وَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ عَلَيْهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّبْ أَوْ تَكُنْ فُلُوسًا، أَوْ مُكَسَّرَةً فَيُحَرِّمُهَا السُّلْطَانُ فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَرْضِ
الشروح عليها
مسألة: (فإن رَدَّه المُقْتَرِضُ عليه، لَزِمَه قَبُولُه ما لم يَتَعَيَّبْ، أو يَكُنْ فُلُوسًا، أو مُكَسَّرَةً، فيُحَرِّمَها السُّلْطانُ، فتكونُ له القِيمَةُ وَقْتَ القَرْضِ) يَجُوزُ للمُقْتَرِضِ رَدُّ ما اقْتَرَضَه على المُقْرِضِ إذا كان على صِفَتِه لم يَنْقُصْ، ولم يَحْدُثْ به عَيبٌ،
ويَلْزَمُ المُقْرِضَ قَبُولُه؛ لأنَّه على صِفَةِ حَقِّه، أشْبَهَ ما لو أعْطَاه غَيرَه، وقِياسًا على المُسْلَمِ فيه، وسواءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُه، أو لم يَتَغَيَّرْ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ المُقْرِضَ قَبُول غيرِ المِثْلِيِّ؛ لأنَّ القَرْضَ فيه يُوجِبُ رَدَّ القِيمَةِ، على أحَدِ الوَجْهَينِ،
فإذا رَدَّهُ بعَينِه لم يَرُدَّ الواجِبَ عليه، فلم يَجِبْ قَبُولُه، كالبَيعِ.
فصلِ: فإن تَعَيَّبَ أو تَغَيَّرَ، لم يَجِبْ قَبُولُه؛ لأنَّ عليه في قَبُولِه ضَرَرًا، لأنَّه دُون حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو نَقَصَ.
وكذلك إن كان القَرْضُ فُلُوسًا، أو مُكَسَّرَةً، فحَرَّمَها السُّلْطَانُ وتُرِكَتِ المُعامَلَةُ بها؛ لأنَّه كالعَيبِ، فلا يَلْزَمُهُ قَبُولُها، ويَكُونُ له قِيمَتُها وَقْتَ القَرْضِ، سواءٌ كانت باقِيَةً أو اسْتَهْلَكَها. نَصَّ عليه أحمدُ في الدَّراهِمِ المُكَسَّرَةِ، فقال: يُقَوِّمُها كم تُسَاوِي يومَ أخَذَها؟ ثم يُعْطِيه، وسواءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُها قَلِيلًا أو كَثِيرًا. وذَكَر أبو بكْرٍ في «التَّنْبِيهِ» أنَّه يَكُونُ له قِيمَتُها وَقْتَ فَسَدَتْ وتُرِكَتِ المُعامَلَةُ بها؛ لأنَّه كان يَلْزَمُه رَدُّ مِثْلِها ما دامَتْ نافِقَةً ،
فإذا فَسَدَت، انْتَقَلَ إلى قيمَتِها حِينَئِذٍ، كما لو عَدِمَ المِثل قال القاضي: هذا إذا اتَّفَقَ النّاسُ على تَرْكِها،
فأمّا إن تَعامَلُوا بها مع تَحْرِيمِ السُّلْطانِ لها، لَزِمَهُ أخْذُها.
وقال مالِكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ: ليس له إلَّا مِثْلُ ما أقْرَضَه؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ حَدَثَ فيها، فجَرَى مَجْرَى رُخْصِ سِعْرِها. ولَنا، أنَّ تَحْرِيمَ السُّلْطانِ مَنَعَ إنْفاقَها، وأبْطَلَ مالِيَّتَهَا، فأشْبَهَ كَسْرَها، أو تَلَفَ أَجْزائِها،
وأمّا رُخْصُ السِّعْرِ، فلا يَمْنَعُ، سواءٌ كان قَلِيلًا أو كَثِيرًا؛ لأنَّه لم يَحْدُثْ فيها شيءٌ، إنَّما تَغَيَّرَ السِّعْرُ، فأشْبَهَ الحِنْطَةَ إذا رَخُصَتْ أو غَلَتْ.
