وَلَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ،
الشروح عليها
مسألة: (ولا ضَمانَ على حَجّامٍ، ولا خَتّانٍ، ولا بَزّاغٍ (١) ، ولا طَبِيبٍ، إذا عُلِم منهم حِذْقُ الصَّنْعَةِ، ولم تَجْنِ أيدِيهِم) وجملةُ ذلك، أنَّ هؤلاءِ إذا فَعَلُوا ما أُمِرُوا به لم يَضْمَنُوا بِشَرْطَينِ؛ أحَدُهما، أن يَكُونُوا ذَوي حِذْقٍ في صِناعَتِهم؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ كذلك، لم يَحِلَّ له مُباشَرَةُ القَطْعِ،
فإذا قَطَع مع هذا، كان فِعْلًا مُحَرَّمًا، فيَضْمَنُ سِرَايَتَه، كالقَطْعِ ابْتداءً. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَطَبَّبَ بِغَير عِلْمٍ، فَهُوَ ضَامِنٌ»، رَوَاه أبو داودَ .
والثاني، أن لا تَجْنِيَ أيدِيهُم، فيَتَجاوَزَوا ما يَنْبَغِي أن يُقْطَعَ.
فإذا وُجِدَ هذان الشَّرْطان لم يَضْمَنُوا؛ لأَنهم قَطَعُوا قَطْعًا مَأْذُونًا فيه، فلم يَضْمَنُوا سِرايَتَه، كقَطْعِ الإمامِ يَدَ السّارِقِ.
فأمّا إن كان حاذِقًا وجَنَتْ يَدُه، مثلَ أن يُجاوزَ قَطْعَ الخِتانِ إلى الحَشَفَةِ، أو إلى بعضِها، أو يَقْطَعَ في غيرِ مَحَلِّ القَطْعِ، أو قَطَع سَلْعَة مِن إنْسانٍ، فتَجاوَزَ بها مَوْضِعَ القَطْعِ، أو يَقْطَعَ بآلةٍ كالَّةٍ يَكْثُرُ أَلَمُها، أو في وَقْتٍ لا يَصْلُحُ القَطْعُ فيه، وأشْباهُ هذا، ضَمِنَ فيه كلِّه؛ لأنَّه إتْلافٌ لا يَخْتَلِفُ ضَمانُه بالعَمْدِ والخَطَأ، فأشْبَهَ إتْلافَ المالِ، ولأنَّه فِعْل مُحَرَّمٌ، فيَضْمَنُ سِرايَتَه، كالقَطْعِ ابْتِداءً.
وكذلك الحُكْمُ في البزّاغِ ، والقاطِعِ في القِصَاصِ، وقاطِعِ يَدِ السّارِقِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي. ولا نَعْلَمُ فيه مخالفًا.
فصل: وإن خَتَنَ صَبِيًّا بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، أو قَطَع سَلْعَةً مِن إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه، أو مِن صَبِيٍّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، فَسَرَتْ جِنايَتُه، ضَمِنَ؛ لأنَّه قَطْعٌ غيرُ مَأْذُونٍ فيه،
وإن فَعَل ذلك الحاكِمُ، أو وَلِيُّه، أو فَعَلَه مَن أذِنَا له، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه شَرْاعًا.
٢٢١٥ -
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ، وَلَا خَتَّانٍ، وَلَا بَزَّاغٍ) وَهُوَ الْبَيْطَارُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولا ضَمانَ على حَجَّام، ولا خَتَّانٍ، ولا بَزَّاغٍ -وهو البَيطارُ- ولا طَبيبٍ، إذا عُرِفَ فهم حِذْقُ الصَّنْعَةِ، ولم تَجْنِ أَيدِيهم. هذا المذهبُ، وعليه الأَصحابُ، وقطَع به كثيرٌ فهم.
[وقال في «الرِّعايةِ»: وقلتُ: إنْ كان أحدُهم أجِيرًا خاصًّا أو مُشْتَرَكًا، فله حُكْمُه.
وكذا قال في الرَّاعِي] .
وقال ابنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبِي مُوسى: إنْ ماتَتْ طِفْلَةٌ مِنَ الخِتانِ، فدِيَتُها على عاقِلَةِ خاتِنِها. قضَى بذلك عمرُ رَضِيَ اللهُ عنه.
