وَبَيْعُهُ نَسَاءً وَقَرْضُهُ بِرَهْنٍ وَشِرَاءُ الْعَقَارِ لَهُمَا وَبِنَاؤُهُ بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهِ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَهُ شِرَاءُ الْأُضْحِيَّةِ لِلْيَتِيمِ الْمُوسِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَتَرْكُهُ فِي الْمَكْتَبِ وَأَدَاءُ الْأُجْرَةِ عَنْهُ
الشروح عليها
مسألة: (و) له (قَرْضُه برَهْنٍ) إذا لم يكُنْ في قَرْضِ مالِ اليَتِيمِ حَظٌّ له، لم يَجُزْ،
وإن كان في قَرْضِه حَظٌّ لليَتِيمِ، جاز. قال أحمدُ: لا يُقْرِضُ مال اليَتِيمِ لأحَدٍ يُرِيدُ مُكافَأتَه ومَوَدَّتَه، ويُقْرِضُ على النَّظرَ والشَّفَقَةِ، كما صنعَ ابنُ عُمَرَ.
وقيل لأحمدَ:[ابنُ عُمَرَ] اقْتَرضَ مال اليَتِيمِ. قال: إنَّما اسْتَقْرَضَ نَظَرًا لليَتِيمِ واحْتِياطًا، إن أصابَه شيءٌ غَرِمَه. قال القاضي: ومَعْنَى الحَظِّ أن يكونَ للصَّبِيِّ مالٌ في بَلَدٍ، فيُرِيدَ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ، فيُقرِضَه مِن رجلٍ في ذلك البَلَدِ؛ ليَقْضِيَه بَدَلَه في بَلَدِه، يَقْصِدُ بذلك حِفْظَه مِن الغَرَرِ في نَقْلِه، أو يَخافَ عليه الهَلاكَ مِن نَهْبٍ أو غَرَقٍ أو غيرِهما، أو يكونَ ممّا يَتْلَفُ بتَطاوُلِ مدَّتِه، أو حَدِيثُه خَيرٌ مِن قَدِيمِه، كالحِنْطَةِ ونحوها، فيُقْرِضَه خَوْفًا مِن السُّوسِ، أو نَقْص قِيمَتِه، وأشْباه هذا، فيَجُوز القَرضُ؛
لأنَّ لليَتِيمِ فيه حَظًّا، فجاز، كالتِّجارَةِ به.
وإن لم يكُنْ فيه حَظٌّ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بمالِ اليَتِيمِ، فلم يَجُزْ، كهِبَتِه.
وإن أراد الوَلِيُّ السَّفَرَ، لم يَكُنْ له المُسافرَةُ بمالِه،
فإن أراد أن يُودِعَ مال اليَتيم، فقَرْضُه لثقَةٍ أوْلَى مِن ذلك؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ لا تُضْمَنُ،
فإن لم يَجِدْ ثِقَةً يَسْتَقْرِضُه، فله إيداعُه؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
وإن أوْدَعَه مع إمْكانِ قَرْضِه، جاز، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه رُبَّما رَأَى الإيداعَ أوْلَى مِن القَرْضِ، فلا يكون مُفَرِّطًا. وكلُّ مَوْضِع قُلْنا: له قَرْضه. فلا يَجُوزُ إلَّا لملئٍ أمِين؛ ليَأْمَنَ جُحُودَه وتَعَذُّرَ الإِيفاءِ. ويَنْبَغِي أن يَأْخُذَ رَهْنًا إنْ أمْكَنَه،
فإن تعَذَّرَ عليه أخْذُ الرَّهْنِ، جاز تَرْكُه، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ مَن يَسْتَقْرِضُه لحَظِّ اليَتِيمِ لا يَبْذُلُ رَهْنًا، فاشْتِراطُ الرَّهْنِ يُفَوِّتُ هذا الحَظَّ. وظاهِرُ كلامِ شيخِنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ، أنَّه لا يَجُوزُ [إلَّا برَهْنٍ].
وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ فيه احْتِياطًا للمالِ، [وحِفْظًا له عن الجَحْدِ والمَطْلِ.
