وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا انْتَقَلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِحَالٍ
الشروح عليها
مسألة: (ولا) تَجِبُ (فيما عِوَضُه غيرُ المالِ؛ كالصَّدَاقِ، وعِوَضِ الخُلْعِ، والصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ) المُنْتَقِلُ بعِوَض على ضَرْبَينِ؛ أحدُهما، ما عِوضُه المالُ، كالبَيعِ، ففيه الشُّفْعَةُ، بغيرِ خِلافٍ،
وكذلك كلُّ ما جَرَى مَجْراه، كالصُّلْحِ بمَعْنَى البَيعِ، والصُّلْحِ عن الجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، والهِبَةِ المَشْرُوطِ فيها ثَوابٌ مَعْلُومٌ؛ لأن ذلك بَيعٌ يَثْبُتُ فيه أحْكامُ البَيعِ، وهذا منها. وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ وأصحابَه قالوا: لا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ في الهِبَةِ المَشْرُوطِ فيها ثَوابٌ حتى يتَقَابَضَا؛ لأنَّ الهِبَةَ لا تَثْبُتُ إلَّا بالقَبْضِ، فأشْبَهَتِ البَيعَ بشَرْطِ الخِيارِ. ولَنا، أنَّه تَمَلَّكَها بعِوَضٍ، هو مالٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى القَبْضِ في اسْتِحْقاقِ الشُّفْعَةِ، كالبَيعِ.
ولا يَصِحُّ ما قالوه مِن اعْتِبارِ لَفْظِ الهِبَةِ؛ لأن العِوَضَ صَرَفَ اللَّفْظَ عن مُقْتَضاه، وجَعَلَه عِبارَةً عن البَيعِ خاصَّةً عندَهم، فإنه يَنْعَقِدُ بها النِّكاحُ الذي لا تَصِحُّ الهِبَةُ فيه بالاتِّفاقِ . الضربُ الثاني، ما انْتَقَلَ بعِوَض غيرِ المالِ، نَحْوَ أنَّ يَجْعَلَ الشِّقْصَ مَهْرًا أو عِوَضًا في الخُلْعِ، أو في الصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، فلا شُفعَةَ، فيه، في ظاهِرِ كَلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه لم يَتَعَرَّضْ في جَمِيعِ مَسائِلِه لغيرِ البَيعِ. اخْتارَه أبو بكرٍ.
وبه قال الحَسَنُ، والشَّعْبِي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. حَكاه عنهم ابنُ المُنْذِرِ واخْتارَه.
وقال ابنُ حامِدٍ: تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ. وبه قال ابنُ شُبْرُمَةَ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، ومالكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ؛ لأنَّه عَقارٌ مَمْلُوكٌ بعقدِ مُعاوَضةٍ، أشْبَهَ البيعَ. ووجهُ الأوَّلِ، أنَّه مَمْلُوكٌ بغيرِ مالٍ، أشْبَهَ المَوْهُوبَ والمَوْرُوثَ، ولأنَّه يَمْتَنِعُ أخْذُه بمَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّنا لو أوْجَبْنا مَهْرَ المِثْلِ لقَوَّمْنا البُضْعَ على الأجانِبِ، وأضْرَرْنَا بالشَّفِيعِ؛ لأنَّ مَهْرَ المِثْلِ يتَفَاوَتُ مع المُسَمَّى؛ لتَسامُحِ الناسِ فيه في العادَةِ. ويَمْتَنِعُ أخْذُه بالقِيمَةِ؛ لأنَّها ليست عِوَضَ الشِّقْصِ، فلا يَجُوزُ الأخْذُ بها، كالمَوْرُوثِ، فيَتَعَذَّرُ أخْذُه.
وفارَقَ البَيعَ، فإنَّه أمْكَنَ الأخْذُ بعِوَضِه.