وكذلك يُخَرَّجُ في المَغْشُوشَةِ إذا حَرَّمَها السُّلْطَانُ. ١٧٦٥ -
(وَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ عَلَيْهِ) بِعَيْنِهِ (لَزِمَهُ قَبُولُهُ) ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ عَلَى صِفَةِ حَقِّهِ فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَالسَّلَمِ وَسَوَاءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُهُ أَوْ لَا،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا اقْتَرَضَهُ بَدَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ لَا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْمَعْرُوفُ فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمِثْلِيِّ وَذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: (مَا لَمْ يَتَغَيَّبْ) كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ، أَوْ عَفِنَتْ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ ضَرَرًا؛ لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ. الثَّانِي: مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ تَكُنْ فُلُوسًا، أَوْ مُكَسَّرَةً فَيُحَرِّمُهَا السُّلْطَانُ) أَيْ: يَتْرُكُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ كَالْعَيْبِ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا (فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ) مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إِنْ جَرَى فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ (وَقْتَ الْقَرْضِ) سَوَاءٌ كَانَتْ بَاقِيَةً، أَوِ اسْتَهْلَكَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الدَّرَاهِمِ الْمُكَسَّرَةِ.
فَقَالَ: يُقَوِّمُهَا كَمْ تُسَاوِي يَوْمَ أَخْذِهَا، ثُمَّ يُعْطِيهِ وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا،
وَقِيلَ: لَهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّ لَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ فَسَدَتْ وَتُرِكَتِ الْمُعَامَلَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُ رَدُّ مِثْلِهَا مَا دَامَتْ نَافِقَةً، فَلَمَّا فَسَدَتِ انْتَقَلَ إِلَى قِيمَتِهَا، كَمَا لَوْ عَدَمَ الْمِثْلَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ نَفَقَتْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَزِمَهُ أَخْذُهَا،
وَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا فَلَهُ قِيمَتُهَا،
وَقِيلَ: إِنْ رَخُصَتْ فَلَهُ الْقِيمَةُ، وَنَصُّهُ - وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " - إِنَّهُ يَرُدُّ مِثْلَهَا إِذَا رَخُصَتْ.
تَنْبِيهٌ: الْمَغْشُوشَةُ، إِذْ خَرَمَهَا السُّلْطَانُ حُكْمُهَا كَذَلِكَ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا إِذَا كَانَتْ ثَمَنًا، وَظَاهِرُ " الْفُرُوعِ " فِيهِ قَوْلَانِ: لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْعَقْدِ، كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، أَوْ يَوْمَ فَسَدَتْ،
وَإِنْ شَرَطَ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ، أَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ هُوَ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ
فإنْ رَدَّه المُقْتَرِضُ عليه، لَزِمَه قَبُولُه. إنْ كان مِثْلِيًّا، لَزِمَه قَبُولُه. بلا نِزاعٍ.
وإنْ كان غيرَ مِثْلِيٍّ، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنه يلْزَمُه قَبُولُه أيضًا. وهو أحَدُ الوَجْهَين. وهو ظاهِرُ كلامِه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، أَوْ مُكَسَّرَةً، فَيُحَرِّمَهَا السُّلْطَانُ، فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَرْضِ.
و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «النظْمِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ»، وغيرِهم؛ لإطْلاقِهم الرَّدَّ.
وقال شارِحُ «المُحَرَّرِ»: وأصحابُنا لم يُفَرِّقُوا بينَهما. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين».
وقيل: لا يلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّ القَرْضَ فيه يُوجِبُ رَدَّ القِيمَةِ، على أحَدِ الوَجْهَين،
فإذا ردَّه [بعَينِه، لم]، يرُدَّ الواجِبَ عليه. وهذا الوَجْهُ هو الصَّحِيحُ مِنَ المذهبِ. جزَم به ابنُ رَزِينٍ و «الحَاويَين». وقدَّمَه في «الفُروعِ». وهو ظاهِرُ كلامِه في «المُحَرَّرِ» وغيرِه. قال شارِحُ «المُحَرَّر»: ولم أجِدْ ما
قال في كتابٍ آخَرَ. وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ له ردَّه، سواءٌ رَخُصَ السِّعْرُ أو غَلا. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقيل: يلْزَمُه القِيمَةُ إذا رَخُصَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السِّعْرُ. ما لم يتَعَيَّبْ، أو يَكُنْ فُلُوسًا، أو مُكَسَّرَةً، فيُحَرِّمَها السُّلْطانُ، فتكونُ له القِيمَةُ. [إذا تَعَيَّبَتْ أو تَغَيَّرَتْ فله القِيمَةُ،
وإنْ كانَتْ فُلُوسًا أو مُكَسَّرَةً، فيُحَرِّمَها السُّلْطَانُ]، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ له القِيمَةَ أيضًا، سواءٌ اتَّفَقَ النَّاسُ على تَرْكِها أو لا، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به كثيرٌ منهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن».