فإن أمْكَنَه أخْذُ الرَّهْنِ، فالأوْلَى له أخْذُه، احْتِياطًا للمالِ].
فإن تَرَكَه، احْتَمَلَ أن يَضْمَنَ إن ضاع المالُ؛ لتَفْرِيطِه، واحْتَمَلَ أن لا يَضْمَنَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ سَلامَتُه. وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لكَوْنِه لم يَذْكُرِ الرَّهْنَ. فصل: قال أبو بكرٍ: هل يَجُوزُ للوَصِيِّ أن يَسْتَنِيبَ فيما يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه؟ على رِوايَتَين، بِناءً على الوَكِيلِ.
وقال القاضي: يَجُوزُ ذلك للوَصِيِّ،
وفي الوَكِيلِ رِوايَتان. وفرَّقَ بينَهما بأنَّ الوَكِيلَ يُمْكِنُه الاسْتئْذانُ، والوَصِيُّ بخِلافِه.
١٩٥٣ - مسألة: (و) له (شِراءُ العَقارِ لهما، وبِناؤُه بما جَرَتْ عادَةُ أهْلِ بَلَدِه به، إذا رَأى المَصْلَحَةَ في ذلك كلِّه) لأنَّه مَصْلَحَةٌ له، فإنَّه يَحْصُلُ له الفَضْلُ، ويَبْقَى الأصْلُ، والغَرَرُ فيه أقَلُّ مِن التِّجارَةِ؛ لأنَّ أصْلَه مَحْفُوظٌ.
فصل: ويَجُوزُ له أنْ يَبْنِيَ لهما عَقارًا، لأنَّه في مَعْنَى الشِّراءِ، [إلَّا أن يكونَ الشِّراءُ] أحَظَّ، وهو مُمْكِنٌ، فيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُه.
وإذا أراد بِناءَه، بَناه بما يَرَى الحَظَّ فيه، ممّا جَرَتْ عادَةُ أهْلِ البَلَدِ به.
وقال أصْحابُنا: يَبْنِيهِ بالآجُرِّ والطِّينِ، ولا يَبْنِي باللَّبِنِ؛ لأنَّه إذا هُدِم لا مَرْجُوعَ له، ولا بجِصٍّ؛ لأنَّه يَلْتَصِقُ بالآجُرِّ فلا يَخْلُصُ منه،
فإذا انْهَدَمَ فَسَد الآجُرُّ؛ لأنَّ تَخْلِيصَه منه يُفْضِي إلى كَسْرِه. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. والذي قُلْناه أوْلَى، إن شاء اللهُ، فإنَّه إذا كان الحَظُّ له في البِناءِ بغيرِه، فتَرَكَه، ضَيَّعَ حَظَّه ومالهُ،
ولا يَجُوزُ تَضْيِيعُ الحَظِّ العاجِلِ وتَحَمُّلُ الضَّرَرِ النّاجزِ المُتَيَقَّنِ، لتَوَهُّمِ مَصْلَحَةِ بَقاءِ الآجُرِّ عندَ هَدْمِ البِناءِ، ولعَلَّ ذلك لا يكوَنُ في حَياتِه ولا يَحْتاجُ إليه، مع أنَّ كَثِيرًا مِن البُلْدانِ لا يُوجَدُ فيها الآجُرُّ، وكَثِيرٌ منها لم تَجْرِ عادَتُهم بالبِناء به،
فلو كُلِّفُوا البِناءَ به، لاحْتاجُوا إلى غَرامَةٍ كَثِيرَةٍ لا يَحْصُلُ منها طائِلٌ. فعلى هذا، يُحْمَلُ قولُ أصْحابِنا على مَن عادَتُهم البِناءُ بالآجُرِّ، كالعِراقِ ونحْوها،