فإن قُلْنا: يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ. فطَلَّقَ الزَّوْجُ قبلَ الدُّخُولِ بعدَ عَفْو الشَّفِيعِ، رَجَع بنِصْفِ ما أصْدَقَها؛ لأنَّه مَوْجُود في يَدِها بصِفَتِه،
وإن طَلَّقَ بعدَ أخْذِ الشَّفِيع، رَجَع بنِصْف قِيمَتِه؛ لأنَّ مِلْكَها زال عنه، فهو كما لو باعَتْه.
وإن طَلقَ قبلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ ثم عَلِم، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ؛ لأنَّه ثَبَت بالنِّكَاحِ السّابِقِ على الطَّلاقِ، فهو أسْبَقُ.
والثاني، حَقُّ الزَّوْجِ مُقَدَّمٌ؛ لأنَّه ثَبَت بالنَّصِّ والإجْماعِ، والشُّفْعَةُ ههُنا لا نَصَّ فيها ولا إجْماعَ.
فأمّا إن عَفَا الشَّفِيعُ، ثم طَلَّقَ الزَّوْجُ فرَجَعَ في نِصْفِ الشِّقْصِ، لم يَسْتَحِقَّ الشَّفِيعُ الأخْذَ منه؛ لأنَّه عادَ إلى المالِكِ؛ لزَوالِ العَقْدِ، فلم يَسْتَحِقَّ به الشَّفِيعُ، كالرَدِّ بالعَيبِ.
وكذلك كلُّ فَسْخٍ يَرْجِعُ به الشِّقْصُ إلى العاقِدِ؛ كرَدِّه بعَيب، أو مُقايَلةٍ، أو اخْتلافِ المُتَبايِعَين، أو رَدِّه لغَبْنٍ. وقد ذَكَرْنا في الإِقَالةِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّها بَيعٌ، فتَثْبُتُ فيها الشُّفْعَةُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. فعلى هذا، لو لم يَعْلَم الشَّفِيعُ حتى تَقايَلَا، فله أنَّ يَأْخُذَ مِن أيِّهما شاء،
وإن عَفَا عن الشُّفْعَة في البَيعِ ثم تَقايَلَا، فله الأخْذُ بها.
(وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا انْتَقَلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ) كَالْهِبَةِ بِغَيْرِ ثَوَابٍ وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْإِرْثِ (بِحَالٍ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، وَالْأَخْذُ يَقْتَضِي دَفْعَ الْعِوَضِ، وَلَمْ يَقْصِدْ فِيهَا الْمُعَاوَضَةَ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْمَرْدُودُ بِالْعَيْبِ، أَوِ الْفَسْخِ (وَلَا فِيمَا عِوَضُهُ غَيْرُ الْمَالِ كَالصَّدَاقِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِغَيْرِ الْمَالِ أَشْبَهَ الْإِرْثَ،
وَالثَّانِي يَجِبُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقَالَهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَأَطْلَقَ فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا أُخِذَ أُجْرَةً، أَوْ ثَمَنًا فِي سَلَمٍ، أَوْ عِوَضًا فِي كِتَابَةٍ،
فَإِنْ وَجَبَتْ، فَقِيلَ: يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ،
وَقِيلَ: بِقِيمَةِ مُقَابِلِهِ، وَعَلَى الْأَخْذِ لَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ بَعْدَ الدُّخُولِ بَعْدَ عَفْوِ الشَّفِيعِ رَجَعَ بِنِصْفِ مَا أَصْدَقَهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي يَدِهَا نَصِفُهُ،
وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا زَالَ عَنْهُ،
وَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ ثُمَّ عَلِمَ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالنِّكَاحِ السَّابِقِ.
وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ حَقُّ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَهُمَا مَعْدُومَانِ فِي الشُّفْعَةِ هُنَا، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا انْتَقَلَ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ كَالصُّلْحِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَالصُّلْحِ عَنِ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، وَالْهِبَةِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا ثَوَابٌ مَعْلُومٌ، فَإِنَّهَا تُثْبَتُ فِيهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُثْبَتُ فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ.