وقال القاضي: إنِ اتَّفَقَ النَّاسُ على تركِها، فله القِيمَةُ،
وإنْ تَعامَلُوا بها مع تَحْريمَ السُّلْطانِ لها، لَزِمَه أخْذُها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فتَكونُ له القِيمَةُ وَقْتَ القَرْضِ. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الإِرْشادِ»، و «الهِدايَةِ»، و
«والمُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «المُنَوِّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. واخْتارَه القاضي وغيرُه.
وقيل: له القِيمَةُ وَقْت تَحْرِيمِها. قاله أبو بَكْرٍ في «التَّنْبِيهِ».
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: وهو الصَّحيحُ عندِي.
قال في «الفُروعِ» وغيرِه: والخِلافُ فيما إذا كانت ثَمَنًا.
وقيل: له القِيمَةُ وَقْتَ الخُصُومَةِ.
فائدتان؛ إحْداهما، قوْلُه: فتَكونُ له القِيمَةُ. اعلمْ أنَّه إذا كان ممَّا يجْرِي فيه الرِّبا، [فإنَّه يُعْطى ممَّا لا يجْرِي فيه الرِّبا]؛
فلو أقْرَضَه دَراهِمَ مُكَسَّرَةً، فحَرَّمَها السُّلْطانُ، أُعْطِيَ قِيمَتَها ذهبًا، وعكْسُه بعَكْسِه. صرَّح به في «الإِرْشادِ»، و «المُبْهِجِ». وهو واضِحٌ.
قال في «الفُروعِ»: فله القِيمَةُ مِن غيرِ جِنْسِه. الثَّانيةُ، ذكَر ناظِمُ «المُفْرَداتِ» هنا مَسائِلَ تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ القَرْضِ، فأحْبَبْتُ أنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أذْكُرَها هنا؛ لعِظَمِ نَفْعِها، وحاجَةِ النَّاسِ إليها،
فقال:
والنَّقْدُ في المَبِيعِ حيثُ عُيِّنا ... وبعدَ ذا كسادُهُ تَبَيَّنا نحوَ الفُلوسِ، ثم لا يُعاملُ ... بها، فمنه عندَنا لا يُقْبَلُ بل قِيمةُ الفُلوسِ يومَ العَقْدِ ... والقَرْضِ أيضًا، هكذا في الرَّدِّ
ومثْلُه مَن رامَ عَوْدَ الثَّمَنِ ... برَدِّه المَبِيعَ، خُذْ بالأَحْسَنِ قد ذكَر الأصحابُ ذا في ذِي الصُّوَرْ ... والنَّصُّ في القَرْضِ عِيانًا قد ظهَرْ والنَّصُّ بالقِيمَةِ في بُطْلانِها ... لا في ازْدِيادِ القَدْرِ أو نُقْصانِها بل إنْ غلَتْ فالمِثْلُ فيها أحْرَى ... كدانِقٍ عِشْرِين صارَ عشْرًا والشَّيخُ في زِيادَةٍ أو نَقْصِ ... مِثْلًا كقَرْضٍ في الغَلا والرُّخْصِ وشَيخُ الاسْلامِ فتَى تَيمِيَّهْ ... قال: قِياسُ القَرْضِ عن جَلِيَّهْ الطَّرْدُ في الدُّيونِ كالصَّداقِ ...
وعِوَضْ في الخُلْعِ والإِعْتاقِ والغَصْبُ والصُّلْحُ عنِ القِصاصِ ... ونحوُ ذا طُرًّا بلا اخْتِصاصِ قال: وجا في الدَّينِ نصٌّ مُطْلَقٌ ... حرَّرَه الأثْرَمُ؛ إذْ يُحقِّقُ وقوْلُهم: إن الكَسادَ نقْصًا ... فذاك نَقْصُ النَّوْعِ عابَتْ رُخْصًا قال: ونقْصُ النَّوْعِ ليس يُعْقَلُ ... فيما سِوَى القِيمَةِ، ذا لا يُجْهَلُ وخرَّج القِيمَةَ في المِثْلِيِّ ... بنَقْصِ نَوْعٍ ليس بالخَفِيِّ واخْتارَه وقال: عدلَ ماضي ... خَوْفَ انتِظارِ السِّعْرِ بالتَّقاضِي لحاجَةِ النَّاسِ إلى ذِي المَسْألَهْ ...
نَظَمْتُها مَبْسُوطَةً مُطَوَّلَهْ وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَالْقِيمَةِ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَحْوهَا، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَجْهَانِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.