ولا يَصِحُّ حَمْلُه في حَقِّ غيرِهم، وإنَّما يَفْعَلُ ما ذَكَرْنا مِن الشِّراءِ والبِناءِ، إذا رَأَى المَصْلَحَةَ فيه والحَظَّ لهما. ١٩٥٤ - مسألة: (وله شِراءُ الأُضْحِيَةِ لليَتِيمِ المُوسِرِ. نَصَّ عليه) إذا كان له مالٌ كَثِيرٌ لا يَتَضَرَّرُ بشِرائِها، فيكون ذلك على وَجْهِ التَّوْسِعَةِ في النَّفَقَةِ في هذا اليَوْمِ الذي هو يومُ عيدٍ وفَرَحٍ، وفيه جَبْرُ قَلْبِه، وإلْحاقُه بمَن له أبٌ، فيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الثِّيابِ الحَسَنَةِ وشِراءِ اللَّحْمِ، سِيَّما مع اسْتِحْباب التَّوْسِعَةِ في هذا اليَوْمِ، وجَرْي العادَةِ بها ؛
بدَليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّهَا أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ». رَواه مسلمٌ . وهذا قولُ أبي حنِيفَةَ، ومالِكٍ. قال مالِكٌ: إذا كان له ثَلاُثون دِينارًا، يُضَحِّى عنه بالشّاةِ بنِصْفِ دِينارٍ. وعن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، رِوايَةٌ أُخْرَى، [أنَّ ذلك] لا يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إخْراجُ شيءٍ مِن مالِه بغيرِ عِوَضٍ، فلم يَجُزْ، كالهَدِيَّةِ. قال شيخُنا : ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في الرِّوايَتَين على حالينِ، فالمَوْضِعُ الذي مَنَع التَّضْحِيَةَ، إذا كان الطِّفْلُ لا يَعْقِلُ التَّضْحِيَةَ، ولا يَفرَحُ بها، ولا يَنْكَسِرُ قَلْبُه بتَرْكِها؛
لعَدَمِ الفائِدَةِ فيها، والمَوْضِعُ الذي أجازَها إذا كان اليَتِيمُ يَعْقِلُها، ويَنْجَبِرُ قَلْبُه بها، ويَنْكَسِرُ بتَرْكِها؛ لحُصُولِ الفائِدَةِ فيها. وعلى كلِّ حالٍ، مَن ضَحَّى عن اليَتِيمِ، لم يَتَصَدَّقْ بشيءٍ منها، ويُوَفِّرُها لنَفْسِه؛ لأنَّه لا يَحِلُّ الصَّدَقَةُ بشيء مِن مالِ اليَتِيمِ تَطَوُّعًا.
فصل: ومتى كان خَلْطُ مالِ اليَتِيمِ أرْفَقَ به، وألْيَنَ في الجَبْرِ، وأمْكَنَ في حُصُولِ الأُدْمِ، فهو أوْلَى.
وإن كان إفْرادُه أرْفَقَ به، أفْرَدَه؛ لقولِ الله تِعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ}. أي ضَيَّقَ عليكم وشَدَّدَ، مِن قَوْلِهِم: أعْنَتَ فُلانٌ فُلانًا. إذا ضَيَّقَ عليه وشَدَّدَ. ١٩٥٥ - مسألة: (و) يَجُوزُ (تَرْكُه في المَكْتَبِ، وأدَاءُ الأُجْرَةِ عنه) بغيرِ إذْنِ الحاكِمِ. وحُكِيَ لأحمدَ قولُ سُفْيانَ: لا يُسَلِّمُ الوَصِيُّ الصَّبِيَّ إلَّا بإذْنِ الحاكِمِ. فأنْكَرَ ذلك؛ وذلك لأنَّ المَكْتَبَ مِن مَصالِحِه، فجَرَى مَجْرَى نَفَقَتِه لمَأْكُولِه ومَلْبُوسِه.
وكذلك يَجُوزُ أن يُسَلِّمَه في صِناعَةٍ، إذا كانت مَصْلَحَتُه في ذلك؛ لِما ذَكَرْناه.