فَرْعٌ: إِذَا جَنَى جِنَايَتَيْنِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَصَالَحَهُ مِنْهُمَا عَلَى شِقْصٍ، فَالشُّفْعَةُ فِي نِصْفِهِ فَقَطْ إِنْ قُلْنَا: مُوجَبُ الْعَمْدِ الْقِصَاصُ عَيْنًا، وَإِلَّا وَجَبَ فِي الْجَمِيعِ.
[الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ شِقْصًا] فَصْلٌ
ولا شُفْعَةَ فيما عِوَضُه غيرُ المالِ؛ كالصَّداقِ، وعِوَضِ الخُلْعِ، والصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، في أحَدِ الوَجْهَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ». وظاهِرُ «الشَّرْحِ» الإِطْلاقُ؛ أحدُهما، لا شُفْعَةَ في ذلك. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «الكافِي»: لا شُفْعَةَ فيه في ظاهِرِ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا أشْهَرُ الوَجْهَين عندَ القاضي، وأكثرِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحابِه. قال ابنُ مُنَجَّى: هذا أوْلَى. قال الحارِثِيُّ: أكثرُ الأصحابِ قال بانْتِفاءِ الشُّفْعَةِ؛ منهم أبو بَكْر، وابنُ أبِي مُوسى، وأبو عليِّ بنُ شِهابٍ، والقاضي، وأبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي يَعْقُوبُ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَر، وأبو القاسِمِ الزَّيدِيُّ، والعُكْبَرِيُّ، وابنُ بَكْروس، والمُصَنِّفُ. وهذا هو المذهبُ، ولذلك قدَّمه في المَتْنِ. انتهى. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وصحَّحه في «التَّصحيحِ»، و «النَّظْمِ». وجزَم به في «العُمْدَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهها. والوَجْهُ الثَّاني، فيه الشُّفْعَةُ. اخْتارَه ابنُ حامِدٍ، وأبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ»، وابنُ حَمْدانَ في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى». وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه». فعلى هذا القَوْلِ، يأْخُذُه بقِيمَتِه. على الصَّحيحِ. اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «الفائقِ». وصحَّحه النَّاظِمُ. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وجزَم به في «الهِدايَةِ».
وقيل: يأْخُذُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بقِيمَةِ مُقابِلِه؛ مِن مَهْرٍ ودِيَةٍ. حَكاه الشَّريفُ أبو جَعْفَر عنِ ابنِ حامِدٍ. وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». وسيأْتِي ذلك في كلام المُصَنِّفِ؛ في آخِرِ الفَصْلِ السَّادِسِ.
فوَائد؛ منها، قال في «الفُروعِ»: وعلى قِياسِ هذه المَسْأَلةِ؛ ما أُخِذَ أُجْرَةً، أو ثَمَنًا في سَلَمٍ، أو عِوَضًا في كِتابَةٍ. وجزَم به في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الكافِي»: ومِثْلُه ما اشْتَراه الذميُّ بخَمْر، أو خِنْزِير. قال الحارِثِيُّ: وطرَد أصحابُنا الوَجْهَين في الشِّقْصِ المَجْعُولِ أُجْرَةً في الإجارَةِ، ولكِنْ نقولُ: الإِجارَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَوْعٌ مِنَ البَيعِ، فيَبْعُدُ طَرْدُ الخِلافِ [إذَنْ. فالصَّحيحُ على أصْلِنا، جرَيانُ الشُّفْعَةِ، قوْلًا واحِدًا.
ولو كان الشِّقْصُ جُعْلًا في جَعالةٍ، فكذلك مِن غيرِ فَرْقٍ. وطرَد صاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُه مِنَ الأصحابِ الخِلافَ] أيضًا في الشِّقْصِ المأْخُوذِ عِوَضًا عن نُجومِ الكِتابَةِ. ومنهم مَن قطَع بنَفْي الشفْعَةِ فيه، وهو القاضي يَعْقُوبُ. ولا أعْلَمُ لذلك وَجْهًا. وحكَى بعضُ شُيوخِنا، فيما قرأْتُ عليه، طَرْدَ الوَجْهَين أيضًا في المَجْعولِ رأْسَ مالٍ في السَّلَمِ. وهو أيضًا بعيدٌ؛
فإنَّ السَّلَمَ نَوْعٌ مِنَ البَيعِ. انْتَهى كلامُ الحارِثِيِّ، ثم قال: إذا تقَرَّرَ ما قُلْنا في فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ شِقْصًا مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ يَنْقَسِمُ،
فَأَما الْمَقْسُومُ الْمُحَادُ فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِ فِيهِ.