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه مِنَ الأصحابِ، أنَّه لا ضَمانَ عليه، سواءٌ كان أجِيرًا خاصًّا أو مُشْتَرَكًا. وهو صحيحٌ. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ»، عدَمَ الضَّمانِ في الأجيرِ المُشْتَرَكِ لا غيرُ،
وقال: لأنَّه الغالِبُ مِن هؤلاءِ، وأنَه لو اسْتُؤْجِرَ لحَلْقِ رُءوسٍ يَوْمًا، فَجنَى عليها بجِراحَةٍ، لا يضْمَنُ، كجِنايَتِه في قِصارَةٍ وخِياطَةٍ ونِجارَةٍ. واخْتارَ في «الرِّعايةِ»، أنَّ كُلًّا مِن هؤلاءِ له حُكْمُه، إنْ كان خاصًّا، فله حُكْمُه،
وإنْ كان مُشْتَرَكًا، فله حُكْمُه.
وكذا قال في الرَّاعِي. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، يُشْترَطُ لعدَمِ الضَّمانِ في ذلك أيضًا،
وفي قَطْعِ سَلْعَةٍ ونحوه، إذنُ المُكَلِّفِ أو الوَلِيِّ،
فإنْ لم يأْذَنا، ضَمِنَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وقدَّمه في «الفُروعِ». واخْتارَ في «الهَدْي» عَدَمَ الضَّمانِ. قال: لأنَّه مُحْسِنٌ.
وقال: هذا مَوْضِعُ نظَرٍ. الثَّانيةُ، يجوزُ أنْ يَسْتَأْجِرَ طَبِيبًا، ويُقَدِّرَ ذلك بالمُدَّةِ؛ لأنَّ العَمَلَ غيرُ مَضْبُوطٍ، ويُبَيِّنُ قَدْرَ ما يأْتِي له؛ هل هو مَرَّة أو أكثرُ؟
ولا يجوزُ التَّقْديرُ بالبُرْءِ عندَ القاضي، وجوَّزَه ابنُ أبِي مُوسى. واخْتارَه المُصَنِّفُ،
وقال: لكِنْ يكونُ جَعالةً لا إجارَةً. انتهى.
فإنِ اسْتَأْجَرَه مُدَّةً يكْحَلُه أو يُعالِجُه فيها، فلم يَبْرَأْ، اسْتَحَقَّ الأَجْرَ،
وإنْ برَأَ في أثْناءِ المُدَّةِ، انْفَسَخَتِ الإجارَةُ فيما بَقِيَ،
وكذا لو ماتَ. فإنِ امْتَنَعَ المَرِيضُ مِن ذلك، مع بَقاءِ المرَضِ، اسْتَحَقَّ الطَّبِيبُ الأجْرَ بمُضِيِّ المُدَّةِ.
فأمَّا إنْ شارَطَه على البُرْءِ، فهي جَعالةٌ، لا يسْتَحِقُّ شيئًا حتى يُوجَدَ البُرْءُ، وله أحْكامُ الجَعالةِ. وتقدَّم أنَّ الصَّحيحَ مِنَ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ.
المذهبِ، جَوازُ اشْتِراطِ الكُحْلِ على الطَّبِيبِ، ويدْخُلُ في الإِجارَةِ تبَعًا، كنَقْعِ البِئْرِ.
قال: (ولا ضمان على حجام، ولا ختان، ولا بزاغ، ولا طبيب: إذا عرف منهم حذق، ولم تجن أيديهم. ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد) .
أما كون الحجام والختان والبزاغ وهو البيطار والطبيب لا ضمان عليهم مع معرفة الحذق منهم وعدم جناية أيديهم؛ فلأنهم فعلوا فعلاً مأذوناً لهم فيه فلم يضمنوا سراية ذلك؛ كقطع الإمام يد السارق.
وأما كونهم عليهم الضمان مع عدم معرفة الحذق منهم؛ فلأنهم إذا لم يكن فيهم حذق لم يحل لهم مباشرة القطع ولا التداوي لما فيه من الخطر المؤدي إلى التلف وذلك لا يقتضي نفي الضمان بل وجوبه.
وأما كونهم عليهم الضمان إذا جنت أيديهم؛ كخَتّان تجاوز القطع من الختان إلى الحشفة، وطبيب قطع سَلَعَةً فتجاوزها، أو قطع بآلة كالّة يكثر ألمها، ونحو ذلك؛ فلأن الإتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ.
ولأن هذا فعل محرم فيضمن كالقطع ابتداء.
وأما كون الراعي لا ضمان عليه إذا لم يتعد؛ فلأنه أجير خاص وقد تقدم أن الأجير الخاص لا ضمان عليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.