١٩٥٦ -
(وَبَيْعُهُ نَسَاءً) أَيْ: إِلَى أَجَلٍ إِذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهِ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الثَّمَنُ فِيهِ أَكْثَرَ، لِأَنَّ الْأَجَلَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ (وَقَرْضُهُ) عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا (بِرَهْنٍ) ، لِأَنَّهُ أَجْوَدُ مِنْ إِيدَاعِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ، وَقَوْلُهُ: بِرَهْنٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِمَا فَيَأْخُذُ عَلَى الثَّمَنِ فِي الْأُولَى رَهْنًا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": أَوْ كَفِيلًا مُوَثَّقًا بِهِ فَيَحْفَظُ الثَّمَنَ بِهِ،
وَفِي الثَّانِيَةِ وَاضِحٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رَهْنٍ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَأْمَنُ عَوْدَهُ لِفَلَسٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَهُ أَيْضًا فِي " التَّرْغِيبِ "،
وَالْمَذْهَب، زَادَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": وَإِشْهَادٍ، فِيهِ رِوَايَتَانِ،
فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَخْذُ الرَّهْنِ وَتَرْكُهُ فَاحْتِمَالَانِ.
وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُمَا لِمَصْلَحَةٍ ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " يُقْرِضُهُ لِحَاجَةِ سَفَرٍ، أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا يُقْرِضُهُ إِلَّا لِمَلِيءٍ أَمِينٍ لِيَأْمَنَ جُحُودَهُ وَيَقْدِرَ عَلَى الْإِيفَاءِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَلَا يُقْرِضُهُ لِمَوَدَّةٍ وَمُكَافَأَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: لَهُ إِيدَاعُهُ مَعَ إِمْكَانِ قَرْضِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "،
وَظَاهِرُهُ مَتَى جَازَ إِيدَاعُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ يَجُوزُ إِيدَاعُهُ لِقَوْلِهِمْ: يَتَصَرَّفُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ يَرَاهُ مَصْلَحَةً، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ تَلِفَ، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ،
وَفِي " الْكَافِي " لَا يُودِعُهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَأَنَّهُ يُقْرِضُهُ لِحَظِّهِ بِلَا رَهْنٍ (وَشِرَاءُ الْعَقَارِ لَهُمَا) ، لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لِكَوْنِهِ يُحَصِّلُ مِنْهُ الْمُغَلَّ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ وَإِذَا جَازَتِ الْمُضَارَبَةُ فِيهِ فَهَذَا أَوْلَى (وَبِنَاؤُهُ) ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشِّرَاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ أَحَظَّ، وَهُوَ مُمْكِنٌ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ (بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهِ) ،
وَكَذَا فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّهُ الْعُرْفُ.
وَقَالَ الْأَصْحَابُ يَبْنِيهِ بِالْآجُرِّ دُونَ اللَّبِنِ، لِأَنَّهُ إِذَا هُدِمَ فَسَدَ
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَلَا بِالْجِصِّ، لِأَنَّهُ يَلْتَزِقُ بِالْآجُرِّ وَلَوْ قُدِّرَ فَيُفْضِي إِلَى كَسْرِهِ،
وَفِي " الْمُغْنِي " والذي أراه أَنَّ لَهُ بِنَاءَهُ بِمَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ، وَلَيْسَ كُلُّ الْأَمَاكِنِ يُبْنَى فِيهَا بِالْآجُرِّ، وَلَا يُقَدَرُ فِيهَا عَلَى الْجَيِّدِ،
وَإِنْ وُجِدَ فَبِقِيمَةٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا،
فَلَوْ قُيِّدَ الْبِنَاءُ بِذَلِكَ أَفْضَى إِلَى فَوَاتِ الْحَظِّ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُمْ عَلَى مَنْ عَادَتُهُمُ الْبِنَاءُ بِهِ كَالْعِرَاقِ وَنَحْوِهَا،
وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ (إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) هَذَا رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَلِوَلِيِّهِمَا إِلَى آخِرِهِ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا انْتَفَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قُرْبَانًا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ.