المأْخُوذِ عِوَضًا عن نُجومِ الكِتابَةِ،
فلو عجَز المُكاتَبُ بعدَ الدَّفْعِ ورَقَّ، هل تجِبُ الشُّفْعَةُ إذَنْ؟
قال في «التَّلْخيصِ»: يحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، نعم.
والثَّاني، لا، وهو أوْلَى. الثَّانيَةُ، لو قال لأمِّ وَلَدِه: إنْ خدَمْتِ أوْلادِي شَهْرًا، فلك هذا الشِّقْصُ. فخَدَمَتْهم، اسْتَحَقَّتْه، وهل تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ؟ يحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، نعم. وهذا على القَوْلِ بالشُّفْعَةِ في الإِجارَةِ.
والثَّاني، لا؛ لأنَّها وَصِيَّة. قاله الحارِثِيُّ. وهذا الثَّاني هو الصَّوابُ. الثَّالثةُ، إذا قيلَ بالشفْعَةِ في المَمْهُورِ، فطَلَّقَ الزَّوْجُ قبلَ الدُّخولِ، وقبلَ الأخْذِ، فالشُّفْعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ في النِّصْفِ بغيرِ إشْكالٍ، وما بَقِيَ؛ إنْ عفَا عنه الزَّوْجُ، فهِبَةٌ مُبْتَدَأة لا شُفْعَةَ فيه، على الصَّحيحِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يسْتَحِقُّه الشَّفِيعُ.
وإنْ لم يَعْفُ، فلا شُفْعَةَ فيه أيضًا. على الصَّحيحِ؛ لدُخُولِه في مِلْكِ الزَّوْجِ قبلَ الأخْذِ. قدَّمه في «شَرْحِ الحارِثِيِّ». وذكَر القاضي، وابنُ عَقِيلٍ احْتِمالين، والمُصَنِّفُ وَجْهَين. قال الحارِثِيُّ: والأخْذُ هُنا بالشُّفْعَةِ لا يتَمَشَّى على أصُولِ أحمدَ.
وإنْ أخَذ الشَّفِيعُ قبلَ الطَّلاقِ، فالشُّفْعَةُ ماضِيَة، ويرْجِعُ الزَّوْجُ إلى نِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ. قال القاضي وغيرُه: يرْجِعُ بأقَلِّ الأمْرَين؛ مِن نِصْفِ قِيمَتِه يَوْمَ إصْداقِها، ويَوْمَ إقْباضِها. قوله: الثَّاني، أَنْ يكونَ شِقْصًا مُشاعًا مِن عَقارٍ يَنْقَسِمُ -يعْنِي قِسْمَةَ إجْبارٍ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . .
فأمَّا المَقْسُومُ المَحْدُودُ، فلا شُفْعَةَ لجارِه فيه. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: تثْبُتُ الشُّفْعَةُ للجارِ. وحكاه القاضي يَعْقُوبُ في «التَّبْصِرَةِ»، وابنُ الزَّاغُونِيِّ عن قَوْم مِنَ الأصحابِ رِوايَةً. قال الزَّرْكَشِيُّ: وصحَّحه ابنُ الصَّيرَفِيِّ، واخْتارَه الحارِثِيُّ، فيما أظُنُّ، وأخَذ الرِّوايَةَ مِن نَصِّه في رِوايَةِ أبِي طالِبٍ، ومُثَنَّى، لا يحْلِفُ أنَّ الشُّفْعَةَ تُسْتَحَقُّ بالجِوارِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . .
قال الحارِثِيُّ: والعَجَبُ ممَّن يُثْبِتُ بهذا رِوايَةً عن أحمدَ.
قال في «الفائقِ»: وهو مأخَذٌ ضعيفٌ.
وقيل: تجِبُ الشُّفْعَةُ بالشَّرِكَةِ في مَصالحِ عَقارٍ. اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وصاحِبُ «الفائقِ». وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد سأَلَه عنِ الشُّفْعَةِ؟ فقال: إذا كان طَريقُهما واحِدًا شُرَكاءَ، لم يقْتَسِمُوا،
فإذا صُرِّفَتِ الطُّرُقُ، وعُرِفَتِ الحُدودُ، فلا شُفْعَةَ. وهذا هو الذي اخْتارَه الحارِثِيُّ. لا كما ظَنَّه الزَّرْكَشِي، مِن أنَّه اخْتارَ الشُّفْعَةَ للجارِ مُطْلَقًا،
فإنَّ الحارِثِيَّ قال: ومِنَ النَّاسِ مَن قال بالجَوازِ، لكِنْ بقَيدِ الشَّرِكَةِ في الطَّريقِ. وذكَر ظاهِرَ كلامِ أحمدَ المُتقَدِّمِ، ثم قال: وهذا الصَّحيحُ الذي يتَعَيَّنُ المَصِيرُ إليه.
ثم ذكَر أدِلَّتَه، وقال: وفي هذا المذهبِ جَمْعًا بينَ الأخْبارِ دُونَ غيرِه، فيكونُ أوْلَى بالصَّوابِ.
فوائد؛ منها، شَرِيكُ المَبِيعِ أوْلَى مِن شَرِيكِ الطَّريقِ، على القَوْلِ بالأخْذِ. قاله الحارِثِيُّ. ومنها، عدَمُ الفَرْقِ في الطَّرِيقِ بينَ كَوْنِه مُشْتَرَكًا بمِلْكٍ، أو باخْتِصاص. قدَّمه الحارِثِيُّ،
وقال: ومِنَ النَّاسِ مَن قال: المُعْتَبَرُ شَرِكَةُ المِلْكِ، لا شَرِكَةُ الاخْتِصاصِ. وهو الصَّحيحُ. ومنها، لو بِيعَتْ دارٌ في طَرِيقٍ، لها دَرْبٌ في طريقٍ لا ينْفُذُ، فالأَشْهَرُ تجِبُ، إنْ كان للمُشْتَرِي طَرِيق غيرَه، أو أمْكَنَ فَتْحُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بابِه إلى شارِعٍ. قاله في «الفُروعِ». وجزَم به في «التَّلْخيصِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الشَّرْحِ» وغيرِه.
وقيل: لا شُفْعَةَ بالشَّرِكَةِ فيه فقط. ومال إليه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقيل: بلى. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
وإنْ كان نَصِيبُ المُشْتَرِي فوقَ حاجَتِه، ففي الزَّائدِ وَجْهان. اخْتارَ القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وُجوبَ الشُّفْعَةِ في الزَّائدِ.
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»: والصّحيحُ، لا شُفْعَةَ. وصحَّحه وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ، كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالْبِئْرِ، الشَّارِحُ. وأطْلَقَهما الحارِثِيُّ في «شَرْحِه»، و «الفُروعِ».
وكذا دِهْلِيزُ الجارِ، وصَحْنُ دارِه. قاله في «الفُروعَ»، والحارِثِيُّ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. ومنها، لا شُفْعَةَ بالشَّرِكَةِ في الشِّرْبِ مُطْلَقًا؛ وهو النَّهْرُ، أو البئْرُ، يسْقِي أرْضَ هذا وأرْضَ هذا،
فإذا باعَ أحدُهما أرْضَه، فليس للآخَرِ الأخْذُ بحَقِّه مِنَ الشِّرْبِ. قاله الحارِثِيُّ وغيرُه. ونصَّ عليه.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.