إِذَا فُهِمَتِ الْعِلَّةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مِنْ صُوَرِ الْحَاجَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي " الْوَجِيزِ ": إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْأَوْسُقُ إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْوَاهِبَ،
فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ دُخُولُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَخُرُوجُهُ فِي بُسْتَانِهِ، أَوْ كَرِهَ الْمَوْهُوبُ لَهُ دُخُولَ بُسْتَانِ غَيْرِهِ، وَهَذَا غَرِيبٌ.
وَنَقَلَ الْمُؤَلِّفُ عَنِ الْقَاضِي، وَأَبِي بَكْرٍ اشْتِرَاطَ الْحَاجَةِ مِنَ الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي، وَالَّذِي قَالَهُ فِي التَّنْبِيهِ أنَّهُ يكْتَفي بِالْحَاجَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَالْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَرِيَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ،
فَإِنْ شَرَطْنَا الْحَاجَةَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ لَمْ يَجُزْ،
وَمَنِ اكْتَفَى بِهَا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَلْغَى جَانِبَ الْبَائِعِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ إِلَّا الْمُشْتَرِيَ فَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ خَمْسِينَ وَسْقًا فِي عُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِشَرْطٍ،
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ،
وَلَوْ فِي صَفْقَتَيْنِ. (وَيُعْطِيهِ مِنْ التمر مِثْلِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مَا فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْجَفَافِ) هَذَا فِي مَعْنَى الْخَرْصِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْظُرَ: كَمْ يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ فَيَبِيعَهَا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخْرَصُ فِي الزَّكَاةِ كَذَلِكَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي دُونَ أَعْظَمِهِمَا، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالتَّفَاضُلِ
ويُعْطِيه مِنَ التمْرِ مثلَ ما يَؤُولُ إليه ما في النَّخْلِ عندَ الجَفَافِ -وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ-
وعنه، يُعْطِيه مِثْلَ رُطَبِه. قال الزَّرْكَشِيُّ: ولعَلَّه ظاهِرُ الأحاديثِ.
وقيل: إنَّه المَنْصُوصُ. وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «الزَّرْكَشِيِّ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: يتَلَخَّصُ ممَّا تقدَّم، أنَّه يُشْتَرَطُ لصِحَّةِ بَيعِ العَرايا شُروط، بعضها مُتَّفقٌ عليه، وبعضُها مُخْتلَص فيه، فمنها، كوْنُها رُطَبًا على رُءوسِ النَّخْلِ، فلا يجوزُ بَيعُ الرُّطَبِ الذي على الأرْضِ بتَمْرٍ. ومنها، كوْنُها دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، على وَلَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
المذهبِ. ومنها، كوْنُها خَرْصًا لا جُزافًا. ومنها، كوْنُ البَيعِ بتَمْرٍ، فلا يجوزُ بَيعُها بخَرْصِها رُطَبًا. ومنها، كوْنُ التَّمْرِ المُشْتَرَى به، كَيلًا لا جُزافًا. ومنها، كوْنُ التَّمْرِ مِثْلَ ما حصَل به الخَرْصُ، لا أزْيدَ ولا أنْقَصَ. ومنها، الحُلولُ والقَبْضُ مِنَ الطرفَين في مَجْلِسِ العَقْدِ. نصَّ عليه، وقَبْضُ كلِّ واحدٍ منهما بحَسَبِه، ففي النَّخْلَةِ بالتَّخْلِيَةِ،
وفي التَّمْرِ بكَيلِه، فإنْ سلَّم أحدُهما، ثم مَشَيَا إلى الآخَرِ فسَلَّمَه، جازَ التَّبايُعُ. ويأْتِي إذا ترَك الرُّطَبَ حتى أتْمَرَ، في البابِ الذي يَلِيه. ومنها، الحاجَةُ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أو التَّمْرِ، على ما تقدَّم. ومنها، أنْ لا يكونَ مع المُشْتَرِي نَقْدٌ يَشْتَرِي به. فهذه تِسْعَةُ شروطٍ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.