وَظَاهِرُ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الشِّرَاءِ، وَالْبِنَاءِ، وَفِيهِ شَيْءٌ. (وَلَهُ شِرَاءُ الْأُضْحِيَّةِ لِلْيَتِيمِ الْمُوسِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ وَفَرَحٍ، وَجَبْرُ قَلْبِهِ، وَإِلْحَاقُهُ بِمَنْ لَهُ أَبٌ كَالثِّيَابِ الْحَسَنَةِ مَعَ اسْتِحْبَابِ التَّوْسِعَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ مُوسِرًا لَا يَتَضَرَّرُ بِشِرَائِهَا، فَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ صَدَقَتُهُ مِنْهَا،
وَفِي " الِانْتِصَارِ " عَنْ أَحْمَدَ: يَجِبُ لِقَوْلِهِ: لِلْوَصِيِّ التَّضْحِيَةُ عَنِ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ، فَدَلَّ أَنَّهَا كَزَكَاةٍ،
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا إِخْرَاجٌ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْهَدِيَّةِ وَحَمَلَ فِي " الْمُغْنِي " كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى حَالَيْنِ فَيُمْنَعُ مِنْهَا إِذَا كَانَ الطِّفْلُ لَا يَعْقِلُهَا، وَلَا يَفْرَحُ بِهَا، وَلَا يَنْكَسِرُ قَلْبُهُ بِتَرْكِهَا وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ.
فَائِدَةٌ: وَيَفْعَلُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مَا هُوَ أَرْفُقُ لَهُ مَنْ خَلْطٍ وَإِفْرَادٍ،
فَلَوْ مَاتَ مَنْ يَتَّجِرُ لِيَتِيمِهِ وَلِنَفْسِهِ بِمَالِهِ، وَقَدِ اشْتَرَى شَيْئًا، وَلَمْ يُعْرَفْ لِمَنْ هُوَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْرَعُ فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَ وَلَهُ الْإِذْنُ لِصَغِيرَةٍ فِي لُعَبٍ بِلُعَبٍ مُصَوَّرَةٍ وَشِرَاؤُهَا بِمَالِهَا، نَصَّ عَلَيْهِمَا (وَتَرْكُهُ فِي الْمَكْتَبِ) لِيَتَعَلَّمَ الْخَطَّ، وَمَا يَنْفَعُهُ (وَأَدَاءُ الْأُجْرَةِ عَنْهُ) لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِهِ، أَشْبَهَ نَفَقَةَ مَأْكُولِهِ وَمَلْبُوسِهِ،
وَكَذَا مُدَاوَاتُهُ بِأُجْرَةٍ بِغَيْرِ إِذْنِ حَاكِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ
وَيَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي صِنَاعَةٍ لِمَصْلَحَتِهِ . قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَلَهُ حَمْلُهُ بِأُجْرَةٍ لِيَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ. قَالَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَالْفُصُولِ وَإِذْنُهُ فِي تَصَدُّقِهِ بِيَسِيرٍ. قَالَهُ فِي الْمَذْهَبِ.
وبَيعُه نَسَاءً. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، بشَرطِ أنْ يكونَ فيه مَصْلَحَةٌ.
قال في «الفُروعِ»: وله بَيعُه نَساءً على الأصحِّ.
قال في «الوَجيزِ»: وبَيعُه نَساءً مَلِيئًا برَهْن يَحْفَظُه. وجزَم به في «الهِداية»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاويَيْن»، وغيرِهم.
وعنه، ليس له ذلك. وَقرْضُهُ بِرَهْنٍ، وقَرْضه. يجوزُ قَرْضُه لمَصْلَحَةٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه. وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
قال في «الوَجيزِ»: ولمَصْلَحَةٍ يُقْرِضُه.
قال في «الفُروعِ»: وله قَرْضُه، على الأصحِّ، لمَصْلَحَةٍ.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وله قَرْضُه على الأصحِّ مَلِيئًا. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ».
قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: يُقْرِضُه لحاجَةِ سفَرٍ، أو خَوْفٍ عليه، أو غيرِهما،
وعنه، لا يُقْرِضُه مُطْلَقًا. برَهْنٍ. هذا أحدُ الوَجْهَين. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «مَسْبوكِ الذهبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِي»، و «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الحاويَيْن»، وغيرِهم. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، فقال: يُقْرِضُه برَهْنٍ. قال ناظِمُ «المُفْرَدَاتِ»: قطَع به في «المُغْنِي».
قال في «الفُروع.»: وسِياقُ كلامِهم، لحَظِّه.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»؛ وفي قَرْضِه برَهْنٍ وإشْهادٍ رِوايَتان.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: وفي قَرْضِه برَهْنٍ رِوايَتان. انتهى.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، جَوازُ قَرْضِه للمَصْلَحَةِ، سواءٌ كان برَهْنٍ، أوْ لا، وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
قال في «المُحَرَّرِ»: ويَمْلِكُ قَرْضَه.
قال في «الكافِي»: فإنْ لم يأْخُذْ رَهْنًا، جازَ في ظاهرِ كلامِه. واقْتَصرَ عليه. وأطْلَقهما في «الفائقِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأولَى، قال في «المُغْنِي»،
و «الشَّرْحِ»: فإنْ أمْكَنَ أخْذُ الرَّهْنِ، فالأوْلَى له أخْذُه احْتِياطًا،
فإنْ ترَكَه، احْتَمَلَ أنْ يَضْمَنَ إنْ ضاعَ المالُ؛ لتَفْرِيطِه. واحْتَمَلَ أنْ لا يَضْمَنَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ سَلامَتُه. وهذا ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، لكَوْنِه لم يَذْكُرِ الرَّهْنَ.
قلتُ: إنْ رأى المَصْلَحَةَ وأقْرَضَه، ثم تَلِفَ، لم يَضْمَنْ. وأطْلَقهما في «الفائقِ». الثَّانيةُ، يجوزُ إيداعُه مع إمْكانِ قَرْضِه. ذكَرَه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
قال في «الفُروعِ»: فظاهِرُه، متى جازَ قَرْضُه، جازَ إيداعُه. وظاهِرُ كلامِ الأكْثَرِ، يجوزُ إيداعُه؛ لقَوْلِهم: يتَصَرَّفُ بالمَصْلَحَةِ. وقد يَراه مَصْلَحَةً، ولهذا جازَ -مع إمْكانِ قَرْضِه- أنْ يَمْلِكَه الشَّرِيكُ، في إحْدَى الرِّوايتَين، دُونَ القَرْضِ، لأنَّه تَبرُّعٌ، والوَدِيعَةُ اسْتِنابَةٌ في حِفْظٍ. لا سِيَّما إنْ جازَ للوَكِيلِ التَّوْكِيلُ. ولهذا يتَوَجَّهُ في المُودِعِ رِوايَةٌ، ويتَوَجَّهُ أيضًا في قَرْض الشَّرِيكِ رِوايَةٌ.
قال: وقال في «الكافِي»: لا يُودِعُه إلَّا لحاجَةٍ، ويُقْرِضُه لحَظِّه بلا رَهْنٍ، وأنَّه لو سافَرَ أوْدَعَه، وقَرْضُه أوْلَى. انتهى. الثالثةُ، وَشِرَاءُ الْعَقَارِ لَهُمَا، وَبنَاؤُهُ بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهِ، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ في ذَلِكَ كُلِّهِ.
حيثُ قُلْنا: يُقْرِضُه. فلا يُقْرِضُه لمَوَدَّةٍ ومُكافَأةٍ. نصَّ عليه. الرَّابعَةُ،
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» وغيرِه: ولا يقْتَرِضُ وصِيٌّ ولا حاكِمٌ منه شيئًا. ويأْتِي [في بابِ الشُّفْعَةِ، أنَّه] يَلْزَمُه أنْ يَأْخُذَ بالشُّفْعَةِ إذا كان ذلك أحَظَّ. الخامسةُ، يجوزُ رَهْنُ مالِهما للحاجَةِ عندَ ثِقَةٍ، وللأَب أنْ يَرْتَهِنَ مالهما مِن نَفْسِه،
ولا يجوزُ لغيرِه، على المذهبِ.
وفي «المُغْنِي» رِوايَةٌ، بالجَوازِ لغيرِه. قال الزَّرْكَشِيُّ: وفيها نَظَرٌ. وشِراءُ العَقارِ لهما، وله بِناؤُه بما جَرَتْ عادَةُ أهْلَ بَلَدِه به. هكذا قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وصاحِبُ «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الوَجيز»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرُهم. قال المُصَنِّفُ،
والشَّارِحُ: وقال أصحابُنا: يَبْنِيه بالآجُرِّ والطِّينِ، ولا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَبْنِيه باللَّبِنِ. وحمَلا كلامَهم على مَن عادَتُهم ذلك، وهو أوْلَى. وأجْراه في «الفائقِ» على ظاهرِه، وجعَل الأوَّلَ اخْتِيارَ المُصَنِّفِ. وَلَهُ شِرَاءُ الأضْحِيَةِ لِلْيَتيمِ الْمُوسِرِ. نَصَّ عَلَيهِ. وله شِراءُ الأضْحِيَةِ لليَتِيمِ المُوسِرِ. نَصَّ عليه. وهو المذهبُ. يعْنِي، يُسْتَحَبُّ له شِراؤُها.
قال في «الفُروعِ»: والتَّضْحِيَةُ له على الأصَحِّ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن» هنا. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «النَّظْمِ».
وعنه، لا يجوزُ له ذلك. قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»: يَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في الرِّوايتَين على حالين، فالمَوْضِعُ الذي منَع منه، إذا كان الطِّفْلُ لا يَعْقِلُ التَّضْحِيَةَ، ولا يَفْرَحُ بها، ولا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَنْكَسِرُ قَلْبُه بتَرْكِها. والمَوْضِعُ الذي أجازَها، عَكْسُ ذلك. انتهى. وذكَرَه في «النَّظْمِ» قَوْلًا. وأطْلَقَ الرِّوايتَين في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايةِ»، في بابِ الأُضْحِيَةِ. وذكَر في «الانْتِصارِ»، عن أحمدَ، تجِبُ الأُضْحِيَةُ عنِ اليَتيمِ المُوسِرِ. فعلى المذهبِ، يَحْرُمُ عليه الصَّدَقَةُ منها بشيءٍ. قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم. فيُعايَى بها.
قلتُ: ولو قيلَ بجَوازِ التَّصَدُّقِ منها بما جَرَتِ العادَةُ به، لكان مُتَّجِهًا، على ما تقدَّم التنبِيهُ عليه في بابِه. وَتَرْكُهُ في الْمَكْتَبِ، وَأدَاءُ الأُجْرَةِ عَنْهُ، وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُمَا إلا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ، وَهُوَ أنْ يُزَادَ في ثَمَنِهِ الثُّلُثُ فَصَاعِدًا.
فائدتان؛ إحْداهما، له تَعْلِيمُه ما ينْفَعُه، ومُداواتُه بأُجْرَةٍ؛ لمَصْلَحَةٍ في ذلك، وحْملُه بأُجْرَةٍ ليَشْهَدَ الجماعَةَ. قاله في «المُجَرَّدِ»، و «الفُصولِ». واقْتَصَرَ عليه أيضًا في «الفُروعِ».
قال في «المُذهَبِ»: له أنْ يأْذَنَ له بالصَّدَقَةِ بالشَّيءِ اليَسِيرِ. واقْتَصرَ عليه أيضًا في «الفُروعِ». الثَّانيةُ، للوَلِيِّ أنْ يأْذَنَ للصَّغِيِرَةِ أن تَلْعَبَ باللُّعَبِ -إذا كانتْ غيرَ مُصَوَّرَةٍ- وشِراؤُها لها بمالِها. نصَّ عليهما، وهذا المذهبُ.
وقيل: مِن مالِه. وصحَّحه النَّاظِمُ في «آدابِه». وهما احْتِمالان مُطْلَقان في «التَّلْخيصِ»، في بابِ اللِّباسِ.
قال: (وله شراء الأضحية لليتيم الموسر. نص عليه. وتركه في المكتب وأداء الأجرة عنه) .
أما كون الولي له شراء الأضحية لليتيم الموسر؛ فلأن فيه توسعة على اليتيم الموسر في يوم العيد وجبراً لقلبه. وقد نبه الشرع على التوسعة في العيد بقوله:«أيام أكل وشرب وذكرٍ لله عز وجل» رواه مسلم.
وأما كونه له تركه في المكتب وأداء الأجرة عنه؛ فلأن ذلك من مصلحته فجرى مجرى نفقته لمأكوله ومشروبه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.